تحليل مونديال 2022
زياد ماجد

أبرز المنتخبات المرشّحة للّقب الثاني والعشرين (1)

15 تشرين الثاني 2022

ينطلق كأس العالم لكرة القدم بعد أيّام، وتتواجه المنتخبات على مدى شهر كامل يُتوجّ على إثره حامل لقب جديد. 

تملك البرازيل العدد الأكبر من الألقاب (5 ألقاب في الأعوام 1958 و1962 و1970 و1994 و2002)، تليها كلٌ من ألمانيا (4 ألقاب في الأعوام 1954 و1974 و1990 و2014) وإيطاليا (4 ألقاب أيضاً أعوام 1934 و1938 و1982 و2006)، ثم الأوروغواي (لقبان في العامين 1930 و1950) والأرجنتين (لقبان في العامين 1978 و1986) وفرنسا (لقبان كذلك في العامين 1998 و2018)، وأخيراً إنكلترا (لقب واحد العام 1966) وإسبانيا (لقب واحد العام 2010). 

ليس من المرجّح أن يفوز باللقب الجديد منتخب من خارج هذه اللائحة (مع غياب إيطالي عنها نتيجة فشل المنتخب للمرّة الثانية على التوالي في التأهّل)، ولَو أن فرقاً قوية مثل البرتغال وهولندا وإنكلترا وإسبانيا وإلى حدٍّ ما بلجيكا وكرواتيا يمكن أن تلعب أدواراً مهمّة وتبلغ مراحل متقدّمة في البطولة. 

ولهذا عدّة أسباب، أبرزها يرتبط بخبرة متوارَثة عند الفرق الفائزة باللقب وبثقافة كروية تنافسية عالية وبإعداد بدني وذهني تلعب الثقة بالنفس فيه دوراً مهمّاً، وبعدد من اللاعبين الاحتياطيين الذين لا يقلّون مستوى ونضجاً وفاعليةً وقدرة على التركيز عن اللاعبين الأساسيين. 

النص التالي عرض في جزئه الأوّل لنقاط القوّة والضعف عند المنتخبات الأربعة الأعلى ترتيباً لجهة الحظوظ في الفوز بالبطولة، على الأقل نظرياً وبحسب قوائم اللاعبين ومدى اكتمالها في الخطوط الثلاثة ومن خلفها حراسة المرمى. أما في الجزء الثاني، فكلام عن ستّة منتخبات يمكنها أن تُنافس ولَو أنّ حظوظها تبدو أقلّ لأسبابٍ سنتطرّق إليها.


1 البرازيل

سيحاول المنتخب البرازيلي هذا العام الظفر بلقب طال انتظاره بعد خيبات كبيرة في العقدين الأخيرين، وبعد خسارة فادحة في نصف النهائي العام 2014 أمام ألمانيا، على أرضه، بما أعاد «تروما» العام 1950، حين خسر البرازيليون على أرضهم أيضاً في النهائي في مواجهة الأوروغواي.

يملك البرازيليون أفضل خطّ هجوم في البطولة، مع رافينيا وفينيسيوس جونيور ورودريغو وريشارليسون وأنتوني وغابريال جيزوس وغابريال مارتينيلي وبيدرو، لناحية السرعة والمهارة الفردية والحسّ التهديفي والخبرة المكتسبة في بطولات أوروبية (إسبانيا وإنكلترا بخاصة)، إضافة إلى الدوري البرازيلي. يلعب بين المهاجمين وخلفهم نيمار، أحد أفضل اللاعبين في العالم راهناً إن مرّر وصنع الفرص وتجنّب الإكثار من المراوغة التي تعرّضه للأخطاء الكثيرة. كما أن خطّ وسطهم سريع، يكافح لاعبوه عند فقدان الكرة للضغط على الخصوم (مع خشونة أحياناً، يُفترض أن يتنبّه لها كاسيميرو وفابينيو تجنّباً للبطاقات الصفراء أو الحمراء)، ويحسنون التمركز في المساحات للانتقال بسرعة من التموضع الدفاعي إلى الهجوم. ويمكن القول أيضاً أن الحارسين البرازيليّين أليسون بيكر وأديرسون هما من الأفضل في العالم اليوم، ويجيدان التعامل مع الركلات الثابتة واللعب بالقدم وإرسال تمريرات حاسمة نحو المهاجمين تُباغت خطَّي الوسط والدفاع المنافسَين (وتجربتهما مع ليفربول ومانشستر سيتي مميّزة على هذا الصعيد). 

على أن نقطة ضعف المنتخب البرازيلي هي في دفاعه. تياغو سيلفا بطيء في مواجهة الكرات المتحرّكة حين يتعامل مع مهاجمين سريعين، وماركينيوس وميليتاو ليسا على الدوام في أفضل مستوى وتناغم. كما أن الظهيرين دانيلو وتيليس لم يُظهرا بعد قدرات حسم هجومي وارتداد دفاعي يمنع اللعب خلفهما إذا فقد البرازيليون الكرة وتعرّضوا لهجمات مرتدّة. والأرجح أن المدرّب تيتي سيسعى لتجربة أكثر من صيغة دفاعية في الأيام المقبلة وفي الدور الأول للبطولة.

في المحصّلة، يدخل البرازيليون المسابقة كمرّشحين أُول للّقب، مع تجنّب الإفراط في الثقة، ومحاذرة من الوقوع تحت الضغط النفسي الذي ساهم في الإطاحة بهم في أكثر من مسابقة في السنوات الماضية. ويعود الفضل في توازنهم وواقعيّتهم في العامين الأخيرين إلى عمل تيتي، المُنسجم في خياراته مع فكرة أن الفوز أهمّ من الأداء، ولَو أن مفتاحه هو حسن الأداء وتماسكه من دون مبالغة في الاستعراض، وبخطط ستتمحور على الأرجح حول تشكيلة الـ4-3-1-2 التي تتيح الحرية لنيمار بين خطَّي الوسط والهجوم.


2 فرنسا 

لم ينجح المدرّب الفرنسي ديدييه ديشان في تحضير منتخبه في ظروف مثالية للدفاع عن لقبه. فالإصابات حرمته من لاعبَين مهمَّين في وسط الملعب، بوغبا وكانتي، والمشاكل الشخصية والتنافس غير «الودّي» بين عدد من النجوم إضافة الى تراجع مستوى عدد آخر تسبّب بتأخير في الإعداد، من دون أن يعني الأمر أن الفريق لم يعُد صاحب حظوظ للاحتفاظ بلقبه. فتخطّيه للدور الأول حيث سيواجه منتخباً منظّماً (هزمه مؤخراً الدانمارك) ومنتخبين متوسّطي المستوى يلعبان بأسلوبين مختلفين (أستراليا وتونس) سيمنح اللاعبين جرعة عالية من الثقة، ويسهّل على خطوطهم التكامل ورفع مستوى الفاعلية. ويملك الفرنسيون نقاط قوة عديدة، تقوم على مهارات الأفراد وخبرتهم الكبيرة (بنزيما وغريزمان وفاران والحارس ليوريس)، وعلى استثنائية سرعة إمبابي وذكاء تحرّكاته، وحيوية لاعبي الوسط (رابيو وغاندوزي وتشواميني أو كمافينغا) وقدرتهم على اللعب بالعمق إضافة إلى نقل الهجوم إلى الجناحَين. كما يتميّز المنتخب بلاعبي إحتياطه في الوسط والهجوم (جيرو وفوفانا ونكونكو وكومان وديمبيلي) الذين فرضوا أنفسهم في أبرز الأندية الأوروبية.

لكن «الكيمياء» بين عدد من اللاعبين ليست دائماً على الموعد. كما أن أي تراجع في مستوى غريزمان الذي سيلعب خلف إمبابي وبنزيما قد يدفع ديشان إلى تعديل خططه. وليس واضحاً بعد ما إذا كان قد قرّر السير بتشكيلته المفضّلة 3-4-1-2 أو بتشكيلة 4-3-3 التي فرضت نفسها عالمياً في السنوات الأخيرة. 

يبقى أن نقطة الضعف الفرنسية الأولى هي خط الدفاع الذي لم ينجح بعد في إبراز التماسك المطلوب عند تعرّضه للضغط وللكرات البينية. وقد خسرت فرنسا نتيجة ذلك عدداً من مبارياتها الرسمية والودّية الأخيرة. 


3 الأرجنتين

يطغى ذِكر ليونيل ميسي على ما عداه حين تُذكر الأرجنتين. وللأمر بالطبع ما يبرّره إذ من حظّ المنتخب الأرجنتيني أن أفضل لاعب في العالم في العقدين الأخيرين (وربما في تاريخ اللعبة، إذا أخذنا بعين الاعتبار طول المدّة الزمنية التي ظلّ فيها بمستواه المذهل) يلعب في صفوفه. لكن الأرجنتين لا تُختَصر بميسي، ولديها من حوله توازناً بين اللاعبين المخضرمين والشباب، وتوازناً شبيهاً بين خطوطها، مع قوّة هجومية استثنائية إذا استعاد دي ماريا وديبالا مستوَيهما بعد أن أبعدتهما الإصابة عن الملاعب مؤخراً، يجعلانها من المرشّحين الرئيسيّين للّقب. 

وللأرجنتين خط دفاع جيّد يلعب أبرز أفراده في الدوريَيْن الإنكليزي والإسباني (مارتينيز ومولينا وروميرو)، وهو ساهم في صناعة انتصارها في الـ«كوبا أميركا» قبل عامين متفوّقةً على البرازيل، وخطّ وسط مقبول (بقيادة دي بول وبالاسيوس وباريديس) لا يفرض بالضرورة سيطرته على منتصف الملعب، لكنه يؤمّن الانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم بما يمنع خصومه من الإكثار من محاولات الاندفاع الهجومي وإحداث التفوّق العددي في منطقة دفاعه خوفاً من فقدان الكرة التي تنتقل بسرعة إلى المساحات خلفهم حيث ميسي يواكبه الجناحان.

وإذا كانت نقاط الضعف غير قائمة نظرياً في خطوط الأرجنتينيين، إلّا أن ما يبدو خطراً عليهم هو مدى نجاح خصومهم في فرض الرقابة الفردية اللصيقة على ميسي الذي لم يعد بنفس السرعة، وإقفال الممرَّين على طرفَي الملعب بما يفرض عليهم الإكثار من التمريرات الطويلة أو اللعب العرضي وبناء الهجمات ببطء ممّا يقلّل من خطورة الثلاثي الهجومي ويسمح للمدافعين بالتمركز جيداً وتشتيت الكرات.

التحدّي الأرجنتيني سيكون إذاً في التمكّن من تحرير ميسي من عبء الرقابة عبر حسن التحرّك حوله لتخفيف الضغط عنه، أو الاستفادة من احتمالات سحبه الدائم للاعب إضافي (غير المكلّف بمراقبته) والتحرّك في مساحات الفراغ المحتملة خلال الهجمات واقتحامات منطقة الجزاء.


4 ألمانيا

تدخل ألمانيا أي مسابقة وهي مرشّحة جدّية للفوز بها. ورغم التراجع «الطبيعي» في مستوى الكرة الألمانية بعد حقبتها الذهبية في العام 2014 بسبب الانتقال من جيل فائق الخبرة والانسجام إلى جيل جديد لم يصل بعد إلى أفضل ما يمكن أن يقدّمه، إلّا أن المنتخب الألماني يبقى صلباً وقادراً على التغلّب على فرقٍ تبدو «على الورق» أفضل منه.

مردّ ذلك أمران أساسيّان. الأول هو فلسفة الكرة الألمانية التي تقوم على الفاعلية واللعب السريع والتمرير الطولي (أو بالعمق) والاختراق المباغت وتحرّك لاعبي الوسط والهجوم الدائم الذي يتيح لناقل الكرة أكثر من احتمال تمرير هجومي. والثاني هو وجود مزيج من الخبرة والحيوية في منتخب منخفض معدّل الأعمار، مع عمود فقري في الوسط والهجوم قوامه لاعبو بايرن ميونيخ (مولر وكيميش وموسيالا وغوريتسكا وغنابري وسانيه) وما يعنيه الأمر من تفاهم تام بينهم (وخلفهم حارس مرمى البايرن أيضاً وأحد أفضل حرّاس العالم مانويل نويِر). وهذا أمر لا نجده لدى البرازيل وفرنسا والأرجنتين التي يأتي لاعبوها من نوادٍ أوروبية تلعب في بطولات مختلفة. 

يُضاف إلى ذلك، أن ألمانيا تلعب دون الضغط الذي يتعرّض له البرازيليون المطالَبون باللقب، والفرنسيون المدافعون عنه، والأرجنتينيون من جيل ميسي الذين يخوضون فرصتهم الأخيرة لتحقيق ما عجز عنه السابقون، منذ رفع مارادونا الكأس العام 1986. فالألمان يعرفون أنهم بعد الإخفاقات الأوروبية والعالمية التي تلت فوزهم المستحقّ في العام 2014 يبنون فريقاً للسنوات المقبلة، ويمكن أن تكون الكأس هذه إن أحرزوها محطة كبرى تؤسّس لحقبة ذهبية جديدة. 

على أن ما يمكن أن يقلق الألمان هو، مثل البرازيل وفرنسا، خطّ دفاعهم الذي حين تعرّض في مبارياته الأخيرة (أمام إنكلترا وهنغاريا) لضغط هجومي فشل في إبقاء شباكه نظيفة وبدا عليه أحياناً ارتباك وقلة انسجام. وهذا على الأرجح ما سيعمل المدرّب هانس-ديتِر فليك على معالجته في المقبل من الأيام.

(في الجزء الثاني، استكمال للحديث عن المنتخبات الأبرز، إنكلترا وإسبانيا والبرتغال وهولندا وبلجيكا وكرواتيا، وبعض الخلاصات).

آخر الأخبار

تحليل

الطائف الذي ابتلعته موازين القوى المتبدّلة

زياد ماجد
نظرة

طيف الطائف. شبح الحرب. لياقة الاتفاق.

سامر فرنجية
تعديلات الطائف
اتفاق الطائف
28-01-2023
تحليل
اتفاق الطائف
الاتفاق الذي (لم) يطبق والذي أنهى (لم يُنهِ) الحرب
«موسم الرياض»
27-01-2023
تقرير
«موسم الرياض»
الترفيه والرياضة لتنظيف سجلّ وليّ العهد
تحليل

انقلاب عويدات

نادر فوز