ماذا لو خسرت بيروت منثورها؟
5
دقائق

تعرّفت على المنثور بشكل علمي للمرّة الأولى خلال فترة تمرّني في مركز حماية الطبيعة في الجامعة الأميركية في بيروت. ولكن لم أنتبه فعليًا إلى هذه النبتة إلّا لمّا قمت بزراعة إحداها في منزلي، كنت قد حصلت عليها في فعالية «منثور بيروت… في عصر الانقراض». حينها فقط التمستُ سحرها. فطوال فترة إزهارها، كنت أنتظر المغيب كي أعود إلى المنزل وأستنشق رائحة عطرها الفوّاح. وها هي اليوم تنشر عشرات البذور التي سأنثرها كي يتعرّف الناس على النبتة الصغيرة التي تحمل اسم مدينتنا.

في ظل الانقراض المتسارع للتنوّع البيولوجي واختلال العلاقة بين الإنسان والطبيعة، يأتي هذا المقال ليذكّرنا بإحدى النباتات المتوطّنة والنادرة المحفورة في وجداننا الثقافي، وهذا بالرغم من عدم معرفتنا المُعاشة لها. فقد بات من الضروري اليوم أن نتعرّف أكثر على إرثنا الطبيعي ولو على الورق، عسانا نقدر أن نحميه من الزوال.

فيروز والمنثور

المنثور هي الزهرة التي عرفنا جميعنا اسمها قبل أن نراها في الطبيعة ونتعرّف على لونها وشكلها. فإنّ اسمها مألوف لنا إذ رافقناه في أغاني فيروز عن الحب والغزل والعتب وحتّى في الأغاني الوطنية. فوردت هذه الزهرة في العديد من أغاني فيروز. في «بعدك على بالي»، يظهر المنثور إلى جانب الحبق على السطح العالي. وفي «نسّم علينا الهوى»، تحضر كلمة «منثورة» بحنين كبير ضمن صورة النافذة والبيت. كذلك في «شتّي يا دنيي»، تقول فيروز جمعتلك حرج زهور، ياسمين ومنثور وفل. ويتكرّر حضور الزهرة في «إيه في أمل» حيث كتب زياد بشجن عميق في قدّامي مكاتيب من سنين، زهقِة ورد ومنثور وياسمين. يرد المنثور أيضًا في نوادر فيروز وأغانيها القديمة مثل «كيف الأحوال يا أسمر»، حيث تتساءل إذا بعده المنثور مزهر ع دراجهن تخمين؟. أما في «يدور الدوري»، فيبدو كأنّ الزهرة تحاور وتحاكي العصفور القريب من الشبّاك. ويعود المنثور مرّةً أخرى في «لما البدر الحلو بيطلع» إلى مشهد الحب والزهور والربيع في جملة وتلاحين الحب زهور تجن وتحلم بين المنثور

هكذا، انتقل المنثور من الطبيعة إلى الأغنية، ومن الأغنية إلى الذاكرة الجماعية. فبينما قد يكون من الصعب اليوم أن نصادف المنثور في موائله الطبيعية المحدودة على الساحل اللبناني، بقي اسمه مزهرًا في الأغاني التي حفظناها. وبقدر ما انفصل الإنسان عن الطبيعة في السنوات الأخيرة، تحوّلت طبيعتنا إلى عاملٍ ثقافي له مكان خاص في نصوصنا وأغانينا، نردّده من دون إيجاده من حولنا.

العمار والدمار

منثور بيروت، واسمها العلمي Matthiola Crassifolia، هي نبتة محلّية من ضمن أكثر من 2,500 صنف موجود في لبنان. ما يميز المنثور عن باقي النباتات هو كونها متوطّنة على الساحل اللبناني حيث لا تنمو في أي مكان آخر في العالم. جذرها السميك يمكّنها من الحفر في الصخر والرمل والعيش على ضفاف بحرنا الأبيض المتوسّط من دون التأثّر بالرذاذ والمياه المالحة. تمتاز بأوراقها السميكة المخملية والمتعركجة، ويتوسّطها عودٌ طويل مغطّى بالأزهار البنفسجية اللامعة، ينتج عنها عطر فوّاح يملأ الجو من المغيب وحتّى الفجر. كما يتميّز المنثور بقدرته على النمو في مناطق صعبة كالصخور الوعرة ووسط الردم وفي شقوق الطرقات والأماكن المهجورة والجدران وحتّى في جذوع الأشجار.

لكن نظرًا لطغيان العمار والتمدّن العشوائي، لا يتواجد المنثور اليوم إلّا في مواقع قليلة ومحدّدة على الساحل اللبناني، وهي بيروت وجبيل وخلدة بشكلٍ أساسي، إذ يهدّد غياب مفاهيم الاستدامة والتوازن البيئي من المشاريع العمرانية الصخور التي ينمو فيها المنثور. وهذا ما يهدّد النبتة بالانقراض، لتصبح مصنّفة على اللائحة الحمراء للنباتات المهدّدة بالانقراض، حيث العدد الأكبر منها الموجود في بيروت يتناقص من سنة إلى سنة. خطرٌ آخر يواجه المنثور هو قلّة الوعي المجتمعي حول أهمّية هذه الزهرة. يعود ذلك بشكل أساسي لعدم وجود أي منفعة طبّية أو غذائية للإنسان من المنثور. وعلى سبيل المثال، يذكر خبير النباتات الدكتور مارك بيروتي أنه حاول التواصل مع مالك أرض ينمو فيها المنثور بكثرة طالبًا منه حمايتها أو على الأقلّ نقلها لموقع آخر. لكن الأخير لم يتجاوب وباشر بإنشاء فيلا، غير مكترثٍ للإرث الطبيعي النادر. بالتوازي أجرى باحثون من الجامعة الأميركية أبحاث عن موائل بديلة يمكن للمنثور العيش فيها، مثل مساحات خضراء معيّنة في المدن الساحلية يمكن نقل المنثور إليها في حال وجوب استثمار وتدمير موقعه الرئيسي.

المنثور والدالية

الدفاع عن المنثور مرتبط بمسألة قضيّة الأملاك البحرية العامّة وأهمّية النضال من أجل الحفاظ على إرثنا الطبيعي المحلي والتنوّع البيولوجي المهدّد بالزوال في مدننا وعلى ساحلنا. من هنا، ليس مستغربًا أن يكون الموقع الرئيسي المتبقّي حيث ينمو منثور بيروت بكثرة هو دالية الروشة. فالدالية هي آخر موقع طبيعي صخري غير مشوّه بالعمار ومتاح للعموم في العاصمة. تتمتّع الدالية بخصائص جيولوجية وبيئية تميّزها وتجعلها فريدة، وهي تشكّل النتوء الكارستي الساحلي الأخير المتبقي في بيروت.

ويأتي أصل كلمة «دالية» من النبات المتدلّي، ما يشير إلى أهمّية هذه المنطقة للتنوّع البيولوجي وخاصّةً النباتي. تضمّ الدالية نحو 6% من أنواع النباتات الموجودة في لبنان، من ضمنها العديد من النباتات المتوطّنة، وأهمّها المنثور. في فيلم «منثور بيروت» لفرح ف. نابلسي، تأخذنا المخرجة، وهي من سكّان بيروت الأصليين، في رحلة إلى الدالية حيث تتأمّل تشابهها مع هذه الزهرة، إذ اختار كلاهما الصمود في لبنان وعدم الهجرة في ظلّ كل التحدّيات. لكن بالرغم من محاولة وزارة البيئة تصنيف الدالية كموقع طبيعي محمي من «الغزو الاسمنتي»، وجهود «الحملة الأهلية للحفاظ على دالية الروشة»، وُضعت كتل اسمنتية معروفة بالـ«accropodes» في الدالية لتشير إلى محاولات الاستحواذ على البحر والطموح في ردمه.

من هنا يبرز الخطر الرئيسي في هيمنة الرأسمالية والاستثمار الخاص على ساحل المدينة، بهدف تحويل المساحات العامة إلى منتجعات خاصّة وفنادق ضخمة. أضف إلى ذلك غياب نظرة بيئية للرأي العام والدولة والمجتمع الدولي من هكذا انتهاك واضح لحق الانسان والنبات بالوصول إلى الشاطئ. وبالتالي بات من الضروري التدخّل سريعاً لإنقاذ ما تبقّى من الطبيعة في عاصمتنا.

جزء من بيروت في جبيل

يُعدّ ساحل مدينة جبيل منطقةً مهمّةً للنباتات، وفيها ما يزيد عن 200 نوع من ضمنها المنثور.  يرجّح الباحث مصطفى عيتاني أن تكون مجموعات المنثور الموجودة في جبيل من صنف آخر (كنُويع وليس بالضرورة كنوع آخر) وذلك بسبب بعض الاختلافات المورفولوجية أو الشكلية عن المنثور المتواجد في الدالية. كما يفيد عيتاني بأنّ تواجد المنثور فقط في المدن التي كانت فيها مرافئ مهمّة تاريخياً، يمكن تفسيره بعمليّة نقل المنثور من مدينة إلى أخرى إمّا على طول الساحل اللبناني وإمّا حول المتوسّط. وتبقى الطريقة الوحيدة لتأكيد أو نفي هذه النظرية هي من خلال إجراء فحوص جينية على مستوى المجموعات إقليميًا. وهي تشمل قلعة جبيل المندرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، حيث صمد المنثور لقرون وواكب حضارات عدّة، من الفينيقيين والرومان والصليبيين وغيرها. وما زالت هذه النباتات اليوم تزهر في أحد المواقع السياحية الأكثر رواداً في لبنان والمنطقة.

نظراً لوجود نوع من الحماية والإدارة الدائمة للموقع، على عكس الدالية، تمكّن العلماء من إجراء أبحاث عديدة في جبيل. أنشأ فريق بحثي من الجامعة اليسوعية درباً مخصّصاً للتعرّف على النباتات المحلّية وخاصّةً تلك المتوطّنة والنادرة، مثل المنثور. كما قام باحثو مركز حماية الطبيعة في الجامعة الأميركية في بيروت بالتعاون مع المديرية العامة للآثار بوضع خطّة لإدارة النباتات الغازية في موقع جبيل الأثري وحماية النباتات المتوطّنة وخاصّةً النادرة مثل المنثور. فقام الفريق بتوعية العمّال والمرشدين في الموقع على أهمّية هذه النبتة وكيفيّة حمايتها، كما تمّ العمل على منصّة تسمح لزوّار الموقع والسكّان المجاورين برصد المنثور وتوثيق مشاهداتهم.

هل يمكن إنقاذ منثور بيروت؟

ماذا لو لم تكن واجهتنا البحرية عبارة عن ردميات ومنتجعات وفنادق وجبال نفايات وتعدّيات على طبيعتنا؟ ماذا لو كان ساحلنا مليئاً بالمنثور ونباتات متوطّنة أخرى؟ التحدّيات كثيرة ولكن من حقّنا أن نحلم...

الخطوات لإنقاذ المنثور ليست تعجيزية. فلكلّ منّا دوره:

  • يمكن لأي مواطن لديه شرفة أو حديقة صغيرة أن يزرع منثورة، ويمكن شراؤها من مشتل Native Nurseries.

  • يمكن للمنظّمات البيئية أن تعمل على توعية المواطنين وكذلك المسؤولين على أهمية النباتات المتوطّنة.

  • يمكن لمنسّقي الحدائق والمساحات الخضراء أن يعتمدوا على النباتات المتوطّنة في مشاريعهم بدلاً من الأصناف الغريبة عن أرضنا.

  • يمكن للجامعات ومراكز الأبحاث أن تقوم بدراسات على امتداد الشاطئ لتوثيق المنثور بشكل أوسع وأدق.

  • يمكن للسلطة التشريعية أن تعمل على نصّ قانون مخصّص لحماية منثور بيروت لما تحمله هذه النبتة من أهمية وطنية وبيئية وتاريخية ورمزية.

  • يمكن لوزارة البيئة أن تعمل على تفعيل القوانين وإلزام إجراء دراسات الأثر البيئي قبل أي مشروع على الساحل اللبناني واشتراط نقل المنثور إذا وُجد إلى مواقع أخرى محميّة قبل تدمير الموئل الطبيعي وتحويله.

يمكن أن نقوم بخطوات عديدة، لكن تبقى النقطة الرئيسية إعادة بناء علاقتنا بالطبيعة. يبدأ إنقاذ منثور بيروت أوّلاً من إدراكنا أن ما نخسره من نباتاتنا وشواطئنا ليس مجرّد طبيعة، بل جزء من ذاكرتنا وهويتنا. فنحن لسنا منفصلين عن هذه الطبيعة، بل جزء لا يتجزّأ منها، ونستمد صحّتنا من صحّتها.

الصور لـ: ليلا روسا معوض وفرح نابلسي

ماذا لو خسرت بيروت منثورها؟

اخترنا لك

رسالة حب للسوسن: المتوطّن على خط النار
السوسن في مشرق مزّقته الحروب
دراسة

السوسن في مشرق مزّقته الحروب

ليلا روسا معوض
«تنظيم تجارة البذور»: قانون جديد يهدّد المزارعين
07-12-2025
تقرير
«تنظيم تجارة البذور»: قانون جديد يهدّد المزارعين
قضية الأسبوع

قانون تنظيم تجارة البذور

ميغافون ㅤ
اللائحة الحمراء: لبنان المهدّد بالانقراض
27-09-2025
تقرير
اللائحة الحمراء: لبنان المهدّد بالانقراض

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
نتنياهو من القدس: سنبقى هنا دائماً
قيل هذا الأسبوع: 13 أيلول - 19 أيلول
حدث اليوم - السبت 19 أيلول 2026
19-09-2026
أخبار
حدث اليوم - السبت 19 أيلول 2026
قطاع الدليفري في لبنان: العامل وراء الطلبيّة
19-09-2026
تعليق
قطاع الدليفري في لبنان: العامل وراء الطلبيّة
«إلى زياد»: الطبعة الثانية وصلت
جيش الاحتلال يقصف النبطية الفوقا ويستهدف مسعفين