لماذا نحقّق بما نعرفه؟
في 22 نيسان 2026، استهدف الجيش الإسرائيلي الصحافية آمال خليل خلال تغطيتها للحرب في الجنوب. بقيت آمال بضع ساعات جريحة تنتظر الإذن الإسرائيلي لدخول الإسعاف. جاء الإذن بعد نحو ساعة من مفارقة آمال للحياة.
أو بكلام أوضح، قتلت إسرائيل آمال عمدًا.
أوضح بعد، أعدمت إسرائيل آمال.
في ظل هذا الوضوح، لماذا نحقّق بما نعرفه؟ لماذا نحاول إثبات ما بات واضحًا للجميع؟
السؤال أبعد من التحقيق باستهداف آمال. فمنذ السابع من أكتوبر، والعالم شاهد على إبادة، متلفزة وموثقة وواضحة، من دون أي أثر سياسي أو محاسبة قانونية. فإحدى نتائج هذه «الإبادة المتلفزة» هي إضعاف الدور السياسي للحقيقة وتقنيات كشفها، وبالتالي دور الإعلام في ذلك الوضع. فإذا كان المرتكب لم يحاول إخفاء جريمته والعالم لا يبالي بالجريمة، لماذا يصرف البعض جهدًا للتحقيق بهذه الأفعال؟
الجواب على هذا السؤال ليس سهلًا، ويتعدّى مجرّد إظهار حقيقة يدركها الجميع. فالتحقيق أولًا استقصائي، ويهدف إلى فهم تعقيدات تقنيات القتل التي تختبئ وراء جملة بسيطة كـ«أعدمت إسرائيل آمال». كما يهدف إلى إثبات «نية القتل» التي تضيع في الكلام الرسمي والمناخ العام من التطبيع مع القتل.
لكنّ التحقيق بما يمثلّه من تمسّك ضمني بدورٍ للحقيقة هو فعل سياسي أيضًا. قد لا يكون لهذا الفعل ترجمة قانونية مباشرة، لكنّه جزء من تراكم أعمال صحفية توثّق وتحاجج وتثبت أمام «محكمة متخيّلة»، إسمها اليوم الرأي العام. بهذا المعنى، أن نحقق بما نعرفه، أن نوثق تقنيات القتل، أن نواجه ادعاءات السلطات، هو فعل سياسي يحاول إنقاذ الحقيقة من «الإبادة المتلفزة»، ريثما يأتي يومٌ تتحوّل فيه هذه المحكمة المتخيّلة إلى مسودة لعدالة قادمة.
أرشفة تقنيات القتل
وثّقت كارول كرباج الساعات الثمانية الأخيرة في حياة آمال خليل، لتُظهر في تحقيقها كيفية إعدام إسرائيل للصحافية اللبنانية. ما يظهر في التحقيق هو تقنية قتل تقوم على التهديد، فالمراقبة والاستهداف ومنع الإنقاذ. فالإعدام لم يكن نتيجة قصف أو استهداف، يمكن للجيش الإسرائيلي اعتباره مجرّد «خطأ». هو بدأ بمراقبة الصحافية وتتبّع تحركاتها، ومن ثم من خلال الاستهداف المتكرّر للسيارات ومن ثم المباني والمسعفين. وأخيرًا من خلال المماطلة بإعطاء الإذن لدخول فرق الإسعاف، ربّما لتقليص حظوظ إنقاذها.
وفي ثلاثية القتل هذه، أي المراقبة والاستهداف ومنع الإنقاذ، يظهر دور «الميكانيزم»، هذا الإنجاز الذي يقدَّم وكأنّه إثبات لسيادة الدولة في ساحة الحرب، على ما هو: أداة لطلب الأذونات من الجيش الإسرائيلي من دون أي فعالية أو قدرة على التحرّك. فما يقدّمه «الميكانيزم» في اللعبة الإدارية القائمة على طلبات الأذونات والموافقات هو غطاء إداري لما هي عملية إعدام ميدانية. وفي هذه «المنطقة التجريبية» التي تدعى «الميكانيزم»، يكمن ملخّصٌ عن مفهوم السيادة اللبنانية في المسار التفاوضي مع إسرائيل: طلبات إذن لاستكمال الجرائم التي لم تُنجَز بعد.
الاستهداف المُمنهَج للصحافيّين
يأتي استهداف آمال ليؤكّد المؤكّد أمام تلك المحكمة المفترضة، وأمام الرأي العام: ألّا «خطأ» في هذه الضربات. فيأتي استهداف آمال في سياق استهدافٍ أوسع وممنهج للصحافيين من لبنان إلى فلسطين، إلى أي بقعة يتمدّد إليها الاحتلال الإسرائيلي: الصحافيون هدف، والإسعاف هدف، والمدنيون هدف، وربّما تسبق كل تلك أهداف الأهداف العسكرية، بما يؤكّد منطق الإبادة، لا منطق الحرب فحسب.
ففي غزّة، ومنذ السابع من تشرين الأوّل 2023، قتلت إسرائيل ما لا يقلّ عن 236 صحافياً ومراسلاً، بحسب الاتّحاد الدولي للصحافيين. وكذلك في لبنان، منذ الأسبوع الأوّل للحرب وحتّى اليوم، قتلت إسرائيل ما لا يقلّ عن 27 صحافياً وعاملاً إعلامياً. تدلّ هذه الحصائل على تصالح إسرائيل مع منطق الإفلات من العقاب، لا بل تعويلها عليه. وأبعد من ذلك، تدلّ هذه الحصائل على نيّة قتل واستهداف الصحافيين، نيّة تقع في قلب «معركة السردية». فرغم أن حرب الإبادة «متلفزة» ومكشوفة أمام العالم، إلا أن إسرائيل ما زالت تخشى التوثيق، ليس خوفاً من خسارة السردية وحسب، بل تحسباً لأي مسار محاسبة قانونية قد يأتي ولو متأخراً، كما بيّنت التجربة في غزة. لذلك، انتهج الاحتلال سياسة ممنهجة لإعدام الشهود وعزل الميدان، وهي سياسة نجحت إلى حدٍ كبير في دفع العديد من المؤسسات الدولية إلى الانكفاء عن التغطية من المناطق الحدودية. وبعدما أفلح الاحتلال في تغييب هذه المنصات الدولية، انتقل إلى تصفية وملاحقة الأصوات والمراسلين المحليين القلائل الذين رفضوا إخلاء المناطق الحدودية، وفي مقدمتهم آمال خليل.
ولا بدّ من الإشارة أنّ هؤلاء الضحايا هم جزء من مقتلة أوسع، حيث قتلت أداة الإبادة الإسرائيلية أكثر من 73 ألف شخص في قطاع غزّة، ونحو 8.8 آلاف شخص في لبنان، في الفترة ذاتها. أمام كلّ هذا الموت، ينحو المرء إلى التطبيع معه، التطبيع مع الموت والقتل والدمار. يفقد الموت «هيبته» لشدّة ما بات مكرّراً. ولكن، لا بدّ من التذكّر الدائم، بأنّ الموت ليس «حصيلةً» ولا «آلاف الموتى» ولا فكرةً مجرّدة، بل هو حيوات نعرفها ونخسرها كلّ يوم. هو لا «يتكرّر»، بل يحدث من جديد مرّة تلو المرّة تلو المرّة.
من هنا، يغدو التحقيق في هذه الجرائم، كذلك الذي أُنجز في قضية آمال خليل، أداةً لرفض هذا التطبيع، أداةً لجمع كلّ ما يمكنه أن يقول «هذا ليس عادياً»، أداةً لمواجهة جديدة مع الإفلات من العقاب، أداةً لتشريح الجريمة والغوص بتفاصيلها و«التفاجؤ»، من جديد، بفظاعة الجريمة، كأنّنا نشهد للمرّة الأولى جريمة قتل صحافي. وكأنّنا نتساءل للمرّة الأولى كيف حدث ذلك؟ وكيف أفلتت إسرائيل من العقاب؟ وأن نقنع أنفسنا، مرّةً أخرى، أنّ محكمةً ما تنتظر هذا التحقيق لتنتصر لسؤال العدالة.
المحكمة المتخيّلة في انتظار العدالة
إثبات نيّة القتل وتقنيات الإعدام هو بمثابة مرافعة أمام محكمة متخيّلة، محكمة ما زالت تؤمن بالحقيقة وتقنيات إثباتها. لا أحد يتخيّل أنّ هذا التحقيق، أو التحقيقات العديدة التي قامت بها وسائل إعلام أو مراكز أبحاث في استهدافات أخرى، من شيرين أبو عاقلة إلى عصام عبد الله وغيرهم، والتي تبرهن نيّة القتل وتقنية الإعدام، ستتحوّل غدًا إلى ملفات في محاكم دوليّة، تدين إسرائيل أو تردعها من قيام أعمال مشابهة. هذا الأرشيف من التحقيقات التي تؤكّد جميعها نيّة القتل بعيدًا عن مقولات «الخطأ»، هي اليوم مرافعات تبحث عن محكمتها. وامتناع لبنان عن تقديم طلب انضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية يزيد من صعوبة تحويل هذه التحقيقات إلى مسودات دعاوى قد تقام ضد إسرائيل.
لكنّ هذا الأرشيف من التحقيقات يساهم في توجّهها الضمني إلى محكمة متخيّلة لإرساء عدالة قادمة. ففي غياب أي مسار قانوني فعّال، وفي ظل الضغوط السياسية المانعة لأي محاسبة، تتحوّل هذه المحكمة المتخيّلة إلى آخر معقل لعدالة تقول إنّ للحقيقة وللمحاسبة دورًا قادمًا، لن تنجح السلطات الحالية في منعه. هي عدالة ما زالت متمسكة برفضها تحويل «القوة» إلى «معيار» أو «السلطات القائمة» إلى «سلطات دائمة». هي بكلام أبسط، تحقيقات تؤكّد أن العدالة ليست مستحيلة.
الدولة اللبنانية الغائبة
قد تكون المحكمة متخيّلة، لكنّها ليست غائبة. فهي موجودة في كل عمل صحفي أو تحقيق استقصائي أو بحث أرشيفي يحاول كشف الحقيقة وتثبيتها. أمّا الدولة اللبنانية، فهي غائبة رغم وجودها. أو وجودها، كما تجلّى بعمل «الميكانيزم» المفترض به إدارة الجنوب، هو في أحسن الأحوال غياب، وفي أسوئه غطاء إداريّ لعملية القتل. السيادة ليست دائمًا في الوجود، فأحيانًا يكون الامتناع عن المشاركة في منظومة إدارية قاتلة عملًا سياديًا.
غياب الدولة ليس قدرًا، مهما كانت موازين القوى ضدّنا. وأرشيف هذه التحقيقات يشكّل مسودات مختلفة لشكاوى يمكن للدولة اللبنانية تقديمها، بدل فولكلور التنديدات الحالي، لتقول لمواطنيها إنّها الجهة المسؤولة عن حمايتهم. ندرك جميعنا استحالة تحويل هذه الشكاوى إلى إدانات. لكنّ فعل السيادة هو في تحمّل هذه المسؤولية، وليس في نتائجها. كما أنّ تقديم الشكاوى لا يتناقض مع مسار الدولة التفاوضي، أو ما تبقى منه. فعلى ماذا نتفاوض إن لم يكنْ على الجرائم التي تقام في الجنوب وسائر البلاد؟
هناك سيادة الدولة النابعة من حماية مواطنيها، وهناك سيادة «الميكانيزم» النابعة من إدارة قتل المواطنين. وفي الفارق البسيط يكمن الفارق بين الدولة المتخيّلة والدولة الغائبة.