تعليق فرنسا
سامر فرنجية

«إن احترقنا، ستحترقون معنا»

ديستوبيا النيوليبراليّة تنقلب على نفسها

21 تشرين الأول 2026

عصيان، شغب، عنف

ما كاد ينتهي يوم 17 تشرين، حتى بات واضحًا كيف سيتمّ تسييس هذا النهار الطويل من التظاهرات في فرنسا: العنف والشغب يهدّدان النظام. فرغم مئات آلاف المتظاهرين السلميّين وأسابيع التحركات الطلابية، لم يطغَ على التغطية الإعلامية لهذا النهار إلّا العنف، مع تكثيف لصور الشغب القادم من «الضواحي». عنف مجرّد من أيّ معنى ليتحوّل إلى تعبير عن «عدميّة الشباب» في نظر الجيل الأكبر سنًّا، أو «كره المهاجرين للقِيَم الفرنسية» عند العنصرية الصاعدة. انتهى نهار المطالب الاجتماعية باستنفار لحزب النظام، هذا المعسكر العابر للتلاوين السياسية والمتمسّك بحفظ الأمن فوق كلّ اعتبار. 

عنف الديستوبيا النيوليبراليّة

لكنّ هذا العنف ليس قادماً من أجيال صاعدة أو من وافدين على الحضارة الغربية، بل هو نتاج عدمية الأنظمة النيوليبراليّة نفسها، أو ما يمكن تمسيته بديستوبيا النيوليبراليّة. فقد قام هذا النظام على فكرة أنّ لا بديل عنه، لا بديل عن نظام تقشّفٍ للأكثرية وإثراءٍ غير محدود للأقليّة، مدعوماً بثقافة «المبادرة الفردية» و«الاستهلاك التفاخري». بالنسبة للأقليّة، هذا النظام النيوليبرالي هو تحويل ثروتهم إلى تفوّق أخلاقي. بالنسبة للأكثرية، هو ديستوبيا تقول لهم إنّ لا أفقَ لحياتكم سوى التقشّف والهشاشة أو العنف والإقصاء. هذه الديستوبيا انفجرت في الشارع اليوم، في لحظة توضيح لطبيعة هذا النظام المأزوم، لتقول للأقليّة، اقتباسًا من مسلسل The Hunger Games: إن احترقنا، ستحترقون معنا.

«العنف الحضري» واليمين المتطرّف

كان هذا العنف متوقّعًا، حتى من دون أزمة النيوليبراليّة الحاليّة. فقد بات من سمات التظاهرات منذ عقود، حتى عندما لا تمّت للسياسة بصلة. هو تعبير عن انعدام أفق الأكثر هشاشةً واستغلالًا في هذه المجتمعات، لكنّه أيضًا نتاج تحوّل خطاب الحكم والقمع، والذي رفع «العنف الحضري» (violences urbaines) إلى مستوى الخطر الأساسي الذي يواجه عملية حفظ النظام العام. «الحرب على الإرهاب» في الخارج، الحرب على «العنف الحضري» في الداخل، هكذا يتمّ حماية النظام العام. بدأ هذا التسليح لعملية حفظ النظام العام بالفترة ذاتها التي انطلقت فيها «الحرب على الإرهاب»، تسليح أخذ مجراه في الخطاب السياسي والاستراتيجيات القمعية والممارسة القضائية. كذلك شكّل «العنف الحضري»، مع أبعاده الطبقية والعنصرية، عنوان حالات الانزلاق من اليمين الوسطي إلى التطرّف، مع شخصيات كالرئيس السابق نيكولا ساركوزي. 

الانزلاق اليمينيّ في وجه العنف

جاءت أحداث 17 تشرين لتدعم هذا الميل، دافعةً الوسط إلى حضن هذا اليمين المتطرّف والصاعد، ليتّضح أكثر دور هذا الوسط كممرّ نحو قدوم الفاشية الجديدة. فلم يجد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سؤالاً في أعقاب النهار الطويل من الاحتجاجات إلّا سؤال الهوية: كيف يمكن لفرنسيّين أن يفعلوا هذا بفرنسا؟ قبل أن يتّهم علنًا مجموعات من اليسار المتطرّف، إلى جانب عدد من الجانحين بإثارة الشغب. هذا العنف موجّه ضدّ فرنسا، حسب ماكرون الذي لاقى اليمين المتطرّف، كما لاقى الرئيس الأميركي الذي اعتبر أن العنف نتيجة هجرة أشخاص من عالم مختلف تماماً، أشخاص يحملون الكراهية في قلوبهم. في خوفهم من صعود خيار يساريّ، مُمثَّل بـ«فرنسا الأبية»، ارتمى الوسط الليبرالي بحضن الخطاب الفاشي، ما ينذر بتصويته المحتمل في هذا الاتجاه في الدورة الثانية من الانتخابات القادمة. 

«التوحّش» و«التعفين»

تواجه فرنسا، إذن، في نظر الفاشية الصاعدة وذيلها الوسطي، حالةً من «التوحّش» (ensauvagement)، أي حالة من انهيار منظومة السلطة والقِيَم الحاكمة. هذا ما بات عليه خطاب الأحزاب الوسطية وحزب «التجمّع الوطني» في تحويلهم للأزمة الاجتماعية إلى أزمة أخلاقية، سببها الشباب والمهاجرون. و«التوحّش» لا يحتاج إلى استثمار في التعليم الرسمي أو سياسات أكثر عدالة، بل إلى إعادة فرض السلطة، أكانت ثقافية أم بوليسية. الحكم القادم هو حكم ضدّ مجتمعه. وما من خروج عن هذا الإجماع الرجعي إلّا في موقف بعض اليسار الراديكالي، وعلى رأسه «فرنسا الأبية»، الذي واجه هذا العنوان بمفهوم «التعفين» (pourrissement)، أي أنّ العنف ناتج عن سياسة تأجيل وتفاقم الأزمات الاجتماعية. في هذا المفهوم محاولة لإعادة الأمور إلى نصابها، إلى مستواها السياسي والاجتماعي. وهذا التضارب بين المفهومَيْن، «التوحّش» و«التعفين»، ليس نقاشاً أكاديميّاً، بل هو عنوان الانتخابات الرئاسية القادمة.

انتخابات أزمة النيوليبراليّة

لكن بين «التوحّش» و«التعفين» نقطة مشتركة، وهي أنّ المجتمع الفرنسي بات مأزومًا. فالقراءتان اللتان أصبحتا الأكثر شعبية قبيل الانتخابات، تنطلقان من فرضية أزمة اجتماعية، وإن كانت كلٌّ منهما تختلف بالتوصيف والعلاج. وهذا ما يضع هذين الحزبين كخيارَيْن وحيدَيْن في السياسة الفرنسية اليوم. الانتخابات القادمة، والتي بدأت رسميًّا في شوارع مدن فرنسا في 17 تشرين، هي انتخابات أزمة النظام النيوليبرالي الذي بات لديه حزبه الفاشي المدافع عن مصالحه، وفي وجهه معارضة يسارية جديّة، تكسر مع الوسطية التي هيمنت، وقضت على اليسار لعقود. الانتخابات الرئاسية القادمة، والمظاهرات الحالية، تحدث في لحظة أزمة النظام النيوليبرالي، المتمثلة في فرنسا بأزمة الدين العام. والمظاهرات تحدث بالتزامن مع مناقشة الميزانية التي تعيد فرض المزيد من التقشّف كي ترضي الأسواق العالمية. أزمة الماكرونية هي أزمة النيوليبرالية بحلّتها الليبرالية، وهي ما يتمّ دفنه اليوم، ليبدأ التصارع على وجهة البديل.  

ديستوبيا النيوليبراليّة

النيوليبرالية ليست مأزومة في فرنسا فحسب، بل عالميًا أيضاً، وهذا ما يفسّر انتشار موجات الاعتراض منذ بضع سنوات، في مشهد بات شبيهًا بموجة الاحتجاجات التي تلت الأزمة الاقتصادية في عام 2008. اللافت بالموجة الأخيرة للاحتجاج هو أنّ جمهورها من الشباب، أي من جيلٍ وُلد بعد الألفين، أي وُلد في زمن شكّل النظامُ النيوليبرالي فيه الأفق الوحيد المتاح. هو جيل كبر في ظل الديستوبيا النيوليبرالية، أي في عالم قاسٍ تسوده سياسات التقشّف، عالم أكّد لهم أنّ لا خيار غير هذا النظام القاسي، عالم لم يفِ حتى بوعوده المتواضعة. هذه الديستوبيا التي أكّدت لهذا الجيل أنّه لا يحقّ له أن يحلم بعالم آخر، انقلبت اليوم عصيانًا على هذا النظام: إن احترقنا، ستحترقون معنا. فجاء جواب النظام: سنحترق كلنا بالفاشية. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
حدث اليوم - الأربعاء 21 تشرين الأول 2026
21-10-2026
أخبار
حدث اليوم - الأربعاء 21 تشرين الأول 2026
للمرّة الأولى في سوريا: تحديد هويات مفقودين بفحوص الحمض النووي
21-10-2026
أخبار
للمرّة الأولى في سوريا: تحديد هويات مفقودين بفحوص الحمض النووي
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 21/10/2026
جرائم الشرق الأوسط: أوراق نتنياهو الانتخابية
21-10-2026
تقرير
جرائم الشرق الأوسط: أوراق نتنياهو الانتخابية
جنود إسرائيليون يلعبون أثناء تفخيخ منازل الجنوبيّين
المجلس الدستوري يقبل طعن عون: جمهورية مصرف لبنان باقية وتتمدّد