أين سنرمي هذا السواد لمّا تذهب الغيمة؟
5
دقائق

كأنّكَ تحصي شيئاً ما يَغلِبُك، شيئاً يستغرق عمرك ولا ينتهي. ولا ترغب في أن ينتهي، لأنّك، بعد ذلك، ماذا تفعل. ماذا تصنع بيدَيك. بعينَيك المتعبتَين؟ ماذا تفعل بهذا القدر الكبير من الوقت حتّى تظنّه لا ينقضي أو لا ينضَب.
— بسام حجّار، عمرٌ للنافذة

1.
هي الغَيمة ذاتُها لا تُفارقني منذ حين. لا تُفارقنا منذ حين.
لم يعلم أحد، بدايةً، حجمَ الغيمة. كانت تبدو صغيرة إذ أنّها أتت من بعيد، كانعكاس الشيء في مرآة السيّارة. لم تُصرَف لها أهميةٌ تُذكَر إلّا يومَ غطّت طرفَ الشمس. تَبَدَّلَ الفضاءُ فجأة، أو ربّما بالتدرّج، وتبدّلت ألواننا. اختفى الطَّيفُ اللطيف، فالنورُ خافتٌ هنا. الليل، النهار. الليل، ثمّ الليل.

فَقَدْنا تَتَبُّع الوقت. وقدَّرَهُ كلٌّ منّا على هواه، إذ صار مجرّد حقبة هُلاميّة من الزمن، كمَرجعٍ عامٍّ لا أكثر. مثل القول أنّ الشيءَ حدثَ «قبل الغيمة»، أو «بعد الغيمة… لمّا أمطرت الغيمة… يوم لمست الغيمة خطّ الأفق…». وذلك بما يُشبه ما روَته لي جدّتي عن أبنائها العشرة، وكيف حفرت تواريخ ميلادهم على الخزانة آنذاك: فلان وُلدَ يوم زرعنا وعرة السوق صحرا، أي المقتي والخيار البعلي أو ما شابههما والبطّيخ والشمام. تحديداً الشمّام. وفي قريتِنا بذرةٌ من الشمّام ونوعٌ من التربة تقول إنّ الله يا سبحانه قد خلقهما بعضاً لبعض، حصراً. لمّا بيت كذا زرعوا خلّة الشحارير عدس، والخلة نوعٌ من النبات البرّي أعطى اسمه للمساحة، كمن يقول سهلاً أو تلّاً أو بورة، يقول خلّة. وللخلّة عرقٌ طويل ينتهي بكبكوبٍ من البذور الصغيرة الكثيرة التي تُزهر أبيضَ، فترسم ما يشبه الغيمة الصغيرة وسط الخَضار. ومن معاني الكلمة أنّها الصداقة، أو المحبّة التي تخلّلت القلب. والشخصُ منها هو الخليل. عاملَوِّل بس راحوا ع راس الأحمِر، وراس الأحمر قرية في شمال فلسطين، كان يقصدها أهالي القرى الحدودية للعمل في الأرض. أو لمّا أقحَلِت وما طِلِعش الموسِم يا ستّي. أقحلِت مع كسر اللام نظراً للفظ الجدّة، والفصيحُ أَقْحَلَتْ، وهو الفعل من «القَحْل» أي اليباس. قَحِلَ نَبَاتُ الْحُقُولِ: يَبِسَ؛ قَحِلَ الشَّيْخُ: يَبِسَ جِلْدُهُ.


 

2.

هي الغَيمة ذاتها لا تُفارقني منذ حين. لا تُفارقنا منذ حين.
تكرّر المشهد وتشابهت الأيّام، مع محاولاتٍ متواصلة ثابر عليها الجميع للانقضاض على هذه الغيمة. أقسم بالله… الجميع! حتّى أنّ كلباً كان على الشرفة، اعتقدَ أنّ باستطاعته التغلّب عليها. قفز قفزةً مُباغِتة كمن ينقَضُّ على فريسة— سوى أنّه نسيَ أنّ الرسنَ ما زال معقوداً برقبته. انقبَضَت حركتُه فجأة وتدلّى على الحديد…  معلّقاً بالهواء، كان يتأرجح يميناً، ويتأرجح يساراً… يتأرجح يميناً، ويتـ… حتّى الشهقة الأخيرة، لم يستطع أن يشهقها.

لم أعرف بعد ذلك إن كانت الطفلة الصغيرة هي التي خرجت إلى الشرفة ورأت كلبها الأسوَد مشنوقاً، أم أنّ والدها عثر عليه وأخفى الجيفة، ثم أخبر ابنتَه أنّ الغيمة أكلت كلبها. ولمّا بكَت أخبرها أنّ الغيمة ستُعيد الكلبَ بعد حين على هيئة أميرٍ صغيرٍ وسيمٍ. فابتَسمَتْ.


 

3.

هي الغَيمة ذاتها لا تُفارقني منذ حين. لا تُفارقنا منذ حين.
لم نكن نلحظ كثافة الغيم من بيوتنا. السماء مكبوتة هنا. غالباً ما نراها بشكلِ مربّعات (مربّع النافذة، مربّع فتحة السيّارة، أو المربّع السالب الذي ترسمه حدود المباني الخانقة). ثم قصدتُ البحر. كزدورة الليل. وهناك فقط انتبهت: الغيمُ كثيفٌ هذه الليلة. وانتبهتُ أنّ البحرَ كان غاضباً على غير عادة. وأنّ البحرَ أسوَد هذه الليلة.

رأيتُ الموجَ يصفق وجوه الصيّادين وهم يعبسون بوجهه. ومع ذلك، فَتّوا بأيديهم خبزاً وشَكَلوه بالصنّارة. وانتبهت: الغيمُ ثقيلٌ هذه الليلة. منخفض. وأنّ الصنارة إذ ترتفع، قد تعلق بطرف الغيمة. وربما رَفعوا صنانيرهم هذه الليلة فوق العادة عن قصد. مُحتالون. وفكّرتُ بالصياد الذي سوف يعود إلى منزله فجراً وفي دلوِه قطعةُ غيمٍ صغيرة: هاكِ يا قلبي! اشتريتُ لكِ غزل البنات.


 

4.

هي الغَيمة ذاتها لا تُفارقني منذ حين. لا تُفارقنا منذ حين.
تسَيَّدت الغيمة على المدينة. عمَّ السواد. فتساءلتُ عن جدوى البصر الآن؟ تذكّرتُ أستاذ الرسم لمّا سألَني: إذا سكّرت عيونك شو بتشوف؟ فأجبت: بشوف أسوَد. نهَرَني قائلاً: بتشوف أسوَد؟ كيف فيك تشوف إذا سكّرت عيونك؟ إذا سكّرت عيونك ما بتشوف شي. أخافتني النبرة فأكلتُ لساني، لكن بقيتُ أفكّر: إذا سكّرت عيوني بشوف أسوَد.

وحَدَثَ أن صرتُ ألاحظ العكس: لا أرى الأسوَد إلّا لمّا أفتح عينيّ، لكن لمّا أغمضهما أرى الألوان. كل الألوان. حتّى أنّي أرى ألواناً ليست موجودة. ألوانٌ لا اسم لها. غريب، لا أعرف كيف أخبركم عنها إن لم يكن لها اسم. أراها أيضاً في أحلامي، فقط لمّا لا أحلم بالمجزرة.

ومع تسَيُّد الغيمة ومُساءَلتي جدوى البصر، ومع راحتي لواقع أنّي مع ذلك أرى الألوان، تساءلتُ ما جدوى العيون الآن؟ وفكّرتُ مِراراً أن أفقأ عيني وأنظّف محجرها. ثم أضع فيه حبّة كرز. هكذا أجمل. هكذا، لا أعود أرى الغيمة، بل أرى لوني المفضّل. لونيَ المفضّل فقط، فأَبتَسم.


 

5.

هي الغَيمة ذاتها لا تُفارقني منذ حين. لا تُفارقنا منذ حين.
الغيمة ليلاً. تهدأ قليلاً وتستقرّ. قلتُ أرسم: سأرسم الغيمة وسأرسم لها مطراً. من شرفتي، رأيتُ السروة أمامها، وقلتُ أرسم السروةَ أيضاً. وقلتُ أرسم لها يمامة. ولليمامة… أرسم يمامةً أخرى. وسأرسم لسَرب الطيور قمحاً. وأرسم للقمحِ نبعاً. وأرسم قرب النبع غزالة. أو أرسم قطيعاً من الخِراف. وإن شرد منهم خروفٌ سأرسمه بالأسود وأُواسيه: حبيبي. لا تقلق، سأرسم لك درباً لا تسلكه الذئاب. وسأرسم لنفسي ساعةً بلا عقارب. هكذا أنسى الوقت. وسأرسم العقارب على عتبة البيتِ لكن من جهة الخارج فقط. هكذا، أُجنّب أمّي لسعةً لا داعي لها.

رسمتُ كثيراً كي أنسى الغيمة، فاشتدَّ حضورُها. في السماء كذلك على الورق. ورغم شدّة الحضور كنت أشعر أنّها عدم. أنَّ وجودَها لا ينفي وجود الشيء. أعني… صحيح أنّ الغيمة هنا لكن، مع ذلك، أعلم أن خلف الغيمة أزرق. أكيد. حتّى لو لا أراه… أعتقد أنّ هذا هو الحَدْس.
أَحْدُسْ أنْ خلف الغيمة— أزرق.
تحت التلّ— خلدٌ.
فوق الحقل— جراد.
خلف يدكِ— جفوني.
تحت الرصيف— مقبرة.
فوق العمود— جثّة.
وخلف الغيمة… أزرق.
بعض الأمور، أعرفها. أحدسها. أو، أقتاتُ على ذكراها. فأبتَسم.


 

6.

هي الغَيمة ذاتها لا تُفارقني منذ حين. لا تُفارقنا منذ حين.
بالرسم حاولت أن أحذف الغيمة. رسمت أقرب ما وجدته في الغرفة. ولمّا انتهيتُ حدّقتُ بالرسم طويلاً: رأيتُ شخصاً يشبهُني جدّاً ومع ذلك، لا يشبهني بالمرّة. لم أنتبه لسواد عيوني إلّا لمّا حدّقتُ بالورقة وتوجّست: هذه دوائر كاملة… ليست قوساً صغيراً فقط أضعه أسفل العين كالكحل أو ما يُظلّل الجفون. هذه دوائر كاملة… أحطتُ عينيّ، بلا انتباه، بالدائرة تلوَ الدائرة تلو الدائرة… وفكّرت: أين سأرمي هذا السواد لمّا تذهب الغيمة؟


 

7.

هي الغَيمة ذاتها لا تُفارقني منذ حين. لا تُفارقنا منذ حين.
هربتُ إلى الكتابة، وقلت هكذا أحذف الوقتَ أيضاً. «ولفرط ما أحذف النهارات لم يبقَ مني إلّا كائن الأرق، شبيهي، الذي يحسب أنّ الوقت يمضي إذا مشيته مراراً من الباب إلى النافذة، من الشرفة إلى النافذة، من النافذة إلى النافذة، ولا أدرك جدواه». كمان بسّام. لكنّ الغيمة حجبت النور واقتحمت الغرفة بشيءٍ من الوقاحة والعجَل. لم تكن الخطوة لطيفة للصراحة. انتَصبَتْ أمامي وإذ بها تَحكي وتقول: ما نفع النصوص التي تكتبها لو كانت جميعها ممشوقة ومع ذلك، تعجز عن الإتيان بحديثٍ سليمٍ مع أحد؟

والحقّ أنّي شعرتُ بالإهانة… «كس امّك يا غيمة» قلتُ في نفسي.

وقلتُ في نفسي أيضاً أموراً لم أقلها. مثل أنّني لا أريد شبيهاً لي في عالمٍ موازٍ. لا أُريد تُرَّهات الذكاء الاصطناعي. لا أريد الدردشة مع برنامجٍ يعتقد أن محمود الرحباني هو والد زياد الرحباني.
أريد فقط أن نجلس سويّاً على الكنبة ونتربّع. نشرَب كوباً من الأعشاب. مَلّيسة؟ ربّما. ونحكي عن قصصنا التي ما زلنا نبحث عنها. عن قصّة الغيمة. ربّما. عن مجزرة الضيعة. ربّما. عن مزاج الهرّ أمامَنا. ربّما. وأريد أن نغفو على بعضِنا. أكيد. بعفوية المنامة الأولى. دون نَيكٍ. أو تصنُّع. أن نغفو كأولادٍ تعِبوا من الركض الطويل في حقلٍ مُشمس بعد مطاردة السحالي وجمع ما يكفي من العيدان لترتيب ليلة النار. نارٌ، يصعد دخانُها حتّى يُلاقي طرفَ الغيمة ويُلاعبها. فربّما— ربّما، تبتسم.


 

8.

هي الغَيمة ذاتها لا تُفارقني منذ حين. لا تُفارقنا منذ حين.
تعوّدتُ عليها وصرتُ أراها أينما حدّقت. بالأشياء أو الأشخاص. ولفرط ما حدّقتُ بها، شعرتُ أنّها تحدّق بي. فأرى عيوناً كيفما التفتُّ. عيونٌ تحدّق بي! أرى الغيمة أيضاً لمّا أُتابع نومَ سيمبا. فهو، من بعيد، يبدو كغيمةٍ صغيرة على الأرض، بالقسم الأبيَض من ريشه. وقد اعتاد سيمبا أن يَقضي الوقت بالخارج، وأن يعود بعد حين رماديّ اللون. ثم يلعق نفسه بلا كللٍ أو مللٍ أو تذمّر حتّى يعودَ لونُه أبيَض. لكن يخرج من جديد. يصبح رماديّاً. يعود… يلعق نفسه… أبيض… يخرج… رمادي… يدخل… أبيض… يخرج… الخ

وصراحةً استفدتُ كثيراً من هذا الهرّ. أعني أنّه، بفعلٍ بسيطٍ غريزيّ، قد علّمني أنّ الغيمة ستكون لا بدّ رمادية. أحياناً. وتعود بيضاء في أحيانٍ أخرى. فابتَسمت.


 

9.

هي الغَيمة ذاتها لا تُفارقني منذ حين. لا تُفارقنا منذ حين.
الغيمةُ صباحاً. استيقظتُ اليوم من لا-نومي. كان ظهري مكشوفاً لا يلامس التخت. حاولتُ أن أفتحَ عينيّ. أن أفتحَ عينيّ. أن أفتح عينيّ. أن أفتح عينيّ. لم أرَ إلّا البياض. كنت كأنّني أهذي. أو ربّما بالفعل أهذي. أشعر أنّي أتكمّش بما يشبه القطن كي لا أقع. ومع ذلك أقع. أهذي. لا أبتسم. بل أتكمّش بالقطن كي لا أقع. أضحك. أضحك ضحكاً عالياً. أكرّر جملةً قالها مجنونٌ على عمود المشنقة: لا تحلُموا بسماءٍ سعيدة، فخلفَ كلِّ غيمةٍ تروحُ، غيمةٌ جديدة… لا تحلموا بسماءٍ سعيدة.


 

10.

هي الغيمة ذاتها… أو ربّما غيمةٌ أخرى. لا تفارقني منذ حين… أم أنا الذي لا أفارقها؟ لا أعلم… لا يهمّ. ربّما لمّا أنتهي من كتابة هذا النص تكون الغيمة قد رحلت بالفعل. ربّما تكون الغاردينيا التي كان جدّي يحرسها قد أزهرت بالفعل. ربّما احلَوَّ الكرزُ في عَيني. وربّما جاء موسم التوت؛ أو انقضى. لا أعلم… لا يهمّ.

هذه قصص الغيمة. قصّتنا. أو ربّما، قصّتي فقط، إذ كنتُ أحصي شيئاً ما يغلبني. شيئاً يستغرق عمري ولا ينتهي. ولا أرغب في أن ينتهي، لأنّي، بعد ذلك، ماذا أفعل. ماذا أصنع بيديّ. بعينيّ المتعبتَين؟ ماذا أفعل بهذا القدر الكبير من الوقت حتّى أظنّه لا ينقضي أو لا ينضَب.

رسوم: سمير سكيني (2023)
أين سنرمي هذا السواد لمّا تذهب الغيمة؟

اخترنا لك

3 قصص قصيرة مع انتهاء العام 2023
فكشن

3 قصص قصيرة مع انتهاء العام 2023

سمير سكيني
رَجلٌ من غبار وعدم
فكشن

رَجلٌ من غبار وعدم

طارق أبي سمرا

آخر الأخبار

تعليق

غزّة على أبواب البانتيون

ميغافون ㅤ
حدث اليوم - #فلسطين الجمعة 23 شباط 2024 
قتيل وجريح على حاجز لحرس بيروت: تبريرات للجريمة بحجّة انتظار التحقيقات
مختارات من الصحف الإسرائيلية 23/2/2024 
الاحتلال يضيّق على المصلّين في القدس
هذه خطّة نتنياهو لليوم التالي بعد الحرب