تحليل سياسة عالمية
سعود المولى

أميركا والعالم في خريف 2026

فوضى مُدارة وإعادة تشكيل قسري للنظام الدولي

21 أيلول 2026

تقترب الولايات المتّحدة من استحقاق داخلي بالغ الحساسية: انتخابات التجديد النصفي المقرّرة مطلع تشرين الثاني والتي ستكون بمثابة استفتاء شعبي على أداء دونالد ترامب في نصف ولايته الأوّل أكثر ممّا هي تنافس بين مرشّحين. وما يجعل هذا الاستحقاق الانتخابي أشدّ تعقيدًا من أي استحقاق نصفي سابق هو أنّ ترامب لم يكتفِ بإدارة السياسة الداخلية الأميركية، بل انخرط في إعادة تشكيل جذرية لعلاقة بلاده بالعالم، عبر سلسلة من القرارات المتسارعة والمتناقضة أحياناً: من إعادة التفاوض على مصير أوكرانيا فوق رأس كييف وحلفائها الأوروبيين، إلى قيادة مواجهة مباشرة مع إيران انتهت بحرب مفتوحة، مروراً بمقاربة جديدة كلّياً تجاه الصين تقوم على «إدارة التنافس» بدل المواجهة الشاملة، وصولًا إلى إعادة تأكيد صريحة للهيمنة الأميركية التقليدية في محيطها القريب- أميركا اللاتينية- عبر مزيج غير مسبوق من التدخّل العسكري المباشر (كما حصل في فنزويلا) والإكراه التجاري (البرازيل وكولومبيا والمكسيك) والانفتاح الدبلوماسي الانتقائي مع الحلفاء الايديولوجيين الجدد (بوليفيا والأرجنتين وتشيلي).

هذه القرارات الخارجية، وإن بدت للوهلة الأولى منفصلة عن حسابات صناديق الاقتراع الأميركية، إنّما تُدار جميعها بمنطق واحد: رجل يحاول الإثبات أمام ناخبيه أنّه ينهي «حروب الآخرين» ويحمي المال الأميركي من الانزلاق في التزامات لا حدود لها، وفي الوقت ذاته يُظهِر قدرة على الحسم السريع والصلب حين تسمح الجغرافيا والقوّة النسبية بذلك- حتّى لو كان الثمن هو التخلّي عن حلفاء تاريخيين، أو ترك فراغات جيوسياسية يملؤها آخرون، أو انتهاك السيادة الوطنية لدول الجوار المباشر. فكيف يدير ترامب هذه الأزمات المتعدّدة في آن واحد، بمزيج متفاوت من ضبط النفس الحذر (إيران، أوكرانيا) والحسم العسكري المباشر (فنزويلا)؟ وما الذي يعنيه أسلوبه هذا- القائم على الصفقات الثنائية السريعة والقوّة الانتقائية بدل الالتزامات المؤسّسية طويلة الأمد- بالنسبة لموازين القوى العالمية، ولمستقبل أوروبا تحديدًا، التي تجد نفسها اليوم في موقع المتفرّج القلق أكثر ممّا هي شريك فاعل في القرارات التي تمسّ أمنها المباشر؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من فهم المسرح الأوسع الذي تتحرّك فيه واشنطن: هناك دولتان تُهيمنان على المنافسة الجيوسياسية العالمية، الولايات المتّحدة القوّة الراسخة، والصين القوّة الصاعدة المدفوعة برغبة في تعديل واقع النظام العالمي القائم. وتحوم حولهما روسيا التي تحاول تعويض ضعفها البنيوي بالارتكاز على الديناميكية الصينية، والهند التي بدأت تدخل حلبة المنافسة الدولية بثقة متصاعدة. أما أوروبا، فهي الطرف الأضعف في هذه المعادلة، إذ تعيش احتضار وهم الارتباط الأطلسي ووهم النظام المعولم المنظّم، في وقت تُتّخذ فيه القرارات المصيرية بشأن مستقبلها بعيدًا عن طاولتها، وأحياناً على حسابها المباشر- تمامًا كما تُدار قارة أميركا اللاتينية بأكملها اليوم وفق حسابات واشنطن الخاصّة، من دون إطار جماعي أو تشاوري حقيقي.

عقيدة ترامب الثالثة: بين حطامَي بوش وأوباما

يمكن فهم سياسة ترامب الخارجية، وتحديدًا تجاه إيران والشرق الأوسط، بوصفها محاولة للسير بين حطامَين تاريخيَين يعتبرهما فاشلَين بامتياز: حرب جورج بوش الابن لتغيير النظام في العراق، التي وصفها ترامب بأنّها ربّما كانت أسوأ قرار في تاريخ الرئاسة الأميركية، وسياسة باراك أوباما تجاه إيران، حيث خلص الأخير (بعد العراق) إلى أن مسار هذه السياسة الوحيد الممكن هو الانكفاء ودفع ثمن الهدوء لطهران وتسمية ذلك سلاماً.

ما يحاوله ترامب أصعب ممّا فعله سلفاه: تطبيق قدر كافٍ من القوّة لتغيير حسابات الحرس الثوري الإيراني، من دون الانزلاق إلى حرب احتلال شاملة تجرّه إليها ديناميكية الصراع نفسها. وقد تجلّى هذا النهج بوضوح في الجولة الثانية من الحرب على إيران في شباط 2026، حين لم تفضِ الضربات الجوية المشتركة الأميركية-الإسرائيلية إلى حسم الموقف، فلجأت واشنطن إلى تشديد الحصار الاقتصادي بدلاً من ذلك، بينما ردّت طهران بإغلاق مضيق هرمز الذي ما زال حتّى اليوم (أيلول 2026) في حالة إغلاق شبه كامل أو «إغلاق معلن سياسيًا وعسكريًا» بحسب تعبير محلّلين، رغم النفي الأميركي المتكرّر. فقد أكّد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الجنرال محسن رضائي، في السادس من أيلول 2026، أنّ المضيق الذي كان يعبره أكثر من مئة سفينة يومياً، لا يعبره الآن سوى سبع إلى ثماني سفن كحدٍّ أقصى، وأنّ طهران ستعلن قريبًا عن منطقة محظورة إضافية خارج المضيق.

هذا المأزق، بحسب تحليلات أميركية، يعكس ظاهرة أكبر من خصوصيات إيران أو تركيبة ترامب السياسية: ثورة في طبيعة الحرب ذاتها لم يلحق بها النقاش السياسي الأميركي بعد. فالجمود في مضيق هرمز نتاج انتشار الأسلحة الدقيقة الرخيصة الثمن، وليس نتاج مزاج رئاسي متقلّب. الاعتراف بهذه الحقيقة يستلزم التخلّي عن مواقف عزيزة على كلا المعسكرَين الحزبيَين في واشنطن: أنّ القوّة العسكرية الأميركية لم تعد قادرة على فرض حسم سريع ونظيف كما كانت من قبل.

لكن هذا «الحذر المحسوب» الذي ميّز نهج ترامب في إيران وأوكرانيا يتناقض بشكل صارخ مع النهج الذي تبنّاه في محيطه الإقليمي المباشر- أميركا اللاتينية- حيث بدت «عقيدة ترامب الثالثة» أقرب إلى إحياء صريح لمنطق «مبدأ مونرو» التقليدي منها إلى أي حذر استراتيجي. ففي فجر الثالث من كانون الثاني 2026، وبعد أشهر من الحشد العسكري في جنوب البحر الكاريبي ضمن «عملية الرمح الجنوبي» وضربات متكرّرة على سفن اتُّهمت بتهريب المخدّرات، نفّذت قوّات النخبة الأميركية «دلتا» عملية عسكرية مباشرة داخل فنزويلا، اقتحمت خلالها القصر الرئاسي في كاراكاس واعتقلت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته لنقلهما لمحاكمتهما في الولايات المتّحدة- في تكرار متعمّد لسيناريو اعتقال الرئيس البنمي مانويل نورييغا عام 1989. هذا التحرّك، الذي وصفه معلّقون غربيون بأنّه «غير قانوني» ويرسّخ سابقة خطيرة قد تُستخدم لتبرير عمليات مماثلة (كعملية صينية محتملة ضد تايوان)، شكّل أوضح مثال على أن ترامب لا يتردّد في استخدام القوّة العسكرية الخام حين تكون موازين القوة لصالحه بشكل ساحق، بعكس مقاربته الأكثر حذرًا في الساحات التي يواجه فيها خصماً قادراً على الردّ المكافئ (إيران) أو قوّة نووية كبرى (روسيا).

وقد ترافَق هذا الحسم العسكري في فنزويلا مع حملة إكراه اقتصادي واسعة طالت معظم القارة: فرضت واشنطن رسومًا جمركية بنسبة 25% (قابلة للارتفاع إلى 37.5% عند تراكم الإجراءات) على مِئات المنتجات البرازيلية بذريعة ممارسات تجارية رقمية، في خطوة اعتبرها الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ذات دوافع سياسية صرفة قبيل الانتخابات الرئاسية البرازيلية المقرّرة تشرين الأوّل 2026 التي يواجه فيها منافِساً يحظى بدعم ترامب؛ كما أُخضعت كوبا لحصار نفطي خانق أدّى إلى انكماش اقتصادي متوقَّع يتجاوز 7% وارتفاع مروّع في معدّل وفيات الرضع، فيما تعيش المكسيك شللًا اقتصادياً جزئياً دفعها للبحث عن شركاء بديلين في بكين وبروكسل. في المقابل، انتهجت واشنطن مساراً دبلوماسياً انتقائياً تماماً تجاه الحكومات الجديدة المتوافقة أيديولوجياً معها: ففي بوليفيا، التي شهدت في تشرين الأول 2025 فوز رودريغو باث (نجل رئيسٍ أسبق) في انتخابات أنهَت عقدَين من هيمنة اليسار، بادرت الإدارة الأميركية باستئناف العلاقات الدبلوماسية على مستوى السفراء بعد قطيعة دامت منذ 2008، معلنةً أنّ «بوليفيا تعود إلى العالم والعالم يعود إلى بوليفيا»- رغم أنّ باث نفسه واجه أكثر من خمسين يومًا من الاحتجاجات الشعبية ضدّ سياساته في الداخل. وتكرّر النمط نفسه مع تشيلي (خوسيه أنطونيو كاست) والأرجنتين (خافيير ميلي) وكولومبيا (الرئيس الجديد المقرّب من واشنطن)، في شبكة تحالفات ثنائية متفرّقة لا تجمعها أي مؤسّسة إقليمية جامعة- على حد تعبير الباحثة مونيكا هيرست: كل رابط حالة فريدة من نوعها، وكل علاقة تُتفاوض عليها مباشرة، دون إطار جماعي.

بهذا المعنى، تكشف أميركا اللاتينية الوجه الأكثر تجرّداً من «عقيدة ترامب الثالثة»: فحيث تسمح موازين القوّة، يُستبدل «ضبط النفس المحسوب» الذي يميز التعامل مع إيران وروسيا بحسم عسكري واقتصادي مباشر لا يخفي نزعته الهيمنية التقليدية، بينما يُستبدَل الإطار المؤسّسي الجماعي (كمنظّمة الدول الأميركية) بشبكة صفقات ثنائية منفصلة مع كل عاصمة على حدة - وهو نفس المنطق الصفقاتي الذي يحكم مقاربته لأوكرانيا والصين وأوروبا، لكن بلا القيود التي يفرضها وجود خصم مُكافئ في تلك الساحات.

الشرق الأوسط الملتهب: غزة ولبنان وهرمز

1. غزّة: من الهدنة الهشّة إلى معضلة «اليوم التالي»

مرّ اتّفاق وقف إطلاق النار في غزّة، الذي دخل حيّز التنفيذ في العاشر من تشرين الأوّل 2025، بأكثر من مرحلة متعثّرة. فبعد أشهر ظلَّ خلالها الاتّفاق محصوراً عمليّاً في تبادل الأسرى والجثامين، أعلنت حماس في 31 تمّوز 2026 موافقتها على خارطة طريق من عشرين بندًا، مبنية على مبادرة ترامب، تقضي بتسليم سلاحها بالكامل- الثقيل منه والخفيف- ووضعه تحت إشراف «اللجنة الوطنية لإدارة غزّة» التي شكّلها «مجلس السلام» الدولي الذي يرأسه ترامب، وذلك بالتوازي مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية وتفكيك شبكة الأنفاق ومنشآت التصنيع العسكري. غير أنّ إسرائيل، وعلى عكس الصورة التي روّج لها البيت الأبيض بوصفها «اتّفاقًا تاريخيًا» مكتملًا، اكتفت بـ«دراسة» خارطة الطريق من دون إعلان قبول رسمي بها. وبحسب إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، سُجّل في الأشهر التسعة الأولى من الاتّفاق نحو 3,689 خرقاً إسرائيلياً، ولم يدخل القطاع سوى نحو 35% من كمّية المساعدات والشاحنات المتّفق عليها.

وحتى الأسبوع الأوّل من أيلول 2026، بات واضحًا أنّ جوهر الخلاف لم يعد يدور حول سلاح حماس بقدر ما بات يدور حول استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في القطاع: فقد نقلت مصادر عن نتنياهو إبلاغه المبعوث الأميركي جاريد كوشنر أنّ قوّات إسرائيل لن تنسحب قبل نزع سلاح حماس بالكامل، بل ربطت تل أبيب بدء أي إعادة إعمار فعلية بإتمام هذه العملية أوّلاً - وهو ما يقلب منطق التسلسل الذي اقترحته خارطة الطريق نفسها. وفي الميدان، ما زالت الأوضاع متوتّرة: غارات إسرائيلية متجدّدة شرق مدينة غزة، وانتشال متواصل لجثث الضحايا من تحت الركام، مقابل استمرار عمليات إجلاء طبّي محدودة عبر معبر رفح بالتنسيق مع الصليب الأحمر ومنظّمة الصحّة العالمية.

يتقاطع هذا المأزق مع تصعيد استيطاني غير مسبوق في الضفّة الغربية، تجاوز حدود المنطقة «ج» التقليدية ليمتد إلى المناطق «أ» و«ب» الخاضعتَين نظرياً لسيطرة فلسطينية مدنية أو مشتركة: ثلاث مستوطنات جديدة افتُتحت خلال أسبوع واحد أوائل أيلول 2026، وموافقات متسارعة على آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، إلى جانب مصادرة أراضٍ واسعة قرب القدس لإقامة مستعمرات تكرّس تقطيع أوصال الضفة، وسط تصاعد ممنهج لهجمات المستوطنين طال عشرات التجمّعات الفلسطينية- في مسار يصفه باحثون فلسطينيون بأنه مخطّط تهجير قسري يحظى برعاية مباشرة من الوزيرين المتطرّفَين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.

ويأتي كل ذلك في سياق سياسي إسرائيلي داخلي بالغ الحساسية: فبعد حلّ الكنيست نفسه في 17 تموز 2026، تتّجه إسرائيل إلى انتخابات مبكرة في 27 تشرين الأول 2026 - أي قبل أيام معدودة من الانتخابات النصفية الأميركية- في استحقاق يُنظَر إليه بوصفه استفتاءً مباشراً على إرث السابع من أكتوبر ومستقبل نتنياهو نفسه. وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدّم متزايد لمعسكر المعارضة، خصوصًا التحالف الوليد بين نفتالي بينيت ويائير لبيد، من دون أن يبلغ ذلك حدّ الأغلبية الحاسمة. وفي ظل هذا المشهد، يسعى نتنياهو إلى تصوير نفسه بوصفه القائد الوحيد القادر على مواجهة «المحور الإيراني» وضمان أمن إسرائيل طويل الأمد- وهو ما يمنحه حافزاً سياسياً مباشِراً للتشدّد في ملفَّي الانسحاب من غزّة والتوسع الاستيطاني في الضفّة، بدل تقديم أي تنازلات قد تُفسَّر كضعف قبيل صناديق الاقتراع. بمعنى آخر، «اليوم التالي» الذي بشّر به ترامب- نزع سلاح حماس وتسليم الأنفاق والترسانة على مراحل- ما زال ملفًا مرهونًا بحسابات انتخابية متزامنة على ضفّتَي الأطلسي، تتقاطع فيها مصلحة نتنياهو في تأجيل الحسم مع مصلحة ترامب في تسويق «نصر» جاهز أمام ناخبيه.

2. لبنان: حرب آذار ومعركة «علي الطاهر» الممتدّة

في الثاني من آذار 2026، وفي خضمّ الحرب الإسرائيلية-الإيرانية، أطلق حزب الله صواريخ باتّجاه إسرائيل انتقامًا لمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، فردّت إسرائيل بحملة غارات استهدفت بيروت، شملت اغتيال عدد من كبار قادة فيلق القدس وفيلق لبنان التابع للحرس الثوري. جاء هذا التصعيد بعد فترة من حالة «اللاحرب واللاسلم» بين الطرفَين منذ اتّفاق تشرين الثاني 2024.

منذ ذلك الحين، تحوّلت مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية في قضاء النبطية إلى محور المواجهة الأبرز بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، لموقعها المرتفع القريب من الحدود ولاحتوائها، بحسب الرواية الإسرائيلية، على أنفاق ومركز قيادة ومخازن سلاح تابعة للحزب. وبعد عملية عسكرية سرّية استمرّت أكثر من أربعة عشر أسبوعاً، أعلن الجيش الإسرائيلي في الأيام الأولى من أيلول 2026 تحقيق «السيطرة العملياتية» الكاملة على التلة وشبكة أنفاقها، فيما نفى حزب الله ذلك نفيًا قاطعًا. غير أن إعلان السيطرة لم يوقف التصعيد، بل رافقه توسّع يومي للغارات والقصف المدفعي وعمليات النسف والتفجير والتجريف في عشرات القرى الجنوبية الممتدّة من الناقورة إلى جبل الشيخ (من دير الزهراني وأنصارية والنبطية الفوقا إلى كفررمان وميفدون وكفرتبنيت والزوطرَين إلى دير سريان وبني حيان ومركبا إلى بيت ياحون والمنصوري ومجدل زون) في نمطٍ متكرّرٍ من الاعتداءات يوقع قتلى وجرحى بشكل شبه يومي، ويثير تساؤلات جدّية حول ما إذا كانت إسرائيل تُمهّد لعملية برّية أوسع.

في موازاة ذلك، تتواصَل في روما، برعاية أميركية مباشرة، جولات تفاوضية غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل - بلغَت جولتها الثامنة في مطلع أيلول 2026- لبحث آلية التحقّق من نزع سلاح حزب الله وتسليمه تدريجيًا للجيش اللبناني، تمهيدًا لانسحاب إسرائيلي من النقاط التي ما زالت تحتلّها. وتتمحور الخلافات حول هوية الجهة التي ستتولّى مهمّة التحقّق الميداني، بعدما استبعد لبنان صراحة الاستعانة بشركات أمنية خاصّة، فيما ترفض واشنطن وتل أبيب تمديد ولاية قوة «يونيفيل» الأممية لهذه المهمة. وتربط الإدارة الأميركية، على لسان سفيرها في بيروت، أي وقف للاعتداءات الإسرائيلية بإحراز تقدّم ملموس في ملف حصر السلاح- وهو ربط يمنح إسرائيل من الناحية العملية غطاءً لمواصلة عملياتها العسكرية بالتوازي مع استمرار المفاوضات لا كبديل عنها. يبقى المشهد اللبناني معلّقًا بين مسارين متوازيين ومتناقضَين: تفاوض دبلوماسي بطيء في روما، وتصعيد عسكري يومي متسارع في الميدان، يجعل أي حسم قريب لملف السلاح احتمالًا بعيدًا.

3. حلف مكة: تحالف دفاعي جديد يُعاد رسم خرائط التحالفات به

من أبرز التطوّرات المؤسّسية لهذا العام، وأكثرها دلالةً على تبدّل موازين الشرق الأوسط، توقيع السعودية وتركيا وباكستان في السابع من آب 2026 اتّفاقية دفاع مشترك في مكّة المكرّمة، برعاية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. الاتّّفاقية، التي أُعيدت تسميتها رسمياً في أواخر أغسطس بـ«حلف مكة الدفاعي»، تنص على أن أي هجوم مسلّح على إحدى الدول الثلاث يُعدّ هجوماً على الجميع- في صيغة تُذكّر بالمادّة الخامسة من ميثاق حلف الناتو.

الأهمّية التاريخية لهذه الخطوة تكمن في كونها أوّل اتّفاقية دفاع مشترك توقّعها الرياض خارج إطار مجلس التعاون الخليجي، بعد عقود من رفضها الانخراط في ترتيبات دفاعية مماثلة (كما حصل مع مبادرة إسطنبول للتعاون الأمني التابعة للناتو عام 2004). الرياض تحوّلت اليوم إلى مقرٍّ دائم للحلف، فيما ستكون باكستان صاحبة أول أمين عام له. وقد جاءت هذه الخطوة في سياق تعقّد أمني غير مسبوق تلته الحروب المتتالية في غزة وإيران، وإغلاق مضيق هرمز، وسط شكوك متصاعدة لدى دول الخليج في مدى التزام واشنطن الأمني تجاهها على المدى الطويل.

شكّل اليمن الاختبار الميداني الأوّل والأصعب لهذا الحلف الوليد، لكنّه اختبار بدأت كفّته تميل بشكل لافت لصالح الرياض والشرعية اليمنية في الأسابيع الأخيرة. فبعد أن أعلن الحوثيون في تموز 2026 فرض ما سمّوه «حظراً بحرياً» على السعودية، وصعّدوا هجماتهم الصاروخية والمسيّرة على العمق السعودي ومنشآت حيوية كميناء المخا ومنشأة أرامكو في جازان، بادرت القوّات الحكومية اليمنية المدعومة سعودياً بضربة استباقية استهدفت مطار صنعاء ووزارة الدفاع داخل مناطق سيطرة الحوثيين- في مؤشّر مبكر على تحوّل استراتيجية الرياض من إدارة الأزمة إلى تنويع أدوات الردع. ومنذ أوائل أيلول 2026، تحوّل هذا التصعيد إلى هجوم مضاد واسع شنّته القوات الحكومية بغطاء جوي سعودي مكثف، تمكّنت خلاله من استعادة مواقع ومناطق استراتيجية في جبهات تعز والحديدة وجبل حبشي وحيفان والجراحي، مع تدمير زوارق مفخّخة حوثية قبالة الخوخة، وإيقاع خسائر بشرية كبيرة في صفوف الحوثيين (تجاوزت 375 قتيلاً خلال تموز وآب وحدهما)، في تقدّم ميداني يهدف إلى تأمين تعز وحماية الطريق نحو باب المندب.

غير أنّ التطوّرات الميدانية الأخيرة انقلبت إلى اختبار قسوة مبكر ومفتوح لفاعلية الحلف الوليد، إثر تحوّل الهجوم الحوثي المضاد إلى نقطة تحوّل حرج على الأرض:

  • التمدّد الاستراتيجي نحو باب المندب: نجح الحوثيون في تنفيذ هجوم واسع استعادوا خلاله مواقع حيوية في الساحل الغربي والمخا، وصولاً إلى فرض السيطرة على ذوباب وجزيرة ميون الاستراتيجية، مما منحهم نفوذاً عملانياً مباشراً على مضيق باب المندب والملاحة الدولية.
  • توسع جغرافيا التهديد: توازت المكاسب الأرضية للحوثيين مع ضربات صاروخية وبطائرات مسيرة استهدفت مواقع ومنشآت نفطية سعودية (أرامكو)، إلى جانب هجمات متزامنة بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية، مما عكس تنسيقاً هجومياً يعبر الحدود ويتجاوز الجغرافيا اليمنية.
  • تحدّي الردع وتكامل الحلف: وضعت هذه الضربات الحلف أمام استحقاق عسكري مباشر يفرض إثبات قدرته على تقديم الدعم الميداني واللوجستي الفعال للشرعية اليمنية وحماية منشآت الطاقة الحيوية.تُظهر هذه التحوّلات أنّ حلف مكة لا يواجه مجرّد أزمة محلّية في اليمن، بل اختباراً حقيقياً لمصداقية بنود دفاعه الجماعي، حيث يظل مستقبل الحلف رهيناً بقدرة أطرافه الثلاثة على صياغة رد استراتيجي موحّد يكبح الهجوم المضاد، في ظلّ مراقبة حذرة ومترقّبة من واشنطن وطهران وإسرائيل.

روسيا وأوكرانيا: تقاسم النفوذ على حساب الشعوب

منذ بداية ولايته الثانية، أعاد ترامب تعريف علاقة واشنطن بموسكو وفق منطق موازين القوى الكبرى الصرف، بعيداً عن تصويرها كعدو مركزي للنظام الدولي، وأقرب إلى التعامل معها كخصم ثانوي يمكن التفاهم معه. الهدف الاستراتيجي المعلن هو منع تعزيز التحالف الروسي-الصيني، باعتبار بكين المنافس النظامي الحقيقي للولايات المتحدة- وهو ما يمثل خروجاً واضحاً عن نهج ولايته الأولى وعن سياسة إدارة بايدن بين 2021 و2024.

الوثائق الاستراتيجية التي نشرتها إدارة ترامب بين كانون الأول 2025 ومطلع 2026 وصفت روسيا بأنّها تهديد «مستمرّ لكن قابل للإدارة»، واتهمت القادة الأوروبيين بالمبالغة في تقدير خطرها وبحمل توقعات غير واقعية بشأن نتائج الحرب الأوكرانية. الجلسة الشهيرة والمتوتّرة في البيت الأبيض في 28 شباط 2025 بين ترامب ونائبه جيه دي فانس والرئيس الأوكراني زيلينسكي كانت مؤشّراً مبكراً على هذا التحوّل، الذي بلغ ذروته في مسعى أميركي لإجراء مفاوضات منفصلة مع موسكو من جهة وكييف من جهة أخرى- وهو نهج يصفه منتقدوه بأنه تمهيد لتفاهم بين قوتين إمبرياليتين على حساب الشعب الأوكراني، عبر تقاسم فعلي لمناطق النفوذ بدل تسوية عادلة قائمة على سيادة أوكرانيا وحدودها المعترف بها دولياً.

وبعد أكثر من أربع سنوات ونصف من الحرب، ودخولها عامها الخامس دون أفق حسم عسكري واضح، تحوّلت هذه المقاربة إلى نمط من «الدبلوماسية المكّوكية تحت النار»: ففي مطلع أيلول 2026، أوفد ترامب مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو، حيث التقيا بوتين في الكرملين لأكثر من ثلاث ساعات (5 أيلول)، قبل أن يتوجّها إلى كييف في اليوم التالي- في أوّل زيارة لهما إلى العاصمة الأوكرانية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض. وتعهّد الجانبان الروسي والأوكراني بالامتناع عن ضرب عاصمتَي بعضهما البعض لثلاثة أيام خلال هذه الجولة، في مؤشّر على هشاشة الثقة أكثر ممّا هو مؤشر على اقتراب تسوية. ووصف الكرملين المحادثات بأنها «مفيدة للغاية» لكن دون إحراز أي تقدّم ملموس، فيما اشترط ترامب علناً عقد قمة مباشرة مع بوتين بوجود «استعداد فعلي» مسبق لإبرام اتفاق سلام- وهو تكتيك يسمح له بإبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً وقابلاً للتسويق سياسياً في الداخل الأميركي، من دون أن يُلزمه بموعد أو نتيجة محددة. وبينما تستمر العمليات العسكرية والضربات الصاروخية والمسيّرة على جانبي الجبهة بالتوازي مع هذه الاتّصالات، يبقى الخلاف قائماً حول الملفّات الجوهرية نفسها التي عرقلت التسوية منذ البداية: رسم الحدود النهائية، ومصير الأراضي التي تسيطر عليها موسكو فعلياً، وطبيعة الضمانات الأمنية لكييف- ما يُبقي مقاربة «تقاسم النفوذ على حساب الشعوب» التي تبنّتها واشنطن منذ مطلع 2025 قائمة كإطار حاكم للمفاوضات، حتى مع تبدّل الوسطاء والمواعيد.

الصين وأميركا: هندسة التعايش الاضطراري

شكّلت قمة بكين في أيار 2026 بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ محطّة رمزية لمحاولة ترميم نظام عالمي متصدّع. جاءت الزيارة في وقت سجّل فيه العجز التجاري الأميركي مع الصين تراجعاً لافتاً إلى 202.1 مليار دولار في عام 2025 (بانخفاض 31.6% عن العام السابق)، ما منح ترامب أرضية لإعلان «نجاح» سياسته الضغطية والانتقال إلى ما وُصف بـ«الصفقة الكبرى الثانية». وأعلن الجانبان في ختام القمّة عن مواصلة تنفيذ تفاهماتهما السابقة وإنشاء مجلسَين للتجارة والاستثمار، إلى جانب الكشف عن زيارة مرتقبة لشي جين بينغ إلى الولايات المتّحدة خلال خريف 2026- ستكون الأولى له إلى واشنطن منذ سنوات، وستشكّل اختباراً مباشراً لمدى صلابة هذا «التعايش الاضطراري» حين ينتقل من أجواء الاستقبال البروتوكولي في بكين إلى ميدان الخصم على أرضه.

لكن قبل أن يُفهم هذا «التعايش» على أنه استقرارٌ راسخٌ، لا بد من التذكير بهشاشته البنيوية: ففي تشرين الأول 2025، أي قبل أشهر قليلة فقط من قمّة بكين، كاد الطرفان ينزلقان إلى انهيار كامل للهدنة التجارية، حين هدّد ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100% على الواردات الصينية اعتباراً من أوّل تشرين الثاني، ردّاً على تشديد بكين قيودها على تصدير المعادن الأرضية النادرة- وهي الأزمة التي جاءت قبل أسابيع فقط من قمة كوريا الجنوبية التي مهّدت لاحقاً لقمة بكين نفسها. هذا النمط المتكرّر من التصعيد المفاجئ ثم التهدئة السريعة يكشف طبيعة العلاقة الفعلية بين القوّتين: ليست شراكة استراتيجية مستقرّة، بل سلسلة من الهدنات الموضعية القابلة للانهيار عند كل احتكاك، تُدار بمنطق الأوراق الرابحة المتبادلة أكثر مما تُدار بمنطق التسوية الدائمة.

ويكمن جوهر هذه الأوراق المتبادلة في ثلاثية أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والمعادن النادرة، التي تحوّلت إلى الساحة الحقيقية للصراع الوجودي بين القوّتين. فمنذ سنوات، تفرض واشنطن قيوداً متصاعدة على تصدير معدات تصنيع الرقائق المتقدّمة ورقائق الذكاء الاصطناعي (بما فيها منتجات إنفيديا الأقل تطوراً) إلى الصين، وتوسّع باستمرار «القائمة السوداء» للشركات الصينية المحظور تعاملها مع التكنولوجيا الأميركية. وفي المقابل، تستخدم بكين هيمنتها شبه الكاملة على سلاسل تكرير المعادن الأرضية النادرة- الضرورية للمغناطيسات الدائمة والصناعات المتقدّمة والدفاعية الأميركية- كورقة ضغط مضادّة، فتُبقي عملياً على قيود التصدير رغم إعلانات التخفيف المتكرّرة. النتيجة معركة «ردع متبادل بالاختناق»: كل طرف يملك القدرة على خنق الطرف الآخر في نقطة حرجة من سلسلة التوريد، ما يجعل أي هدنة تجارية معلّقة بخيط رفيع من التوازن التكتيكي لا الثقة الاستراتيجية.

هذا «التعايش الاضطراري» ينعكس مباشرةً على ملف تايوان، الذي ظلّ حاضراً في خلفية قمة بكين رغم التصريحات الإيجابية المتبادلة- وقد حذّر شي علناً من أن سوء إدارة هذا الملف قد يقود إلى «صدام» ووضع «بالغ الخطورة» بين البلدين، فيما جدّد ترامب من جانبه تحذيره لتايوان من إعلان الاستقلال. فما يسميه الباحث الأميركي ريتشارد بوش «العقدة التايوانية»- العلاقة المثلّثية الهشّة بين بكين وتايبيه وواشنطن- تقف اليوم على شفا تحوّلات جذرية، نتيجة تقاطع ثلاثة عوامل: الانقلاب المتسارع في ميزان القوى العسكري الإقليمي لصالح بكين، والاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي المتبادل العميق بين ضفّتي المضيق، والتآكل التدريجي في مصداقية الالتزام الأميركي تجاه حلفائه في شرق آسيا. ومما يزيد القلق إلحاحاً، تشير تقييمات استخباراتية أميركية حديثة إلى تعزيز صيني سريع وغير مسبوق لأسطول من العبّارات التجارية الكبيرة يُنظر إليه كجزء من استعدادات محتملة لعملية عبور واسعة للمضيق، ما دفع بعض المحللين المتخصصين للحديث عن احتمال اندلاع أزمة تايوان الكبرى خلال عام أو عامين فقط- أفق زمني أكثر إلحاحاً من نافذة «2027-2030» التي كانت تطرحها التقديرات الأقدم. وفي موازاة ذلك، واصلت واشنطن تسليح تايوان (بما في ذلك صفقة منظومة صواريخ دفاعية حديثة بقيمة 700 مليون دولار)، وهو ما قوبل بعقوبات صينية «رمزية» على 20 شركة دفاع أميركية، في مؤشّر إضافي على أن الملف العسكري لا يخضع لمنطق «إدارة التنافس» التجاري نفسه.

ولم يعد التوتّر حول تايوان معزولاً عن محيطه الإقليمي الأوسع، بل بات جزءاً من رقعة اشتباك متعدّدة الجبهات في بحر الصين الجنوبي والمحيطَين الهندي والهادئ. فقد شهد عام 2026 سلسلة متصاعدة من المواجهات بين خفر السواحل الصيني والفلبيني حول شعاب سكاربورو وتوماس الثانية وساندي كاي، وصلت إلى حدّ استخدام خراطيم المياه والإصابات الجسدية، فيما استدعى الطرفان سفيريهما المتبادلين في تصعيد دبلوماسي مواكب. وردّت مانيلا بتعميق تحالفها الدفاعي مع واشنطن وطوكيو عبر مناورات عسكرية موسعة ثلاثية الأطراف، بل وباتّفاق مباشر مع اليابان للتفاوض على ترسيم الحدود البحرية شرق تايوان- وهو ما دفع بكين إلى إطلاق «عملية بحرية خاصة» شرق الجزيرة رداً مباشراً على هذا التقارب. هذا التشابك بين ملف تايوان ونزاعات بحر الصين الجنوبي يعني أن أي شرارة أزمة، سواء انطلقت من مضيق تايوان أو من شعاب متنازع عليها قرب الفلبين، قد تجرّ شبكة التحالفات الأميركية الآسيوية بأكملها (اليابان، الفلبين، أستراليا) إلى مواجهة مباشرة مع بكين- وهي مخاطرة تتجاوز في تداعياتها المحتملة الحروب المستعرة حالياً في أوكرانيا والشرق الأوسط مجتمعة، نظراً للدور المحوري لهذه المنطقة في التجارة العالمية وصناعة أشباه الموصلات.

أوروبا: احتضار وهم الارتباط الأطلسي

تعيش أوروبا اليوم، بحسب القراءات التحليلية، مرحلة «احتضار وهم الارتباط الأوروبي-الأطلسي ووهم النظام المعولم المنظّم»، في ظل عالم يهيمن عليه تنافس أميركي-صيني محتدم، وروسيا تحاول تعويض ضعفها البنيوي بالارتكاز على الديناميكية الصينية، والهند تصعد تدريجياً كلاعب دولي مستقلّ يوازن بين تحالفات متناقضة سعياً لمقعد دائم في مجلس الأمن. الخيارات الإستراتيجية المتبقّية أمام الأوروبيين جميعها صعبة، وتضعهم أمام مسؤوليات ثقيلة، قديمة وجديدة، لا تتعلّق فقط بأوكرانيا والشرق الأوسط، بل أيضاً بإعادة بناء بنية أمنية أوروبية ذاتية لم تعد واشنطن ضامنتها الوحيدة أو الأكيدة كما كانت طوال عقود ما بعد الحرب الباردة.

ولم يعد هذا «الاحتضار» مجرد توصيف تحليلي مجرّد، بل تجسَّد بأوضح صوره في أزمة غرينلاند، التي تحوّلت خلال عام 2026 إلى الاختبار الأقسى لمتانة الرابطة الأطلسية. فقد جدّد ترامب مطالبته العلنية بالسيطرة على الجزيرة الدنماركية، معتبراً أن «لا دولة قادرة على تأمين غرينلاند سوى الولايات المتّحدة»، وهدّد بفرض تعريفات جمركية جديدة على الحلفاء الأوروبيين الذين يشاركون في مناورات دفاعية بغرينلاند أو يدعمون كوبنهاغن في رفضها التنازل عن الجزيرة- وهو تهديد وُجّه تحديداً ضدّ دول أعضاء في الناتو نفسه (الدنمارك، فرنسا، ألمانيا، هولندا، فنلندا، السويد، النرويج، والمملكة المتحدة)، التي وصفت هذه التهديدات في بيان مشترك بأنها «تقوّض العلاقات عبر الأطلسي وتُنذر بتدهور خطير». ورغم خروج عشرات الآلاف من الدنماركيين وسكان غرينلاند في مظاهرات رافضة (تُظهر استطلاعات الرأي معارضة 85% من سكان الجزيرة لأي انضمام للولايات المتّحدة)، حرصت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن على التأكيد بأنّ «أوروبا لن تُبتَزّ»، بينما دفعت فرنسا حلفاءها للنظر جدّياً في تفعيل «أداة مكافحة الإكراه» الأوروبية ضدّ واشنطن نفسها- وهي أداة صُمّمت أصلاً لمواجهة بكين لا لمواجهة الحليف الأميركي. هذا المشهد وحده يختصر حجم الانقلاب في العلاقة عبر الأطلسي: حليف يهدّد حليفاً بالضم والعقوبات الاقتصادية، وأوروبا تناقش للمرّة الأولى استخدام أدواتها الدفاعية التجارية ضدّ الولايات المتحدة نفسها.

يتزامن هذا التصعيد الرمزي مع تقليص فعلي وملموس للوجود العسكري الأميركي في القارة. فقد أعلن ترامب سحب نحو خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا وسط توتّرات سياسية متصاعدة مع برلين، ووقف تناوب أكثر من أربعة آلاف جندي إضافي كانوا متجهين إلى بولندا - وهي خطوات تمس مباشرة الجناح الشرقي لحلف الناتو الأكثر حساسية تجاه التهديد الروسي. وفي المملكة المتّحدة، تفجّر الخلاف حول التمويل الدفاعي إلى أزمة سياسية مفتوحة أدّت إلى استقالة وزير الدفاع جون هيلي، الذي اتّهم رئيس الوزراء كير ستارمر بالتقاعس عن زيادة الإنفاق العسكري، تلتها استقالة وزير القوات المسلّحة نفسه - في مؤشّر إضافي على أن «إعادة التسلح» الأوروبية المعلنة أصعب تنفيذاً على أرض الواقع مما تبدو عليه في التصريحات الرسمية.

في مواجهة هذا الفراغ المتنامي، يحاول الاتّحاد الأوروبي تسريع مسار «الاستقلال الاستراتيجي» الذي ظلَّ لعقود مجرّد شعار: فقد أصدر تقريره السنوي حول تنفيذ «البوصلة الاستراتيجية» لعام 2026، وأطلق خطة «RESourceEU» لتأمين المواد الخام الحيوية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين في قطاعَي الدفاع والطيران، وتوصّل في كانون الأول 2025 إلى اتّفاق سياسي يُلزم جميع الدول الأعضاء بإنشاء آليات وطنية لفحص الاستثمارات الأجنبية المباشَرة، مع توسيع الرقابة لتشمل حتّى بعض الاستثمارات الداخلية بين الدول الأعضاء أنفسها. وتتّجه ألمانيا تحديداً نحو إعادة تسلّح ضخمة لجيشها (البوندسفير) تجعلها أقوى قوة عسكرية أوروبية داخل الاتّحاد والناتو معاً.

غير أنّ هذا الزخم يصطدم بعقبات بنيوية عميقة تكشف هشاشة «الوحدة» الأوروبية المعلنة: فقد انهار في حزيران 2026 المشروع الفرنسي-الألماني المشترك لتطوير مقاتلة جوية مستقبلية بسبب خلافات حول توزيع الأدوار الصناعية، وسط تململ فرنسي متصاعد من هيمنة برلين المتنامية على القرار العسكري الأوروبي وتركيزها المتزايد على مشاريعها الوطنية الخاصّة (كمنظومة الأقمار الاصطناعية العسكرية الألمانية) على حساب المشاريع المشتركة. وفي الوقت ذاته، تواجه القارة، رغم ضخ مليارات اليوروهات في إعادة التسلح، أزمة نقص حاد في القوى البشرية، إذ تحتاج إلى نحو مئة ألف جندي إضافي لتحقيق الجاهزية والردع المطلوبين أمام التهديد الروسي- وهو رقم يذكّر بأن بناء «جيش أوروبي» حقيقي لا يزال أبعد بكثير من مجرد مسألة تمويل أو معدات.

وهكذا، تجد أوروبا نفسها اليوم عالقة بين متناقِضَين حادّين: حليف أميركي يتصرّف تجاهها بمنطق الإكراه الاقتصادي والتقليص العسكري في آن واحد، ومشروع استقلال ذاتي أوروبي ما زال يتعثّر بين تنافس فرنسي-ألماني على القيادة، وعجز مؤسّسي مزمن، وفجوة بشرية وصناعية يصعب سدّها في مدى زمني قصير. وهذا بالضبط هو جوهر «احتضار الوهم» الذي يتحدّث عنه المحلّلون: ليس فقط تآكل الثقة بالضامن الأميركي التقليدي، بل أيضاً عجز أوروبا حتى الآن عن تقديم البديل الذي تدّعي السعي إليه.

الخريطة السياسية الأميركية المتغيّرة: صعود المستقلّين وأزمة الحزبين

في المشهد الداخلي الأميركي، تعيش الولايات المتّحدة حالة تناقض بنيوي فريد: استقطاب حاد في القمّة السياسية، مقابل انفضاض شعبي متزايد عن الانتماء الحزبي التقليدي في القاعدة. فبينما تتواصل «حرب إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية» (Gerrymandering) لتكريس الفرز الجغرافي بين ولايات «حمراء» مغلقة وأخرى «زرقاء» مغلقة، تكشف أحدث استطلاعات الرأي القومية (بالشراكة بين CNN وSSRS) عن صعود تاريخي لفئة «المستقلّين الجدد»، حيث أعلن ما يقارب 47% من الأميركيين عدم انتمائهم الفعلي لأي من الحزبَين الكبيرين- وهي ذروة غير مسبوقة تعكس فجوة متّسعة بين النخب الحزبية والمجتمع.

وقد تجسّدت «حرب الخرائط» هذه بشكل ملموس خلال 2025-2026 في مواجهة مباشرة بين الولايات: فبدفع مباشر من ترامب، مرّرت تكساس خريطة انتخابية جديدة تمنح الجمهوريين خمسة مقاعد إضافية في الكونغرس، وأقرّت المحكمة العليا الأميركية- ذات الأغلبية المحافظة- هذه الخريطة رغم اتّهامات باستخدام معيار عرقي في رسمها، وأوقفت بذلك حكماً سابقاً لمحكمة أدنى كان قد أبطلها. وتبعتها ولايتا ميزوري ونورث كارولاينا بخرائط مماثلة تضيف مقعداً جمهورياً إضافياً لكل منهما. في المقابل، ردّ الديمقراطيون في كاليفورنيا، عبر مبادرة استفتاء شعبي أقرّها الناخبون، بخريطة مضادّة تمنحهم خمسة مقاعد إضافية هناك- في معركة «هندسة انتخابية» متبادلة تحسم مصير الكونغرس عملياً قبل أن يُدلي ناخب واحد بصوته، وتؤكّد أنّ المعركة على مجلس النواب في تشرين الثاني 2026 ستُحسم بقدر لا يقل عن حسمها في الخرائط بقدر ما تُحسم في صناديق الاقتراع.

أما «الأزمة البنيوية» التي تضرب الحزب الديمقراطي، فقد اتّخذت خلال عام 2026 شكلاً ملموساً ودرامياً تجاوز التوصيف النظري: فقد فجّر صعود عمدة نيويورك التقدّمي زهران ممداني، ومن ورائه شبكة مرشّحين مدعومين من تيّاره، تمرّداً داخلياً غير مسبوق على القيادة الحزبية التقليدية. فبعد فوزه اللافت في نيويورك، امتدّت موجة الانتصارات التقدّمية لتشمل فوز جينيس لويس جورج في انتخابات عمدة العاصمة واشنطن التمهيدية، وكريس راب في فيلادلفيا، وغراهام بلاتنر في ولاية ماين- في كل حالة على حساب أسماء ديمقراطية راسخة، بدعم مباشر من آلة ممداني الانتخابية. وقد وُصف هذا المسار بأنّه «انقلاب أبيض» داخل الحزب، إذ بات زعيما الأقلّية الديمقراطية في الكونغرس تشاك شومر وحكيم جيفريز- وكلاهما من نيويورك تحديداً- عاجزين عن التأثير في السياسة الحزبية داخل ولايتهما نفسها، ما يطرح تساؤلات جدّية حول قدرتهما على قيادة الحزب وطنياً في مرحلة الانتخابات النصفية. وقد انقسم الديمقراطيون أنفسهم حيال دلالة هذا الصعود: فبينما يحذّر ديمقراطيون معتدلون من أنّ الانزلاق نحو اليسار الراديكالي قد يتسبّب بـ«هزيمة ساحقة» أمام الجمهوريين في تشرين الثاني، باعتبار أنّ المعارك الحاسمة تُحسم في الدوائر المتأرجحة لا في المعاقل الليبرالية الآمنة كنيويورك، يرى آخرون في هذا الزخم- الممتد من حقبة بيرني ساندرز- فرصة لإعادة تشكيل هوية الحزب وصياغة سياسته العامة حتى انتخابات 2028، لا تهديداً لمستقبله.

يضاف إلى ذلك بُعد جيلي عميق يفسّر جزءاً من هذه الأزمة: إذ يشكو الديمقراطيون الشباب منذ سنوات من «شيخوخة» قيادة حزبهم وسيطرة كبار السن على مفاصله- وهي شكوى تفاقمت مع وفاة عدد من نوابه المسنين في الكونغرس خلال الفترة الأخيرة - في وقت لم يفلح فيه تجديد قيادي جزئي (كانتخاب جيفريز عام 2022 خلفاً لنانسي بيلوسي التي يصغرها بنحو ثلاثين عاماً) في سدّ الفجوة بين قاعدة شبابية متمرّدة وقيادة تقليدية متمسّكة بمواقعها.

هذا التزامن بين حرب خرائط جمهورية-ديمقراطية متبادلة من جهة، وتمرّد جيلي-أيديولوجي داخل الحزب الديمقراطي من جهة أخرى، يفسّر إلى حد بعيد اتّساع الفجوة بين النخب الحزبية والناخب الأميركي العادي: فبينما ينشغل الحزبان بمعارك الهندسة الانتخابية والصراع الداخلي على الهوية والقيادة، يجد عددٌ متزايد من الأميركيين أنّ أياً من الخيارين المطروحين لا يعبّر فعلياً عن تطلّعاته- وهو بالضبط المناخ الذي غذّى صعود «المستقلّين الجدد» إلى ذروتهم التاريخية التي تُقارب نصف الناخبين، في ظاهرة تتجاوز كونها احتجاجاً عابراً لتعكس أزمة تمثيل سياسي أعمق قد تعيد تشكيل قواعد اللعبة الحزبية الأميركية نفسها بحلول الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028.

الانتخابات النصفية 2026: استفتاء على ترامب أكثر منه على المرشّحين

تقترب الولايات المتحدة من موعد حاسم في الثالث من تشرين الثاني 2026، حيث سيكون التنافس على مقاعد مجلس النواب الـ435 بالكامل، و35 من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ، إضافةً إلى 39 مقعداً في انتخابات حكّام الولايات. المعادلة الحالية تمنح الجمهوريين 53 مقعداً في الشيوخ مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلّين المتحالفين معهم، بينما يحتاج الديمقراطيون لانتزاع أربعة مقاعد إضافية لحسم أغلبية 218 مقعداً في مجلس النواب- وهي معادلة باتت بنفسها موضع تنازع مباشر عبر حرب إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية المتبادلة بين الحزبين، والتي تُحسم فعلياً في المحاكم وصناديق الاقتراع الولائية قبل أن تُحسم في تشرين الثاني نفسه.

التاريخ الانتخابي الأميركي غير مشجّع تقليدياً لحزب الرئيس في منتصف الولاية: خسر الحزب الحاكم في 20 من أصل 22 انتخابات نصفية منذ عام 1938. وتزداد هذه القاعدة التاريخية رجحاناً هذا العام في ضوء أحدث استطلاعات الرأي التي تكشف تدهوراً حاداً وغير مسبوق في شعبية ترامب مع اقتراب موعد الاقتراع: فوفق استطلاع أجرته «فوكال داتا» لصحيفة «فاينانشال تايمز» بين 28 آب و1 أيلول 2026، هبطت نسبة تأييده إلى أدنى مستوى مسجل على الإطلاق في هذا الاستطلاع، وتراجع تأييده حتى داخل قاعدته الجمهورية نفسها بأكثر من نقطتين ليصل إلى 72% (وهو أيضاً أدنى مستوى قياسي)، بينما قال نحو ثلثي الناخبين المسجّلين (65%) إن الاقتصاد يسير في الاتّجاه الخاطئ، وأفاد 57% منهم بأن وضعهم المالي تدهور في عهده. أما على ملفّي التضخّم وتكاليف المعيشة تحديداً- وهما الأكثر التصاقاً بحياة الناخب اليومية- فقد سجل ترامب تأييداً لا يتجاوز 27% و23% على التوالي، مقابل عدم رضا بلغ 76% في ملف تكاليف المعيشة وحده. ويتزامن ذلك مع وصول سعر الديزل، وقود الصناعة والزراعة الأميركية، إلى مستوى قياسي بلغ 5.85 دولارات للغالون، ودَين فيدرالي يقترب من 40 تريليون دولار، وعوائد سندات خزانة طويلة الأجل بلغت أعلى مستوى لها منذ 19 عاماً وسط مخاوف من الاقتراض الحكومي المتصاعد والآثار التضخّمية لتكاليف الحروب المتعدّدة التي خاضتها الإدارة. وقد زاد الطين بلّة تقرير كشف عن أرباح تجاوزت 1.4 مليار دولار جناها ترامب وعائلته من مشاريع العملات المشفّرة خلال العام الماضي، رأى 63% من المستطلعين أنّها «غير لائقة» لرئيس في منصبه- بينهم ثلاثة من كل عشرة ناخبين جمهوريين. وفي مواجهة هذا التراجع، لجأ ترامب إلى مهاجمة الاستطلاعات نفسها ووصفها بـ«المزيّفة»، مطالباً لجنة الاتصالات الفيدرالية بـ«التدخل» ضد وسائل الإعلام الناشرة لها- وهو رد فعل يعكس إدراكاً داخلياً للخطر الانتخابي الذي تمثّله هذه الأرقام أكثر مما يعكس ثقة بزيفها.

وتفاقم هذا المشهد الاقتصادي المتدهور بأزمة مؤسّسية غير مسبوقة في إدارة الحكم نفسها: فقد شهدت ولاية ترامب الثانية حتى الآن ثلاث وقائع إغلاق حكومي جزئي، بلغ مجموع أيامها 161 يوماً - رقم غير مسبوق في تاريخ الإغلاقات الحكومية الأميركية- نتيجة خلافات حادّة بين الجمهوريين والديمقراطيين حول إعانات التأمين الصحّي بأسعار معقولة (المقرّر انتهاء صلاحية دعمها) وحول صلاحيات إنفاذ القانون الممنوحة لموظّفي الهجرة الاتّحاديين. ومع ذلك، وعلى عكس الجولات الثلاث السابقة، حرص الحزبان هذه المرّة على تمرير تشريع تمويل مؤقّت يتجنّب إغلاقاً رابعاً عشية الانتخابات مباشرة، خشية أن يُحمّلهما الناخبون الغاضبون أصلاً من غلاء المعيشة مسؤولية إضافية عن تعطيل الخدمات الحكومية- في مؤشر على أنّ كلا الطرفين بات يدرك هشاشة موقفه أمام ناخب نافد الصبر.

وتتشابك في معركة تشرين الثاني ملفّات داخلية (الاقتصاد، التضخّم، أسعار الطاقة، الرعاية الصحّية، الهجرة) مع ملفّات السياسة الخارجية الساخنة- حروب الشرق الأوسط المتعدّدة (غزة، لبنان، إيران ومضيق هرمز)، والدبلوماسية المكّوكية المتعثّرة مع موسكو حول أوكرانيا، والهدنة التجارية الهشّة مع بكين- في مؤشّر إضافي على أنّ الحدود الفاصلة بين «الداخل» و«الخارج» في السياسة الأميركية باتت أكثر ميوعة من أي وقت مضى، إذ تتغذّى كلفة المعيشة المرتفعة جزئياً من كلفة هذه الحروب المتزامنة نفسها. فنتائج الانتخابات لن تحدّد فقط موازين الكونغرس، بل ستحدّد أيضاً مدى قدرة ترامب على مواصلة مقارباته الخارجية غير التقليدية- من التفاهم المتوتّر مع بكين وموسكو، إلى إدارة ملفّات غزّة ولبنان وإيران- أو اضطراره لتعديلها جذرياً تحت ضغط كونغرس معارض محتمَل، في نهاية عام أثبت أنّ سياسة ترامب الخارجية والداخلية لم تعودا مسارَين منفصلَين، بل وجهَين لمعادلة سياسية واحدة سيحكم عليها الناخب الأميركي بعد أسابيع قليلة.


في نهاية المطاف، لا يمكن فصل أي من هذه الملفات- أوكرانيا، إيران، الصين، فنزويلا وأميركا اللاتينية، أو حتّى مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه- عن الحسابات الانتخابية الداخلية التي تحكم تصرّفات دونالد ترامب. فالرجل الذي يواجه اختبارًا شعبيًا صعبًا في تشرين الثاني، وسط استطلاعات تُظهر تراجعًا في شعبيّته وعدم رضا واسع عن أدائه الاقتصادي، يحتاج إلى تقديم نفسه أمام ناخبيه بوصفه مَن «أنهى الحروب» وحرّر أميركا من التزامات مكلفة لا طائل منها في جهة، ومَن «يحسم بسرعة وحزم» حين يتعلّق الأمر بأمن حديقته الخلفية في جهة أخرى- كما روّجت إدارته لعملية اعتقال مادورو باعتبارها نصراً حاسماً وسريعاً، على النقيض تماماً من التعقيد المستمر في ملفَّي غزّة وأوكرانيا. لكن هذا الخطاب المزدوج له ثمنه الفعلي: فوضى إدارية في التعامل مع الحلفاء التقليديين (أوروبا، البرازيل)، وتسويات هشّة في الشرق الأوسط وأوكرانيا لا تصمد طويلاً، وتفاهمات مع بكين أقرب إلى الهدنة المؤقّتة منها إلى تسوية استراتيجية دائمة، وقارة أميركية لاتينية بأكملها تُعاد صياغة خرائط تحالفاتها بمنطق الإكراه والولاء الإيديولوجي بدل الشراكة المؤسّسية.

هذا النمط في إدارة الأزمات- السريع، الصفقاتي، الانتقائي بين الحذر والحسم بحسب موازين القوة، وغير الملتزم بأي إطار مؤسّسي طويل الأمد- يضع أوروبا أمام استحقاق وجودي مؤجَّل منذ عقود: إما أن تبني قدرتها الذاتية على الدفاع عن نفسها وصياغة سياسة خارجية موحّدة فعلياً، أو أن تظل رهينة لتقلّبات المزاج الأميركي الداخلي، الذي قد يتغيّر جذرياً بعد كل استحقاق انتخابي- وقد رأت في أميركا اللاتينية، القريبة جغرافياً وتاريخياً من النفوذ الأميركي المباشر، نموذجاً تحذيرياً لما قد يؤول إليه مصير أي إقليم يفتقر إلى قوة رادعة ذاتية أمام واشنطن حازمة العزم. والمفارقة أن أوروبا نفسها تعاني من عجز مؤسّسي مشابه يعيق أي استجابة موحّدة وسريعة: فبين رئاسة المفوّضية الطموحة لأورسولا فون دير لاين وقيود قاعدة الإجماع بين الدول الأعضاء الـ27، يبدو الاتّحاد الأوروبي عاجزاً عن التحوّل إلى فاعل جيوسياسي حقيقي في اللحظة التي يحتاج فيها أكثر من أي وقت مضى إلى هذا الدور. وهكذا، وبينما تترقّب واشنطن نتائج صناديقها في تشرين الثاني لمعرفة إن كان الكونغرس المقبل سيكبح أجندة ترامب الخارجية أو سيمنحه غطاءً لمواصلتها، تبقى أوروبا- وأميركا اللاتينية معها، وإن بدرجات متفاوتة من الهشاشة- أمام السؤال الأصعب: هل ستنتظر تحوّل المزاج الأميركي مجدّداً، أم ستبادر أخيراً إلى صياغة مصيرها بنفسها؟

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تحليل

أميركا والعالم في خريف 2026

سعود المولى
حدث اليوم - الأحد 20 أيلول 2026
20-09-2026
أخبار
حدث اليوم - الأحد 20 أيلول 2026
لا انترنت (3): تم الدعس
يا حبق ومنتور
نتنياهو من القدس: سنبقى هنا دائماً
قيل هذا الأسبوع: 13 أيلول - 19 أيلول