برهة
كانت تروي، وهي ترفع الهاتف أمامي بين كل جملة وأخرى، هلّق بفرجيك صور الشقّة والبناية، ما ضلّ في شقّة أصلاً.
تتكلّم بسرعة. لا تستطيع التوقّف. تأخذ نفسًا متقطّعًا، ثم تكمل. تقول إن صاروخًا دخل من شقّتها، من نافذة غرفة أطفالها، قبل أن ينحرف يمينًا وينزل إلى الطابق الرابع ثم الثالث، وينفجر في الطابق الثاني. ماتوا ثلاث شباب، يا حرام، بهالشقة، وجارتنا يلي عالثالث.
لمع ضوء ليموني. كنت نائمة. نطّيت، وكلّ الدنيا صار لونها أصفر من حولي، والزجاج والعفش عم يطيروا، وغبرة. الزمن فجأة صار طاير بالهوا. وحياة الله، بيقولوا هيدي اللحظة بين الحياة والموت… إي، أنا عشتها.
تسألني: كيف في صاروخ بيفوت وبيرجع بينزل نزول كل هيدي الطوابق؟
يفاجئني السؤال. أنظر إلى عينيها متلبّكًا. تكنولوجيا، أقول.
شو هالتكنولوجيا المجنونة هيدي؟ تجيبني.
ما إن فتحت هاتفها حتى توالت فيديوهات عن الشقّة والدرج الذي انهار تحت أقدامهم وهم يحاولون الخروج أحياء.
صوّرتِ كل هيدا الشي وإنتِ عم تحاولي تهربي من الصاروخ؟ أسألها.
فتحت الكاميرا دغري… ما بعرف ليش هيك ردة فعل. أصلاً ما كنت مستوعبة شو عم بعمل، بس بتذكّر إني كنت عم بركض عالدرج.
هي برهة تفصلها عن الموت. هذه البرهة تحوّلت إلى رواية.
المشهد من حولها تحوّل إلى لون برتقالي. طار كل شيء بسرعة بطيئة: الكراسي، الصحون الزجاجية على الطاولة، التلفزيون، وعلبة السجائر. كل شيء يطير ببطء. عصف الانفجار أتى كهواء ساخن لفح وجهها وشعرها. ثم حدث وميض كبير، ولم تعد تعي ما حصل. مرّت دقائق، أو ربما ساعات، لا تعلم.
فقت من صدمتي على هزّة عنيفة من بنتي، عم تقلّي لازم هلّق نفل.
ثم تعيد الحكاية.
هل مرّت لحظات فعلًا؟ أم أنني غبت بالزمن لساعات؟ لأيام؟ دخلت في نفق طويل برتقالي، وفي نهايته كان في ضوء جميل جدًا. ضوء حسّسني بالسلام والراحة التامة. يا الله ما أجمله. وما إن هممت أن أندفع نحوه بسلام، حتى هزّتني إيد بنتي وغمرتني. كنت منهارة تمامًا. أظن هالغمرة، هالعبطة، هي يلي رجّعتني من النفق.
فيديوهات قصيرة لدرج مهدّم، أرجل تركض، غبار وحجارة وباطون متناثر. كلّه مصوّر بيد تهتزّ وتركض. الصوت صراخ وبكاء وصمت. فيديو بالكاد تستطيع أن تميّز مشاهده من شدّة اهتزازه. لا صورة ثابتة، ولا لقطة واسعة للكارثة.
لعلّه أصدق تعبير بالصورة عمّا حلّ بنا، وعن تصوير الموت القريب. أظن أيضًا أنه أصدق تعبير عن محاولة تصوير الحرب، وعن مرور الموت سريعًا من جانبك، وعن الكارثة.
ولعلّ أصدق تعبير عن الواقع هو أنها أخرجت هاتفها وصوّرت فيديو مهزوزاً لكارثة لن ننجو منها.
مكرّر
المدة: 40 دقيقة من داخل سيارة، لقطة طويلة لقرى الجنوب أو ما بات يُطلق عليها قرى الحافة الأمامية المدمّرة.
الزمن: بعد انتهاء الحرب عام 2024.
الصوت: هواء، صوت درون، صمت.
صوّرتُ هذا الفيديو بهاتفي بعد انتهاء حرب عام 2024. لقطة طويلة من السيارة لطرقات وبيوت مدمّرة كليًا على جوانبها.
أعود لتلك اللقطات. أحاول أن أُولّف منها فيديو قصيراً. لا أجد مبررًا لفعل هذا. فأغلق الكومبيوتر مجددًا. هكذا على مدى أيام وانا أحاول أن أقول شيئاً بالصورة والصوت. ولكن عبثًا أحاول. الملل والتكرار تسرّبا إليّ أيضًا. الصورة مكرّرة، الدمار مكرّر، مشهد البيوت المحروقة التي سُوِّيَت بالأرض مكرّر. ما الفرق بين هذه المشاهد ولقطات من فيلم لجوسلين صعب مثلًا أو لمارون بغدادي في سبعينات القرن الماضي، عن الجنوب والألم والتهجير وعن الأسئلة السياسية المعلّقة، من دور الدولة إلى الدفاع عن الكرامة. القصة تتكرّر مجددًا. عدوان وتهجير وظروف حياتية صعبة، وصور تنتشر للمعاناة على الطرقات أو في أماكن اللجوء.
تكاد تكون نفس الصورة مهما اختلف الزمن واختلفت الظروف السياسية.
أنتبه وأنا أعيد مشاهدة المقاطع أنني أُشيح بالكاميرا عن البيوت. الكاميرا في منتصف الطريق، والطريق مدمّرة ومحفّرة. فجأةً أضع يدي على طرفي الشاشة. أغطّي جانبي الصورة، وحدها الطريق المتهالكة من مرور الدبابة الإسرائيلية عليها ظاهرة في الصورة. أظنّ أنّها تكفي، أقول في سرّي. تهتزّ الكاميرا بسبب سوء الطريق المدمّر، تهتزّ يدي في الصورة، أنا أغطّي الدمار الكثيف عن جانبي الطريق.
وحدها الصورة المهزوزة المرتعشة تقول إنّ الوحش مرّ من هنا.
تصحيح
أحاول أن أصحّح وضعية الصورة إلى شكل مستقيم. صورة وصلتني للجسر التاريخي الصغير المؤدّي إلى قريتي، والتي دُمِّر بالأرض. إنه جسر وادي الحجير. لكن في كل مرة كنت أصحّح فيها الوضعية، كان الجسر يستقيم أيضاً، لم أستوعب الأمر، وكأنّ خدعةً ما تحصل داخل الصورة. كأنه لم يُدمَّر بتاتًا، كأني أدخلت الصورة إلى الذكاء الاصطناعي مع جملة «أَعِد الجسر كما كان وأجمل». أُصحّح الوضعية فيستقيم الجسر مجدّدًا. خُيِّل لي أنني أحلم. أدخلت الصورة بالفعل إلى تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي وكتبت «أَعِد الجسر كما كان».
ما هي إلا لحظة حتى أعاده إليّ بشكل أجمل ممّا كان، معلَّقًا على ثلاث قناطر حجرية.
أُرسلها إلى والدي مع عبارة «سنعمّره من جديد وسنعبر». تمرّ دقائق، ثم يأتي ردّه «لا أظنّ أننا سنعود، وإنْ عندنا لن يعود الجسر التاريخي كما كان، لقد انمحى». هو عنف التاريخ وثقل الذاكرة.
كنت أريد أن أصحّح الوضعية. لكن لماذا؟ مَن أخذ هذه الصورة السريعة المعوجة لم يكن يبالي بالصورة. لعلّ الصورة السريعة المهزوزة المعوجة المرتعشة هي أصدق تعبير عن الجسر الذي انقطع ونحاول أن نعبره.
شرشف
تتعالى أصوات، مع كل حرب، عن أخلاقيات الصورة. لا يمكن أن يكون للمصوِّر وهو يأخذ صورة للكارثة أو للدمار او للوجوه اللاجئة إلا أن يدخل بالعلاقة الثلاثية ما بين: الصورة وانتشارها، المصوِّر، والمتلقّي أو المتفرِّج. مشغولون نحن دائماً بالصورة والمصوِّر دفاعاً عن الناس، ولكن هل ما زال هذا الترتيب قائما؟ كيف يتمّ الفصل بينهم في زمن يحمل فيه كل مواطن كاميرا ولديه حسابه على السوشال ميديا يطلّ به على العالم حينما يشاء. الصورة تبلعنا وتحيط بنا في كل لحظة من حياتنا. أنا المتفرِّج وأنا المتلقّي وأنا صانع المحتوى أو الصورة في الوقت عينه. نعيش الحرب على الشاشة وفي الواقع اليومي، نعيش تمثيل الواقع وحقيقته في اللحظة عينها، نقاوم حتى لا تنتصر سلطة الصورة التي تبلد المشاعر من كثرة تكرارها. أفكر في الصورة كأداة أيدولوجية رأسمالية ننظّم فيها رؤيتنا وكيف ننظر إلى كارثتنا. أداة تجعلك فاقد الإحساس وأنت تشاهد مجزرة جديدة مكررة. الصورة التي من قوة عنفها تسحب السياسة وتأخذنا إلى التعوّد والتأقلم. كنت أفكر في كل هذا، في محطات التلفزة، كيف تخلق المحطات سرديات سياسية تسلب عقل المشاهد. أفكر عن معنى الصورة المهزوزة وصدقها، عن هذه الصورة التي تخجل من أن تبرز وجوه اللاجئين.
كان يمكن الاستفاضة بالموضوع، ولكنّ حركةً واحدة أطاحت بكل الموضوع. أطاحت بكل نظرية رانسيير عن الصورة الناقصة أو كيفية تمثيل الكارثة.
يد عنيفة، عصبية، متوترة امتدت بعنف لـ«تشمط» منّي هاتفي مع صرخة: شو عم بتصور، شو؟
كنت أمام حرش بيروت، غاضباً من عدم فتح الحرش للاجئين الناصبين خيمهم على الرصيف الخارجي. رفعت هاتفي لأصوّر: شرشف معلّق على سور الحرش . قلت، هذه صورة صباحات المهجرين من بيوتهم. لكنّ الشباب المستنفر المتأهب كان حاضراً لي بالمرصاد.
بسرعة حاولتُ أن أشرح له ماذا أفعل، فأنا أعرف تمامًا أنّي إن لم أطوّق الموقف سريعًا، ستأخذ الأمور منحنى تصاعديًا. «علقة يعني». وهذا ما حصل. عبثًا حاولت ان اشرح له لماذا أصوّر. في البدء خُيّل لي أنه لا يريدني أن أصوّر المعاناة، لا يريد لناسه وخصوصيتهم أن تُنتهَك وهم ينامون على رصيف شارع. ولكنه أخذ هاتفي وبدأ بأسئلته الأمنية. أمنية؟ أصابني الذهول، وخاصةً أنّ صوت الدرون التي تصوّر أصغر تفاصيل حياتنا كان يخرق الأذن. قلت في سرّي أرجوك ابقَ في السؤال عن الكارثة، عن عدم قدرتنا على تصوير الكارثة.
سريعًا تجمهر حولي عدد من الشباب المستنفر أيضًا. هدأت فجأة، حسناً لم يكن لديّ خيار وأنا مُحاط بكمية من العضلات. حاولت أن أرفع الصوت اعتراضًا، ولكن نظراتهم وأكتافهم كانت كفيلة بأن تجعلني أهدأ. سكت لبرهة، ثم سمعت جملة: هلا عاجبك الشرشف يعني، بدك تصور الشحار؟ هنا من جديد حاولت ان أشرح له أنّ صورة الشرشف والأغراض الشخصية لعلها أقوى من صورة الوجوه والمعاناة في التعبير عن الكارثة، صورة التفاصيل، الصورة المهزوزة. للحظةٍ كنت سأتكلم عن رانسيير. هل تعرف رانسيير قلت له وانا أتماوج بين أكتاف الشباب الغاضب المتأهّب لضربي.
نظر إليّ مطوَّلاً، ثمّ دفع التلفون باتجاهي مردفاً يلا روح من هون.
لماذا كنت أريد أن أصوّر شرشفاً منسدلاً على سور الحرش؟ حقيقةً لا أدري.
زوم
أحاول أن أكبّر الصورة إلى أقصاها. صورة وصلتني للتوّ من والدي، مع عبارة «يبدو أنّ البيت راح، هيدا بيت عمّك صار على الأرض». صورة يبدو أنّ صاحبها صوّرها بهاتفه بسرعة وهو يهمّ بالهرب. صورة لبيت مهدّم بالكامل مع جدار ما زال واقفًا في أقصى يسار الصورة. صورة لبيتنا. زووم إن، أكبّر الصورة لأقصاها، أوسّعها، أمشي بأصبعي على الشاشة شمالًا ونزولًا، أضع دائرة حمراء على مكان بيتنا، على الحائط الواقف، أرسلها له مع عبارة «لا شكله بعده، يمكن».
تعوّدتُ ألّا أزور أماكن غادرتُها. فمن كثرة تنقّلنا ونحن أطفال في الجنوب من بيت إلى بيت ومن تهجير إلى تهجير، عوّدتُ ذاكرتي بأن أحتفظ بالصورة الأخيرة للمكان لحظة مغادرته، ولا أعود إليه أبدًا. حاولتُ أن اشحذ ذاكرتي لتسترجع آخر مرة زرت فيها البيت، يوم انتهاء حرب 2024. ارتعبت. كأني عرفت حينها أنها ستكون آخر زيارة. أبي الذي بدأ برسم صورة لبيته الجديد، بلكي بعمّر بيت صغير هل مرة، على طرف الطريق، يصفن فجأة وينظر إليّ، يبتسم، نبتسم، كأنه لا يريد أن يقولها. يصمت عن حلمه، كي لا يأخذه بعيدًا. أو يصمت لأنّ الواقع يكسر حلمه، أعلم أنّ في عينيه رعب الحقيقة: أننا يمكن ألا نعود أبداً. وأن ذاكرتي التي مرّنتُها على عنف محو الأمكنة، قد تصاب بالكسل، إذ إنّ الغياب سيطول هذه المرة.
اتّصلت أمّي أمس لكي تعدّد لي كم من المقاتلين، من أصدقاء الطفولة، قد استشهدوا. كانت قد كرّرت هذا الشيء في حرب 2024، تُعدّد من مات، مَن قُصف بيته، من بقي، بصوت من تعوّد منذ الأزل على مثل هذه الأحداث. كنت قد قرأت للتو نصّاً عن هشاشة حياتنا أمام تكرار المجازر والإبادة.
منذ لحظة إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان، وصرخة الحجة في الفيديو «يا عين على الله، يا الله على هل الليلة» جعلتني فاقد الرغبة في الكلام والشعور، أظنّ مثل كُثُر من حولي. مللت من المشاهد المتكرّرة، والكلام المكرّر، والصور. وهذا التحليل المتكرّر: حزب الله انتحر، لا أفق سياسياً لحرب ترامب، إيران ستصمد، انهيار القيم الديموقراطية الغربية، لن تفاوض إيران على حزب الله، إنها آخر المعارك، حقنا في المقاومة مشروع… كل هذا ومشاهد إبادة غزة ماثلة أمامي عند كل ضربة وصوت لتدمير الضاحية، عند كل مشهد من دمار قرى الجنوب.
ماذا أفعل الآن بصورة مهزوزة، سريعة، مرتعشة، أرسلها والدي لدمار بيت، لبيته في أقصى الصورة، غير أن أوسّعها. زوووم، أضع دائرة حمراء، أرسلها مجدداً، مع عبارة «لا شكله زمط، يمكن».
الطاحونة
لقد دمّروا الطاحونة التاريخية في وادي الحجير. هكذا تصلنا الصور والخبر عن قرانا، وبيوتنا، وأماكننا التراثية والتاريخية.
يبدو أننا سنكمل مع عنف الذاكرة، عنف الغياب، عنف التذكر، وعنف النسيان في آنٍ معًا.
صور: أحمد غصين