انفصامٌ قاتل
صُوَر مبعثرة
لقاء دبلوماسي بين سفيرَيْ لبنان وإسرائيل للبحث في إمكانية بدء مفاوضات سلام. بنت جبيل محاصرة وقد تسقط قريبًا في يد الاحتلال. الرئيس اللبناني يرفض البحث بالمفاوضات قبل وقف إطلاق النار. رئيس الوزراء الإسرائيلي أكّد استمرار الحرب. ما زال هناك مفقودون تحت أنقاض المئة غارة. صحيفة «نداء الوطن» تتنفّس الصعداء: taboo وانكسر. ترامب يشبّه نفسه بالمسيح ويعلن الحصار على إيران. نعيم قاسم يريد القتال حتى النهاية. أحزمة نارية تمحو بلدات كاملة بالجنوب. السفير الإسرائيلي يكتشف أن لبنان وإسرائيل على الجهة نفسها من المعادلة. غارات لم تتوقّف حتى لحظة اللقاء. شباب يريدون إطلاق شرارة المقاومة، مجدّدًا من صيدلية بسترس. نديم الجميّل أيضًا يتنفّس الصعداء: بعد 43 سنة من الوقت الضائع والحروب العبثية…
صورتان وجهًا لوجه
قد تعبّر هذه الصور المبعثرة عن الضياع السائد، جرّاء الحرب والمفاوضات وشبح الاقتتال الداخلي. صور مبعثرة بات يمكن تلخيصها بصورتَيْن تعبّران عن «لقاءَيْن»، صورتَيْن يصعب أن تتعايش إحداهما مع الأخرى.
الصورة الأولى لمقاتل في الجنوب، يخبّئ وجهه لثوانٍ قبل أن تنفجر به مسيّرة إسرائيلية. عمّم الجيش الإسرائيلي الصورة لما تدلّ عليه من سيطرة عسكرية.
الصورة الثانية لأوّل لقاء دبلوماسي لبناني- إسرائيلي منذ عام 1983، وقد عمّمتها الإدارة الأميركية لما تدلّ عليه من سيطرة سياسية. هل الصورة الاولى هي سبب الثانية، أم أنّ الثانية استكمال للأولى؟ بين هاتين الصورتين، يكمن الانفصام اللبناني حول المفاوضات.
رغم الاختلاف بين الصورتَيْن، فإنّ شعوراً واحداً من الذلّ يجمع بينهما، أيّاً تكُن مواقفنا السياسية، إلّا لقلّة من المتحمسين الذين يحركهم كره داخلي أكثر من رغبة في السلام الخارجي.
المحادثات التي لا مفرّ منها
لكنّ مشاعر الذلّ لا تصنع سياسةً. وقد باتت هذه المحادثات، التمهيدية أو المباشرة أو التفاوضية، حتميّةً في ظلّ الوضع الراهن. فرغم الذلّ والإبادة والاحتلال، أو بسببها، دخلنا عالمًا، لم يعد فيه مبدأ التفاوض سلاحًا في يد من لم يوقّع سلامًا بعد. لم نعد في زمن السجالات حول السلام، أكان تطبيعًا أو اعترافًا أو هدنة أو مجرّد ترتيب أمني. هذا السجال بات وراءنا، في أرشيف التسعينات وعملية السلام، عندما كان «الاعتراف الرسمي» أو عدمه له وزن سياسي.
هذا الزمن انتهى. فقد جاءت التفاهمات الإبراهيمية والترسيمات الحدودية واتفاقيات وقف إطلاق النار والحروب المدمرة و«الميكانيزم» والتفاوض الأميركي- الإيراني لتنقل النقاش إلى مكان آخر. انتقلنا من مبدأ الاعتراف إلى تقنيات التفاوض ومضمونها. صحيح أنّ التابو قد انكسر، لكنّ ما أظهره لم يكن جنّة السلام، بل عدم جهوزيّتنا لخوض هذا المسار. من كان الأكثر حماسةً للسلام كان الأقلّ تحضيرًا لهذا الاحتمال. فبات اللقاء تأكيدًا على الهزيمة، بدل أن يكون تحولًا في السياسة الرسمية.
حزب الله و«وحدة المسار والمصير» مجدّدًا
مطلب «لبنان ملحق للتفاوض الإيراني»
تظاهر مناصرو حزب الله، أو «الجناح المدني» للحزب في وجه السراي، مستنكرين موقف رئيس الحكومة الداعم لمسار تفاوضي تقوده الدولة اللبنانية. في مخيلة المتظاهرين، ثمّة رواية خيالية عن خيانة داخلية، قد تفسّر الانهيار أمام الخارج، رواية مشروطة بإزالة التعقيدات الداخلية لكي تحافظ على ملحمتها المقاومة.
لكن رغم العنفوان في الشعارات وصيحات المقاومة، بدا المشهد محزنًا، مشهد محتجّين مطلبهم الوحيد والأخير بات أن تفاوض إيران نيابةً عن لبنان. انتحار حزب الله لم يكن في دخوله الحرب فحسب، بل أن دخوله هذه الحرب حوّل الميدان إلى مجرّد ورقة إيرانية. لم يعد هناك سقف لحزب الله خارج هذا السياق. المفاوضات باتت حتمية، هوية المفاوض هي الأساس.
من مضيق هرمز إلى بيروت
لكنّ الحزن يخبّئ خطرًا.
فمن وراء المحتجين الغاضبين، ثمّة تهديد بارد. فقد حذّر مستشار القائد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، علي أكبر ولايتي، رئيسَ الحكومة نواف سلام، من تجاهل دور حزب الله، ما سيضع لبنان أمام مخاطر أمنية لا يمكن تعويضها. في لحظة التفاوض الراهنة، تعيد إيران ترتيب أوراقها، ومن بينها ورقة حزب الله، ومن خلاله لبنان. ففي ما يشبه تصاريح المسؤولين السوريين في عهد الوصاية، جاء التهديد لرئيس الحكومة ليذكّره بألّا خروجَ عن «وحدة المسار والمصير» الجديدة. لم تنتهِ الحرب بعد، وبات حزب الله ومن ورائه إيران يتوجّهان نحو الداخل، بالنفسية ذاتها التي اعتاداها للتعاطي مع هذا الداخل، أي كساحة عليهما التعايش معها، أو ضبطها بالقوّة.
الموقف الرسمي الفاقد لروايته
الدَّرْكَبة السياديّة نحو التفاوض
في وجه هذا، ربّما لم يكن من خيار أمام لبنان الرسمي إلّا محاولة استعادة مسار التفاوض للتمسّك بمسافة ما، ولو بسيطة، عن المسار الإيراني وموقع لبنان التبعيّ فيه. فمسار التفاوض اللبناني الرسمي تحوّل عبر الأسابيع الأخيرة، من محاولة يتيمة لوقف الحرب في البداية من خلال مواجهة حزب الله إلى ورقة تفاوضية للحصول على وقف إطلاق نار مع امتداد الحرب، وصولًا إلى خطوة «سيادية» لمواجهة محاولة إيران للسيطرة على الورقة اللبنانية. ورغم جنون بعض المعرابيّين وأذيالهم في «اللوبي اللبناني في واشنطن» ومعهم إعلام الصحناوي، الذين يرون في السلام خلاصَ لبنان، الحقيقة هي أنّ «لبنان الرسمي» داخل إلى مفاوضات من دون أيّ ورقة أو خطّة.
مفاوضات تحت النار
وإذا كان من «الطبيعي» أن يكون لبنان الرسمي مَن يفاوض، وليس إيران، يبقى أنّه ليس من أوراق تفاوضية في يده. فإذا كان لدى الإسرائيليين أوراق عديدة، أهمّها التفوّق العسكري، واحتمالات مختلفة يمكن أن يجنوها من التفاوض، من انتزاع اتفاقية سلام إلى فرض منطقة أمنية إلى ربط لبنان بمسار تفاوضي يواكب الحرب إلى إشعال حرب أهلية، يبدو لبنان الرسمي فاقداً لأيّ مرونة أو قدرة تفاوضية. فورقته الوحيدة هي «وعد» ضبط الحدود واستيعاب حزب الله، وهو ما يبدو خارج قدرته، سياسياً وعسكرياً.
فقدان الرواية اللبنانية الرسمية
لكنّ الضعف الأساسي في الموقف الرسمي ليس في فقدان أيّ توازن في موازين القوى وحسب، بل يكمن في الأساس في فقدان أيّ رواية مغايرة للرواية الإسرائيلية. فلبنان يدخل المفاوضات معتبرًا أنّ المشكلة هي في حزب الله فحسب، وبالتالي، ما من خلاف مع إسرائيل إلّا حول كيفية التعاطي مع هذا الخطر. أمّا انتهاكات إسرائيل ومشاريعها لإقامة مناطق عازلة أو استغلالها لتفوّقها العسكري، فليست إلّا نتيجة لحزب الله. في وضع كهذا، من غير الواضح ما الذي يجري التفاوض عليه، باستثناء الاتفاق على طريقة مشتركة لإدارة الخصم المشترك. كان السفير الإسرائيلي في واشنطن واضحاً في اعتباره أنّ لبنان وإسرائيل متّحدان في تحرير لبنان، كما أكّد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أنّ ما يُشكّل مشكلة لأمن إسرائيل هو نفسه مشكلة لسيادة لبنان. يمكن ألّا يكون للبنان أوراق تفاوضية، لكن من الصعب دخول مفاوضات من دون سبب خلافيّ مع الطرف الآخر.
مشكلة الموقف اللبناني أنّه يدخل المفاوضات بحثًا عن سيادة مفقودة، أملًا في أن يجدها في اللقاءات الرسمية وديكورها. لكنّه لن يجدها هناك. فكما أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لن يقوم أحد بتفكيك حزب الله نيابة عنّا، لكنّ اتفاق السلام بيننا وبين لبنان سيمنحنا الشرعية. السيادة الوحيدة الممكنة، إذاً، هي شرعنة الوضع القائم.
ماذا بعد الصورة؟
التفاوض في ذكرى الحرب الأهلية
حاول رئيس الحكومة نواف سلام، في خطابه للذكرى الـ51 للحرب الأهلية، إعادة موضعة مسار التفاوض في بُعده الداخلي. فتاريخ هذه الحرب الأهلية هو المشترك الوحيد الذي يجمعنا اليوم. حدّد سلام هدف التفاوض، وهو تأمين الانسحاب الإسرائيلي من كامل أراضينا، واسترجاع كل أسرانا، ومن أجل إعادة إعمار قرانا وبلداتنا المدمّرة، وعودة أهلنا النازحين الآمنة إليها، وتمكينهم من العيش فيها بكرامة وأمان. لكنّ هذا الهدف ينطوي على مطلب آخر، تجاهلُه يعرّض البلاد أيضًا إلى انقسام داخلي. فإذا كان هناك غضبٌ لدى من دفع ثمن الحرب تهجيرًا وقتلًا، هناك أيضًا قلق وغضب أولئك الذين لم يعودوا يحتملون مصيرًا لا يختارونه بأنفسهم، مصيرًا تصنعه إرادات غيرهم، ولو بالحرب. بين هذين الغضبين، تقع إمكانية تحويل مسار التفاوض إلى عملية مصالحة وطنية، تقتضي الجمع بين مخاوف الجميع: مخاوف من يرى حياته في الجنوب قيد التدمير، وقلق من يرى مستقبله مرهونًا في حروب بلا نهاية.
مقتضيات تفاوض وفاقي
لكنّ هذه المحاولة، والتي قد تشكّل أوّل محاولة من «لبنان الرسمي» بأن يخاطب الداخل حيال ما يجري في المفاوضات، تصطدم بعواقب داخلية، أوضحُها رفض حزب الله من جهة، والحماسة المفرطة لدى بعض القوى السياسية لسلام مع إسرائيل، حتى ولو على حساب احتلال للجنوب (إن لم يكن خاصة إذا كان يتضمن احتلال للجنوب)، من جهة أخرى. لكنّ العقبة الأساسية تبقى أن «لبنان الرسمي» لم يستوعب بعد ماذا تعني المقاربة الوفاقيّة لمسار التفاوض، وهي المدخل الوحيد لفرض نتائج هذا التفاوض وتفادي تحويله إلى مدخل لحرب جديدة. المقاربة الوفاقية للتفاوض لا تتطلّب فقط ربط المفاوضات بتاريخ لبنان العنفي، بل البحث أيضاً عن رواية جامعة، حتى ولو في وجه الاعتراضات الداخلية، تجعل من المفاوضات تعبيرًا عنها. وهذه الرواية تبدأ بالخروج من ثنائية الجنوب- لبنان، أي اعتبار أن التفاوض هو لتحرير الجنوب، وكأنّه خارج عن لبنان، أو أنّ الحرب انتهت إن بقيت بيروت خارج النيران. كما تبدأ من اعتبار أنّ هناك نزاعًا طويل الأمد مع إسرائيل، يتطلب أخذ مخاوف وقلق شريحة كبيرة من اللبنانيين كمنطلق للتفاوض، بدل الكلام عن سيادة الدولة، الذي يُدحَض يومياً من كامل الجهات.
«لبنان الرسمي» مسؤول اليوم عن تقديم رواية مختلفة عن رواية الإسرائيليين التي تجمع بين أمنها وسيادتنا، رواية تنبع من مقاربة وفاقية داخلية، تكسر ثنائية لبنان- الجنوب. خارج هذه الرواية، لن تكون السيادة إلّا غطاءً لاحتلال ولحرب أهلية.