يوميات الحرب مجددًا
سمير سكيني

سماءٌ كثيرة، أرضٌ أقلّ

روزنامة حرب في 10 قصص قصيرة

15 آذار 2026

1)

يوم الاثنين 9 آذار قصفت إسرائيل مبنىً في الضاحية الجنوبية لبيروت. محته من الوجود بذريعة استهداف مكتب لمؤسّسة القرض الحسن فيه. وثّق أحد المواطنين المشهد، حيث يتحوّل مبنىً كبير إلى أنقاضٍ بغضون ثوانٍ، مفسحاً المجال لقطعةٍ من السماء، ظهرت بشكلٍ عمودي، وهو شكلٌ يندر أن تُرى فيه السماء في المدن.

قبل الغارة كان الإطار البصري مقسوماً أفقياً بين المباني والسماء أعلاها. بعد القصف اخترقت السماء هذه القسمة. انكمش المبنى الكبير في أرضٍ قليلة، وتمدّدت السماء أكثر.


2)

خلال 8 أيّام من العدوان، قتلت إسرائيل 486 شخصاً في لبنان. في اليوم الثامن، انتشر فيديو لـ«بقعةٍ مهملة على أطراف ضاحية بيروت يُدفن فيها شهداء المواجهات في الجنوب وديعةً». هنا، رُتّب الشهداء بشكلٍ منظّمٍ لتسهيل عمليّة نقل الجثامين يوم العودة.

خطوط بالطول، أخرى بالعرض، ومَماشٍ بينها. توضع الجثامين والظهر يواجه التراب؛ الوجه إلى الأعلى.
مُمَدّداً، لم يعد بوسع الشهيد أن يرى الأرض من حوله. كان يرى سماءً كثيرة فحسب.


3)

يوم الأربعاء 4 آذار، أصدر الاحتلال الإسرائيلي خريطة تهجيرٍ لجنوب لبنان، ضمّت كل القرى من الحدود حتّى نهر الليطاني. في اليوم التالي، 5 آذار، أصدر الاحتلال خريطةَ تهجيرٍ جديدة ضمّت الضاحية الجنوبية لبيروت والشياح ومناطق مُحيطة. بعد أسبوع، 12 آذار، خريطة إخلاءٍ أوسع، من الحدود الجنوبية وحتّى نهر الزهراني.

مجموع المساحات المطلوب تهجيرها اليوم: 1,489 كلم₂، أي 14.25٪ من مساحة لبنان. التهجير بالمعنى المباشر هو إزاحة الناس قسرياً من أرضهم. من جهة، يبقى حدٌّ أدنى من السكّان في حدٍّ أقصى من الأرض، ومن الجهة الأخرى يتكدّس حدٌّ أقصى من النازحين في حدٍّ أدنى من الأرض.


4)

النازح ليس فقط من ترك أرضه قسراً. هو أيضاً (في أغلب الأحيان، وبالتحديد عند النزوح من قريةٍ إلى مدينة) مَن يُقايض قسراً، أرضَه الكثيرة، بأرضٍ أقلّ. عائلة من خمسة أشخاص تعيش في قرية جنوبية في منزلها المستقلّ وحديقته، تنزح إلى شقّةٍ واحدة؛ عائلة تعيش في شقّة، تنزح إلى خيمة… وهكذا دواليك.

مِن هؤلاء النازحين مَن قصد الكورنيش والدالية والروشة والواجهة البحرية. كأنّهم حاولوا بلوغ أبعد نقطة من المدينة. هي نقطة يمكن عندها أن يديرَ المرءُ ظهرَه للكتل الإسمنتية، وأن يحظى بإطارٍ بصريٍّ ليس فيه إلّا البحر، والسماء. بحرٌ، وسماء كثيرة، ولكن أرض أقلّ قوامها حُبيبات صغيرة من الرمل.

ليل الأربعاء 11 آذار، استهدف الاحتلال هؤلاء النازحين فقتل 8 منهم.
تبدّد دمهم في رمل الشاطئ.


5)

يوم الثلاثاء 10 آذار، نُسب تصريحٌ إلى أحد القيّمين على المدينة، يشتكي من هذا «المنظر». يقول بما معناه أنّ مالكي شقق الأبراج العاجية، على الكورنيش، اشتروا هذه الشقق كي يروا البحر، لا جموع النازحين والخيم. من علياء شرفاتهم المُزَجَّجة، لم يكن باستطاعة هؤلاء أن يروا ولو قليلاً من الأرض. كانوا يرون سماءً كثيرةً وحسب. فمن أجل أن ترى قلّة من الناس كثرة من البحر، حُرِّمَ البحر كلّه على كثرة من الناس.


6)

يوم الخميس 12 آذار، هدّد الاحتلال وقصف مباني «في بيروت»، ما يُعَدّ «تصعيداً» جديداً. كان من بينها مبنىً في الباشورة رفضَ أن يسقط. قيلَ لاحقاً إنّ الهدف لم يكن مبنى الطبقات الـ11، لم يكن المرئيَّ من المبنى، بل مساحةً غير مرئيّة تحته. أرضٌ قليلة لا نراها. ولهذا السبب استُخدَم نوعٌ مختلفٌ من الصواريخ، وكانت لها «شخرةٌ» صاخبة.

غرائب الحرب: مفهوم الشخرة؛ تلك الثواني القليلة من الموت المعلّق في سماءٍ مفتوحة، قبل أن يتكثّف في نقطةٍ واحدةٍ على الأرض.


7)

ثم ماذا يعني أن تمشي على الأرض وأنتَ تُدرك أنّ زنانةً فوق رأسك في السماء تحمل صاروخاً بوسعها أن ترميه متى تشاء وأينما تشاء؟


8)

يوم السبت 7 آذار، نفّذت قوّات الاحتلال إنزالاً من الجو في النبي شيت، تلته أحزمةٌ نارية رمتها طائراتٌ حربية سُمعَ هديرها في سماء بيروت وهي تتّجه بقاعاً. هكذا يبدو صوت الموت قبل أن يطال 41 شخصاً. للمفارقة، قيلَ إنّ هدفَ العملية البحثُ عن رفات طيّارٍ سقط من سمائهم، على أراضينا، سنة 1986.


يميل المرء إلى تصوير الاحتلال على أنّه سطوٌ قسريٌ على أرضٍ ما، ولكنّه، بالتوازي، سطوٌ على السماء؛ بل إنّ احتلال إسرائيل للسماء، هو ما سهّل عليها احتلال الأرض؛ وإنّ إسرائيل، إن نظرنا للموضوع من هذه الزاوية، تحتلّ من سماءنا أكثر بكثير ممّا تحتلّ من أرضنا.


9)

أرضٌ قليلة

يجلس والدي على كنبةٍ في غرفةٍ مساحتها 8 أمتار مربّعة في بيروت، وقد ترك في الجنوب نباتاً وحطباً وشجراً كان قد هيّأَهُ للرشّ والتشحيل، آملاً بأن يتعافى الزرعُ من عجزٍ أصابه بسبب الحرب الماضية. وها هو يجتهد الآن، كي يحصر هذه الأرض الكثيرة في أرضٍ أقلّ، مساحتها سنتيمترات مربّعة معدودة تقع داخل جمجمته، وتُسمّى اصطلاحاً «الذاكرة».

يوم الأحد 8 آذار، قتلت إسرائيل صديق طفولته. نعاه في منشورٍ وذكر أنّه كان هو مَن أهدانا شتلة الغاردينيا يوم ميلاد أخي، ثم غرسها والدي أمام باب منزلنا في الجنوب، وقد أصبحت الآن شجرة. أبدى جدّي بها اهتماماً منقطع النظير، وظلّت تُزهر بعد رحيله. ولا بدَّ أنّها الآن أخذت تُبرعِم، ولا بدَّ أنّها، رغم البارود، ستُزهر بعد أسابيع قليلة. في يومٍ من أيّام أيّار الآتي، ستحمل الغاردينيا ورداً ناصع البياض، إيماءةَ شكرٍ وسلاماً أخيراً لصاحب الهديّة: محمود عصفور، الذي استشهد إلى جانب ابنه علي في بلدة بريقع الجنوبية.


10)

سماءٌ أكثر

أخبرونا، في طفولتنا، أنّ موتانا يصعدون إلى السماء.

أنا، من جهتي، ما زلتُ أتمسّك بهذا التصوّر حتّى يومنا هذا، وأزدادُ تمسّكاً به كلّما سمعتُ صوتاً عالياً، كلّما رأيتُ السماء أكثر، كلّما صارَت الأرضُ أقلّ. ولكن لا بدَّ لها، في يومٍ من الأيّام، أن تعودَ أرضاً كثيرة.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
يوميات

سماءٌ كثيرة، أرضٌ أقلّ

سمير سكيني
كورنيش صيدا مأوىً للنازحين
15-03-2026
تقرير
كورنيش صيدا مأوىً للنازحين
ترامب يهدد بقصف جزيرة خارك مجدداً «للتسلية»
قيل هذا الأسبوع: 08 آذار 2026 - 14 آذار 2026
حدث اليوم - السبت 14 آذار 2026
14-03-2026
أخبار
حدث اليوم - السبت 14 آذار 2026
عراقجي يهدّد الإمارات والمصالح الأميركية في الخليج