التفاوض، بعد أوّل صاروخ
لم تمرّ 24 ساعة على إطلاق حزب الله لصواريخه حتى حسم لبنان الرسمي موقفه الداعي للتفاوض المباشر مع إسرائيل.
في جلسة الحكومة في تاريخ 2 آذار، وبعد قرار «الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافّة باعتبارها خارجة عن القانون»، أعلنت الحكومة استعدادها لاستئناف المفاوضات بمشاركة مدنية ورعاية دولية. بعدها بأسبوع، كرّر هذا الموقف رئيس الجمهورية مع طرحه عقد مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من ضمن مبادرة لإنهاء الحرب على لبنان. وكان رئيس الحكومة قد أعلن قبل ذلك ببضع ساعات عن انفتاح لبنان على «أيّ صيغة تفاوض مع إسرائيل».
بأقلّ من أسبوع، بات هناك موقف رسميّ واضح، يدعو للتفاوض المباشر مع إسرائيل بغية إبرام اتفاقية سلام، بأي صيغة ممكنة. رغم سرعة «التدركُب» الرسمي نحو التفاوض، لم يكن القرار وليد الأحداث الأخيرة، بل بات عمره من عمر «جبهة الإسناد» ونتائجها الكارثية وما تلاها من حرب إسرائيلية دفعت بالبلاد نحو الرضوخ لفكرة التفاوض لوضع حلّ نهائي لمسألة الحرب. كذلك جاء القرار كردّ على «تعنُّت» حزب الله خلال الأشهر الماضية، ومن ثمّ مغامرته الانتحارية الأخيرة، والتي قضت على ما تبقّى من ثقة بينه وبين سائر الأفرقاء اللبنانيين.
جاء مطلب التفاوض المباشر كالردّ الرسميّ على خطوة حزب الله الانخراط بالحرب الحالية. لكن رغم هذا السياق الذي يفسّر التسرّع الرسمي لمحاولة إيقاف العدوان من خلال التفاوض، يبقى أنّ خطوةً كهذه قد لا تحقق أهدافها، وستعرّض البلاد إلى أخطار إضافية.
سلام بطعم الاستسلام
أعرب لبنان الرسمي عن استعداده للتفاوض، بغية إبرام اتفاقية سلام. لكنّ الكلام الرسمي يخبّئ حقيقة مرّة، وهي أنّ ما يتمّ عرضه هو صيغة للاستسلام. وهذا لعدّة أسباب:
- تفاوض على هدف واحد: التفاوض الحالي ليس حول الأمن والاستقرار بين البلدين، بل حول موضوع واحد هو سلاح حزب الله، أي أنّ التفاوض هو على كيفية تلبية المطالب الإسرائيلية، إمّا من خلال الحرب وإمّا من خلال الخضوع الطوعي، تجنّبًا للحرب. فنحن أمام تفاوض بين طرفين يتفقان على الهدف، وإن كانا يختلفان حول الوسيلة.
- مطالب أحادية الجانب: هناك مطالب إسرائيلية محدّدة مطروحة، من حظر حزب الله وفرض مناطق خالية من السلاح وبناء منظومة مراقبة للحدود والمرافئ وغيرها، تحدّد مضمون الموقف الإسرائيلي. أمّا بالمقابل، فما من مطالب لبنانية غير وقف الحرب.
- انعدام موازين القوى: أمام إسرائيل أوراق تفاوضية عديدة، أهمها قدرتها العسكرية ودعمها الدولي. أمّا لبنان، فليس له ما يقدّمه إلا الاعتراف بإسرائيل كورقة تفاوضية، ووعد بضبط حدوده. أمام عدم التوازن هذا، ليس مستغربًا ألا تأخذ إسرائيل العرض اللبناني على محمل الجد.
فما هو معروض هو استسلام، وهذا ليس نقدًا بالضرورة للموقف الرسمي، بقدر ما هو توصيف لما يتمّ تقديمه تحت صيغة التفاوض. ومن المهمّ توصيف الأمر على ما هو، من أجل دحض بعض الأصوات الساذجة التي لم تكفّ عن التكرار أنّه ليس من مصالح توسعية لإسرائيل. فما نحن أمامه هو استسلام، ما يبدّد بعضًا من «الأوهام» التي تحاك حول التفاوض، ومن بينها أنّه يمكن الحصول على ضمانات تردع إسرائيل في توسعها أو فرضها لتدابير أمنية قاسية على البلاد.
تفاوض مع الخارج، نزاع في الداخل
لا تكمن خطورة هذه الخطوة في كونها استسلامًا مفروضًا بقوة السلاح وحسب، بل بكونّها تشكّل مدخلًا لانشقاق داخلي، قد ينفجر بعد الحرب. فقرار التفاوض ليس موجهًا لإسرائيل بقدر ما هو موجّه ضد حزب الله، بعدما أطلق صواريخه الأخيرة.
عزل حزب الله
يأتي قرار التفاوض في سياق عملية «عزل» حزب الله الذي بات وحيدًا أصلاً على الساحة اللبنانية. فبعد قرار الحكومة حظر نشاطات حزب الله العسكرية والأمنية، ومن ثمّ وصف رئيس الجمهورية حزب الله بـ«الفريق المسلح الخارج عن الدولة»، دخلنا مرحلة بات فيها لبنان الرسمي، ومن ورائه أكثرية الطبقة السياسية، ومعهم إسرائيل والمجتمع العربي والدولي، يبحثون عن كيفية ضبط هذا الحزب. غير أنّ هذا الموقف العارم ما زال يواجه معضلة حزب الله، أي أنّه ما من طريقة سلمية متاحة أمام لبنان الرسمي لنزع سلاح الحزب أو تطبيق بنود أي اتفاقية قد تبرم مع إسرائيل، من دون مشاركة حزب الله.
انشطار البلاد
كانت هذه المعادلة لتكون مقبولة لو لم تأتِ فوق شرخ اجتماعي وطائفي، بات يقسم البلد إلى بلدين: بلد يعيش حرباً، يُقصف يوميًا، تُرتكب مجازر بأبنائه، تُهجّر بلداته، وتُحتلّ مناطقه، وبلد آخر يحاول حماية نفسه من الحرب القادمة، يندفع تدريجيًا نحو الانغلاق على ذاته، يطالب بسلام مع من يقصف البلد الأول. يأتي طلب لبنان الرسمي لإقامة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل كتكريس لهذا الانقسام، وكتعبير عن أنّ لبنان الرسمي بات يمثّل فئة من اللبنانيين، غير آبه بتمثيل تجربة الفئة الأخرى. لكنّ الحرب مع الخارج ستنتهي يومًا ما، فالحروب دائمًا تنتهي. لكنّ الشرخ سيبقى، ولن تضبطه اتفاقية سلام أو استسلام.
السلام بين 1990 و2026
نحن لسنا في الواقع أمام لحظة سلام، كتلك التي تلت انتهاء الحرب الباردة، ومعها الحرب الأهلية اللبنانية. حينها، صعد مشروع سلام في المنطقة، شكّل مسار التفاوض الفلسطيني-الإسرائيلي ركيزته الأساسية، وامتدّ ليشمل عدداً من الدول العربية. شكّل السلام آنذاك وعدًا بمستقبل مختلف للمنطقة، قائم على حلّ عادل للقضية الفلسطينية، وتطبيع عربي- إسرائيلي على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي. كان ذلك وهمًا، كما بات واضحًا من حاضر الإبادة والحروب، لكنّه كان مشروعًا سياسيًا جديًّا، مدفوعاً من إرادة سياسية عالمية، ومنفتحاً على أفق مختلف لإعادة رسم معالم الشرق الأوسط.
أمّا اليوم، فالمطروح نسخة رديئة عن هذا المشروع: اتفاقيات إبراهيمية لخّصت السلام بتفاهمات عسكرية وأمنية، تخلٍّ كامل عن القضية الفلسطينية ومعها عن أي اعتبار للعدالة في إرساء هذا السلام، تطرف ديني في إسرائيل لم يعد يخفي أطماعه التوسّعية، إبادة باتت تشكّل نموذج حكم للمنطقة.
السلام المعروض اليوم نسخة رديئة عن مشروع السلام في تسعينات القرن الفائت، وهو أقرب إلى تدابير أمنية، تهدف إلى تحويل البلاد إلى منطقة آمنة لإسرائيل. الوهم هو أنّ لبنان سيصبح شبيهاً بدبي، أمّا الحقيقة، فهي أن المعروض على لبنان هو تحويله إلى ما يشبه الضفة الغربية.
شروط السلام الضائعة
النقاش لم يعد حول خيار التفاوض أو رفضه. فالتفاوض بات واقعًا، جاء نتيجة الخسارة الميدانية. كما أنّ السجال لا يدور حول أخلاقية خطوة كهذه أو أفقها السياسي. فالجميع، باستثناء بعض المعلقين الساذجين من جماعة السلام، يدرك الواقع المرّ. السؤال هو عن الإطار السياسي لمسار تفاوضي كهذا، والذي سيحدّد نتائجه السياسية.
العرض الحالي، المقدّم من قبل لبنان الرسمي، ينظر إلى التفاوض كتدبير أمني، ينطلق من التفوق العسكري للعدو، يهدف إلى استرضاء الخارج حماية للبلاد، غير آبه بالألغام التي تتركها خطوة كهذه في الداخل الذي بات يُنظر إليه أصلًا كأرض منكوبة لا دور لها.
لكنّ الواقع المرّ لا يعفي لبنان الرسمي وسائر القوى السياسية من دورها في تحديد سياق داخلي لخطوة كهذه. عنتريات فرض السلام بالقوة وخطابات الحرب الأهلية لا تؤسّس لسلام، بل لتحويل الحرب، من خارجية إلى داخلية. فإذا كان من معنى سياسي لهذه الخطوة، فهو في تحويل السلام إلى مدخل لحلّ النزاعات الداخلية. خارج هذه المعادلة، نكون في صدد استبدال حرب بأخرى.