تعليق الحرب على لبنان
جان قصير

هل ما زال البلد ممكناً؟

الحاجة إلى خيار ثالث

30 آذار 2026

عمق الأزمة

تكشف الحرب الإسرائيلية يومًا بعد يوم عمق الأزمة اللبنانيّة، أزمة تفوق بخطورتها جولات الاستقطاب الطائفي منذ العام 2005، إذ بات اليوم السؤال مطروحًا بشأن إمكانيّة استمرار البلد جغرافيًا، واجتماعيًا وسياسيًا. 

فجّر الواقع الديمغرافي الجديد الذي فرضه نزوح نحو مليون شخص من الجنوب والضاحية أحقاداً متراكمة بين المواطنين: من إقفال بعض البلدات أبوابها أمام النازحين، مرورًا بإرغامهم الالتزام بإجراءات أمنيّة مشدّدة وفرض إيجارات باهظة عليهم، وصولاً إلى ردود الفعل الهستيريّة ضد النازحين في الحازمية وعائشة بكار وساحل علما وغيرها من المناطق. 

يتحمّل حزب الله الجزء الأكبر من المسؤولية لما آلت إليه الأمور، بعد عقدين من الهيمنة والعنجهيّة والقمع وتجاهل مكوّنات البلد الأخرى وزجّ البلد بمغامرات دمويّة عمّقت الأحقاد بين اللبنانيين. لكنّ هذه التوترات تكشف أيضاً نفوراً عميقاً في الشارع المسيحي من فكرة العيش المشترك، يصل أحياناً إلى تبنّي خيار الانفصال، وهو توجّه لم يعد محصورًا بحالات إعلاميّة شعبويّة، بل تحوّل إلى سرديّة شائعة يروّج لها العديد من القيادات المسيحيّة. 

إضافة إلى الواقع الاجتماعي المشتعل، تتّجه اسرائيل إلى قضم أجزاء اضافيّة من أراضي الجنوب، ممّا يطيل أزمة النزوح ويزيد من مخاطر الانفجار الداخلي. وأخيراً، يبقى احتمال دخول الطرف السوري في النزاع واردًا، رغم تطمينات الرئيس أحمد الشرع، بعد أن كسر سياسيّون لبنانيّون وإسرائيليّون تابو الاستعانة بالجيش السوري للضغط على حزب الله شرقًا.

أمام هول التحدّي اللبناني، والتجاهل الدولي لواقع لبنان بسبب التداعيات الكارثيّة للحرب مع ايران على الاقتصاد العالمي، وعجز الدولة اللبنانية حتّى اليوم عن منع الانزلاق الداخلي نحو الصدام،  يصبح السؤال مشروعاً حول إمكانيّة نجاة البلد كما نعرفه من هذه المحنة المستجدّة.

حزب الله: الانتحار الثاني

كأنّ قرار 2 آذار الانتحاري لم يكن كافياً لعزل حزب الله داخلياً، فقرّر الحزب اللجوء مجددًا إلى التهديد والوعيد معلنًا القطيعة المطلقة مع خصوم الداخل. هدّد وفيق صفا حكومة نواف سلام بـ7 أيار جديد، إن لم تتراجع عن قرار حظر سلاح الحزب. وقبله توعّد محمود قماطي أعضاء الحكومة بالتصفية في حال انتصر الحزب في الحرب، تماماً كما أعدمت المقاومة الفرنسية [...] حكومة فيشي التي كانت تحاكم المقاومين وتعدمهم، بحسب قوله.

أتى الانتحار الثاني، بعد عام ونصف من المراوغة لفرض توازن مختلف بين الحكومة وحزب الله. حاولت حكومة نواف سلام إدارة المرحلة الانتقالية بعد اتفاق وقف الأعمال العدائية بما يرضي المتطلبات الأميركية من جهة، ويراعي حساسيّات الداخل من جهة أخرى. فكان استخدام مصطلح «حصر» السلاح بدل «نزعه»، والسماح لقائد الجيش بالمماطلة في تنفيذ خطّة الجيش شمال الليطاني لتفادي الاصطدام مع الحزب. وكانت القيادة السياسية لحزب الله تجاري الحكومة في لعبة المراوغة وفرض التوازن، بين عنتريات صخرة الروشة و قوافل الموتوسيكلات من جهة، والإبقاء على وزراء الحزب في الحكومة رغم قرار  حصر السلاح، من جهة أخرى. كما استمرّت الحكومة في محاولتها الفصل بين حزب الله السياسي (أي اللبناني) وحزب الله العسكري (أي التابع للحرس الثوري الإيراني)، حتى بعد إطلاق الصواريخ في 2 آذار، إذ أكّد قرار الحكومة على حظر أنشطة حزب الله العسكريّة من دون المساس به كحزب سياسي لبناني. 

سقط رهان الحكومة لحظة إطلاق الصواريخ الـ6 ثأراً للمرشد الإيراني، إذ أكّدت تلك اللحظة أنّ قرار الحزب محصور بالجناح العسكري التابع للحرس الثوري، وأن لا دور فعلياً للجناح السياسي الذي كان يفاوض الحكومة خلال العام الفائت. أمّا لبنانياً، فزاد خيار الثأر للخامنئي من عمق الفجوة بين حزب الله وسائر اللبنانيين، خصوصاً أنّه أتى بعد عام ونصف امتنع خلالها الحزب عن القيام بأيّ عمليّة دفاعاً عن الجنوب رغم قتل الإسرائيليين ما لا يقل عن 300 لبناني.

تدفع المقاربة الانتحارية لحزب الله الطائفة الشيعية نحو المجهول. فإضافة إلى مخطط إسرائيل لتهجير الجنوب والضاحية، وعداوة النظام الجديد في سوريا بسبب تورّط الحزب في الحرب السوريّة  دفاعًا عن الأسد، ساهم حزب الله بتهديداته الأخيرة، في تعميق الفجوة بين الطائفة الشيعيّة والطوائف الأخرى، رغم دقّة المرحلة وتزايد التوترات في مناطق النزوح.

خصوم الحزب: قصر نظر ولعب بالنار

مقابل عنجهيّة حزب الله، يبدو الخطاب المضادّ متحمّسًا للصدام، إذ يرى في حروب ترامب ونتنياهو فرصةً استثنائية  للإطاحة بالحزب، حتى لو كان الأمر على حساب وحدة البلد وسيادته. تشكّل القوات اللبنانية رأس حربة هذا الخطاب، وتفرض إيقاع الملعب «السيادي»  على الجميع، لا سيمّا بعض الأصوات التغييريّة أو المسيحية المعتدلة.

يضغط خطاب القوات على الحكومة لاعتماد أسلوب أكثر شراسة لنزع سلاح حزب الله بالقوّة، متجاهلاً أو مستخفًا بامكانيّة الصدام الداخلي. فأمام خطر انقسام الجيش، لوّح النائب القوّاتي بيار أبي عاصي بانسحاب المسيحيين من الجيش إن استمر الوضع على ما هو عليه، واعتبر أن المسيحيين مش شغلتكم يضحّوا كرمال الدولة لأنو الدولة ما بتسأل عنهم. بدوره، رأى رئيس جهاز الإعلام والتواصل بالقوات اللبنانية، شارل جبور، أنّ المطالبة بوقف إطلاق النار «خطيئة»، ودافع عن استمرار الحرب حتى نزع سلاح حزب الله.

رهان بعض القوى المسيحية على  التدخّل الإسرائيلي مجدداً أخطر بكثير من سيناريو 1982. فحزب الله ليس منظمة التحرير الفلسطينية، أي فصيلاً عسكرياً خارجياً متحالفاً مع أطراف داخليّة. وإن كان صحيحًا أنّ حزب الله يأتمر من الحرس الثوري الإيراني ويشكل ذراعاً عسكريةً له على مشارف إسرائيل، فإنّه نابع أيضًا من المجتمع اللبناني ومتماهٍ مع طائفة تشكل ثلث سكان البلد. وبالتالي، فإنّ خيار «الاقتلاع» الذي يتحمّس له هؤلاء ليس سوى وهم قد يؤدي الى مزيد من الدم والمآسي. فواقع حزب الله، اليوم، أشبه بواقع المسيحيين خلال نهاية الحرب الأهليّة، والذين لم تفلح آنذاك محاولات إقصائهم التامّ، لا بل نبّتت مظلوميّة دامت عقوداً، وأعادت زعامات الحرب الأهلية نفسها لتمثيل الشارع المسيحي بعد 25 عاماً على إقصائهم.  

رفضُ خصوم حزب الله التعامل مع تعقيدات الواقع اللبناني، واستسهالُ خيار الصدام الداخلي، ليسا قصر نظر ولعباً بالنار وحسب، بل يشيران أيضاً إلى تماهي القيادة المسيحية- ومعها جزء من الشارع المسيحي- مع المشاريع الإقليميّة التي ترسم الشرق الأوسط الجديد، ومع فكرة إعلان الطلاق مع باقي البلد. خيار التقسيم لم يعد شبحًا تلوّح به أقليّة متشدّدة، بل بات فرضيّة جدّية عند هؤلاء، إذ بات يستفزّهم حتّى شعار الـ10452 كم².

لبنان أمام استحالتَيْن

أمام الواقع المتفجّر على ضفّتَيّ المشهد السياسي، ما يزيد الوضع اللبناني تعقيداً هو انسداد الخيال حول صيغ بديلة للتركيبة اللبنانية الحالية.

الصيغة التوافقية التي حكمت البلاد منذ الطائف انتهت، ولن تفلح جهود «الترقيع» لإنقاذها بعد نهاية الحرب. فهذه الصيغة المبنيّة على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، تخلخلت عبر تغّير الديموغرافيا من جهة، وحفاظ حزب الله على سلاحه بعد حلّ الميليشيات الأخرى. ومهما كان مصير حزب الله وسلاحه، ستفرض نهاية الحرب إعادة نظر بصيغة الطائف، التي أعادت وحدة البلد بعد الحرب الأهليّة عبر تعديل بصلاحيات الرئاسات الثلاثة وتكريس المناصفة. لم يعد هناك ما يكفي لجمع مكونات البلد حول رؤية موحّدة وضمن نظام توافقي مركزي، مما سيفرض حتماً إعادة النظر بالنموذج السياسي اللبناني.

في المقابل، تشوب صيغةَ التقسيم أو الفيدرالية عوائقُ كثيرة. فمن الصعب أن تقبل إسرائيل أو سوريا بكانتون شيعي على حدودها في الجنوب والبقاع. أمّا باقي المناطق، فهي متداخلة جغرافياً وطائفياً مثل جبل لبنان الجنوبي، وعكار والبقاع الغربي وغيرها. أمّا خيار الترانسفير، أو انتقال السكان من منطقة إلى أخرى، فسيكون حتماً خياراً دامياً. 

بين استحالة العودة إلى صيغة الطائف واستحالة التقسيم الجغرافي، تبدو الحاجة إلى خيار ثالث ضروريّة لرسم خيارات قد تعيد البلد ممكناً. 

ملامح خيار ثالث

يبدأ الخيار الثالث بالالتزام بالبلد كمشروع متنوّع وديموقراطي في منطقة تسيطر عليها المشاريع التقسيميّة والشموليّة. مشروع نجا من مئة سنة من المحن، وأنتج تجربةً تاريخيّةً تستحقّ الدفاع عنها. يقتضي الخيار الثالث رفض احتلال الجنوب، وضمان عودة جميع الجنوبيين إلى بلداتهم، ورفض التقسيم، ورفض هيمنة إيران على قرارات البلد الاستراتيجية من خلال سلاح حزب الله. لا شكّ أنّ هذا الخيار قد يبدو طوباوياً اليوم، ولا تُظهر أيٌّ من القيادات السياسيّة حماسةً له. كما أنّ حلّاً كهذا ما زال غائباً عن أجندة اللاعبين الدوليين والإقليميين، إذ ينتظر معظمهم نتائج الحرب قبل تبنّي حلول لأزمة لبنان.

لكن ما يحفّز بلورة الخيار الثالث وتبنّيه، هو استحالة الخيارات الأخرى، وحتميّة العودة إلى أُطُر التفاوض والتنازلات المتبادلة عاجلاً أم آجلاً.

الخيار الثالث هو خيار الذين لا مكان لهم ضمن اصطفافات الطوائف ومشاريعها التقسيميّة. كتلة اجتماعية فضّلت البلد على الطوائف دومًا، رغم أنّ البلد خذلها. كتلة من المواطنين ما زالوا يفتحون بيوتهم لكلّ لبناني ولبنانيّة، ويرفضون الانجرار إلى التنميط، ويعون عبثيّة حروب الطوائف ونفاق زعاماتها. كتلة من المهاجرين اللبنانيين، طردتهم الأزمات المتتالية، يشهدون على احتراق بلدهم من بعيد بحسرة وخوف. أخيراً، الخيار الثالث، هو خيار العقلانيين ضمن كلّ طائفة. خيار الذين باتوا يعلمون ثمن الحروب وعجزها عن استحداث حلول سحريّة، والذين يتوقون إلى مستقبل خالٍ من الحروب، بعد عقود من التناحر العبثي بين الطوائف اللبنانية.

على هذه الكتلة ألّا تبقى رهينة محتكري السيادة والمقاومة، وأن تفرض نفسها كطرف ضمن تركيبة البلد، لا كمنقذ للبلاد. طرف يدافع عن رؤية مضادة للمشروعين المتصارعين. 

طرف يستعيد من اليمين المسيحي فكرة لبنان، ويرفض المساس بحدوده أو مقايضةَ سيادته خدمةً لأيّ مشروع كان. كما يستعيد مفهوم المقاومة من أتباع المحور، ويبحث عن سبل جديدة للتصدي كمجتمع ودولة للمشاريع التوسعية العدوانية من أينما أتت. طرف يمثّل مَن لا مكان لهم بين الجماعات والطوائف، رهانه الوحيد هو قيام دولة تحميهم وترعى حقوقهم. 

على الخيار الثالث ألا يكون خطابياً وحسب، بل أن يسعى أيضاً إلى فرض توازن سياسي حقيقي، ضمن حفلة الجنون المتصاعدة. توازن يتيح فرصةً لخرق الثنائيات، والخيارات العبثيّة، ليبقي خيار البلد ممكنًا.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
بتأييد نتنياهو: الكنيست يقرّ قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين
أزمة الهيليوم: الحرب على إيران تهدّد القطاع الصحي والتكنولوجي
سمعتوا؟ : الرسم الرابع من سلسلة لجنى طرابلسي
العدوان على لبنان: الأسبوع الرابع 23 - 29 آذار 2026
20,000 بحّار عالقون في مياه الخليج منذ بدء الحرب