في السادس عشر من تموز الفائت، نشرت ميغافون مقالاً لميريام جبيلي ينطلق من صورة فوتوغرافية التقطها جمال السعيدي في 1978 وعثرت هي عليها في أروقة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي يتآكلها الإهمال. تُظهر الصورة امرأة مرضعة وطفلتها، وتصفها جبيلي بالكلمات التالية: امرأة جنوبية تجلس وحزن العالم في عينيها، ثديها الأيسر يظهر خارج ثوبها بينما تظهر طفلتها واضعة يدها على ثدي أمها.
في حوار قصير مع المصوّر أجرته الكاتبة، نفهم السياق أكثر. المرأة من بنت جبيل، تهجّرت إلى حرش الصنوبر في بيروت مع مئات النازحين بعد حرب 1978. لم تمانع أن يصوّرها السعيدي على تلك الحال، إذ وكما يُنقل عنها: لم يعد هناك شحار وذلّ أكتر من هيك.
تقرأ جبيلي الصورة بوصفها تمثيلاً للحزن الجنوبي في أقصى لحظات انكشافه، وتقارنها مع صور النكبة الجنوبية الأخيرة التي يغيب عنها التعبير الصريح عن الحزن والانكسار. وتشير كيف أن رقابة حزب الله السياسية والاجتماعية جعلت الألم الجنوبيّ مكبوتاً وممنوعاً من الظهور إلا بصيغٍ مضبوطة، فيتحوّل «غياب الصورة»، وهو عنوان المقال، إلى شكلٍ من أشكال محو الذاكرة.
رغم هذا التأطير السياقي والدلالي للصورة، ما أن نُشر المقال على حسابات ميغافون على وسائل التواصل الاجتماعي حتى انهالت التعليقات المستهجنة والمدفوعة بحجج دينية وأخلاقية وحتى حقوقية. طالب بعض المعلّقين بحذف الصورة، ودعا آخرون إلى التبليغ عنها أو إلغاء متابعة الحساب، كما تكرّرت الدعوة إلى تمويه الثدي فيها، وقرأنا عبارات وكلمات من مثيل: «نساء الجنوب أشرف وأطهر ممّن صوّر الصورة»، «عيب»، «عورة»، «فضيحة»، «كرمال الحلال والحرام»، «الجنوبيون الشرفاء العفيفون»، «مراعاة مشاعر المسلمين»، «احترام»، «هذا مقرف»، «إذا كانت أمك أو أختك»...
وبينما كان سؤال جبيلي متمحوراً حول غياب الحزن، لم يركّز المعلّقون إلا على ظهور الثدي. ابتلع الجزء المكشوف من الجسد كل دلالات الصورة، وانتقل النقاش من معاني الصورة إلى أخلاقيات نشرها، واختفى الحزن واليأس وأثر الحرب والأمومة المستنزفة، واختُزل المشهد إلى مجرّد ثدي مكشوف. فإذا بالتعليقات، وفي مفارقة لافتة، تنجز فعلياً ما يأسف له المقال، أي إعادة حجب حزن الجنوبيين وتنقية صورته من كل ما لا ينسجم مع الصورة البطولية والمنضبطة و«السعيدة» التي يُفرض عليه أن يظهر بها.
فكيف تحوّلت صورة، تكاد تكون أيقونية، عن الحرب والنزوح والحزن والأمومة إلى مجرّد صورة «ثدي مكشوف»؟
أين مركز الصورة؟
فلنعد إلى الصورة نفسها ولنحاول إعادة قراءتها خطوة بخطوة لنفهم ردود الفعل التي استثارتها.
إذا قرأنا الصورة استناداً إلى بنائها البصري وحده، نجد أن الثدي ليس مركزها. كل الثقل البصري للصورة، والذي يجذب العين بسبب من المكان والمساحة والاتجاه الذي يحتلّه في تركيبة الصورة، متركّز في وجه المرأة وعينيها. يحتل الوجه الجزء الأعلى والأوضح من بناء الصورة، وتصنع اليد التي تسند الرأس مع الذراع خطاً بصرياً يقود عين المشاهد إليه. أما نظرة المرأة، فنظرة شاردة ومطفأة ومستسلمة. لا تتجه إلى طفلتها ولا إلى المصوّر، بل تكاد تكون إلى نقطة مجهولة خارج الإطار. وغياب موضوع النظرة هذا يضاعف قوّتها ويدفعنا إلى التساؤل لا عمّا تنظر إليه بل عما يجري خلف هاتين العينين، وعن المسافة التي تفصل المرأة عن المكان واللحظة والجسد الذي ما زال يؤدي أمامنا وظيفة الرعاية وهو ساهٍ عنها في الأوان ذاته.
ذلك أن الحدث الأساسي في الصورة نفسيّ قبل أن يكون جسدياً.
أما الثدي، فيقع في أسفل مركز الصورة ويشكّل مع يد الطفلة ما يكاد يكون عنصراً مستقلاً ومنفصلاً. وفي هذا الانفصال بين نظرة المرأة ويد الطفلة على الثدي، إرباكٌ دلاليّ، سأعود إليه فيما بعد، هو ما استدعى برأيي جزءاً من رد الفعل الذي أحدثته الصورة، لا العري وحده.
الأكيد أن الصورة لا تجعل الثدي مركزاً لها، بل هي عملية التلقّي التي أعادت تمركزها حوله.
نقلت التعليقات مركز الصورة من الوجه إلى الثدي، ومن المرأة ككيان كامل إلى جزء من جسدها أعيد تنظيم بقية عناصر الصورة حوله، فصارت الحرب سياقاً هامشياً، والنزوح تفصيلاً، والحزن والأمومة المكسورة أموراً لا تُرى. وذلك في عملية تكشف أننا لا ننظر إلى الصور بعينٍ محايدة أو حسابية، بل ندخل إليها محمّلين بما تعلّمناه عن الأجساد وعن الحدود بين الظاهر والمستور وما نعتبره مهماً وما نصنّفه في خانة الثانوي. لذلك ربّما لم يرَ كثيرون التعب في عيني المرأة اللتين هما مركز الصورة، لأنهم قبل أن يصلوا إليه عثروا، وتعثّروا، بما يبدو لهم أكثر أهمية، أي جزء مكشوف من جسد امرأة.
أمومة متشظّية بصريّاً
لكنّ ما سبق لا يفسّر وحده حدّة الارتباك. فالثدي الظاهر هو ثدي مرضعة، وقد عرفت مجتمعاتنا، على محافظتها، قدراً من التسامح مع انكشافه أثناء الإرضاع. وهذا ما عبّرت عنه تعليقات معاكسة راحت تستعيد من الذاكرة الجماعية والشخصية مشاهد لنساء من بيئات ريفية وتقليدية يُرضعن أطفالهن أمام الأقارب وفي الحقول والمجالس من دون أن يُقرأ انكشاف الثدي باعتباره فعلاً فاضحاً. لا يعني ذلك أن هذه المجتمعات كانت أكثر تحرّراً بالضرورة أو أن أجساد النساء كانت خارج الرقابة، لكن سياق الرضاعة كان قادراً، ولو جزئياً، على تعليق القراءة الجنسية للثدي. كانت وظيفته الإطعامية تطغى على دلالته الجنسية.
فلماذا لم تستفد هذه الصورة من ذلك الاستثناء؟
في الواقع، ورغم أنه من الواضح أننا بإزاء صورة امرأة مرضعة، إلا أنها لا تشبه التمثيلات الشائعة المألوفة للرضاعة. ففي الصور التقليدية، سواء في الفن الديني أو التصوير الفوتوغرافي أو الإعلام والإعلان، تظهر الرضاعة بوصفها لحظة لقاء وانسجام بين جسدين. يكفي أن نضع في أي محرّك بحث عبارة «رضاعة طبيعية» حتى نرى صوراً من نمط واحد تُظهر اتّصالاً بصرياً وجسدياً كثيفاً بين جسد الأم وجسد الطفل يتجاوز مجرّد التقاء الفم والثدي. تنحني الأمّ بجذعها نحو الطفل، تحيط جسده بذراعيها فيستقرّ رأسه في ثنية ذراعها أو على ساعدها، بينما يلتصق صدره وبطنه بصدرها وبطنها، وكل جسمه يسنده حضنها. يبدو الطفل محتوىً داخل فضاء جسد أمّه لا متّصلاً بعضو واحد منه. وغالباً ما تحيطه بيدها الأخرى لتثبّت جسده أو تلامس رأسه في حركة رعاية مستمرّة ترفق عملية الرضاعة. وسنجدها في معظم هذه الصور مبتسمة أو مطرقة إليه بحنان، وعيناها معلّقتان به وكامل انتباهها منصبّ عليه، بينما يحيط بالمشهد فائض من الدفء والسكينة، بل وشيء من القداسة.
لا شيء من كل هذا في صورة جمال السعيدي. لا نظرات متبادلة، لا احتضان، لا ذوبان جسدياً وعاطفيّاً. هنا، لا يلتقي الجسدان إلا في حدود مساحة اليد الصغيرة على الثدي. يبدو الثدي متروكاً للصغيرة كما لو لتطعم نفسها. وفي هذا الانفصال بين نظرة المرأة ووضعية جسدها، وبين ثديها ويد الطفلة، تكمن قوّة الصورة، لكنه أيضاً السبب الأساسي للإرباك الذي أحدثته. فنحن أمام أمومة متشظية بصرياً حيث الجسد يستمر في أداء وظيفته بينما تبدو الذات منسحبة إلى مكان بعيد. لا يعني هذا أن هذه الأمّ لا تكنّ الحب لطفلتها أو أنها لا تشعر نحوها بالحنان، لا يمكن للصورة أن تخبرنا بذلك. لكنها لا تقدّم لنا العلامات الثقافية المألوفة التي نقرأ من خلالها عادة الحنان الأمومي.
هنا، الأمومة والرعاية تقلّصت إلى الحد الأدنى: إلى ما يكفي لإبقاء الطفل حياً. والمرأة لم تعد الأمّ القديسة ولا الأمّ المبتسمة الذائبة في طفلها ولا البطلة التي تحوّل الألم إلى تضحية نبيلة. إنها امرأة مرهقة وشاردة ومستنفَدة تؤدّي الحد الأدنى من الرعاية في انفصال تام عن جسدها وطفلتها والعالم من حولها. كأني بها من فرط تعبها ويأسها وحزنها، وضعت الطعام أمام أطفالها وتركتهم يتدبّرون حاجتهم بأنفسهم.
ولعلّ هذا ما أربك المتلقّين، لا انكشاف الثدي بحدّ ذاته، بقدر ما هو خدش قدسية الأمومة. ذلك أن الصورة حرمت المُشاهد من التعويض الرمزي الذي يسمح له بقبول ظهور الثدي وتحييد دلالته الجنسية. وبغياب هذا التأطير الذي تمنحه الأمومة الرومنسية، عاد الثدي ليُقرأ باعتباره جنسياً قبل أي شيء آخر، في صورة ليس فيها أدنى شبهة إغواء.
تطهّر أيقونة الأمومة الثدي من دلالته الجنسية، أما عندما تتحطّم هذه الصورة ويغيب الطقس العاطفي، أو بالأحرى لا يعود مرئياً، فلا تعود وظيفة الإرضاع كافية لحمايته من الجَنْسنة، ولا يُقرأ انطلاقاً من ظيفته في سياق الصورة بل انطلاقاً من معنى جاهز يسبقه ويجري إسقاطه عليه.
هذه الجَنْسنة الكاملة لأجساد النساء وتآكل المساحات التي يمكن فيها تعليق القراءة الجنسية لها، ليست صادرة فقط عن تشدّد ديني وأخلاقي مستجدّ، بل تتغذّى أيضاً من ثقافة استهلاكية جعلت جسد المرأة حاضراً باستمرار بوصفه سلعة وموضوعاً دائماً للنظر والرغبة.
قد يبدو الخطابان، المحافظ والاستهلاكي، متعارضين، لكنهما ينطلقان من افتراض مشترك وهو أن جسد المرأة جنسيّ قبل أي شيء آخر. فيسعى الخطاب الديني والمحافظ لحجبه وتقنين ظهوره، فيما يعمل الخطاب الاستهلاكي على عرضه واستثماره. وفي الحالتين، لا تُرى المرأة بوصفها ذاتاً بل جسداً ينبغي ضبطه أو استهلاكه، أو بالأحرى، ضبط استهلاكه. هكذا بدت بعض التعليقات تجمع بين النظرة الدينية والنظرة الاستهلاكية المتأثرة بثقافة الإعلان والصور الإباحية ومنصّات العرض المستمرّ للأجساد. ذلك أنهما وجهان مختلفان لنظام بصري واحد جسد المرأة فيه موضوع دائم للرغبة أو للخشية منها. جسد لا يُسمَح له أن يُطعم أو يمرض أو يتعب أو يشيخ أو يسحب نفسه عمداً من سوق الرغبة.
بهذا المعنى، لم تكشف التعليقات حدود ما يُعتبر عرياً فحسب، بل كشف حدود النظرة نفسها. فهي لم ترَ المرأة ولا الطفلة ولا الحرب، بل أعادت كتابة الصورة كلها انطلاقاً من الجزء الذي قررت أن تجعله مركزها. فاختزلت المرأة إلى ثدي، وأزاحت سؤال الحرب واستنزاف الأجساد، ثم استحوذت على صوت المرأة وألغت فرديّتها لتعيد جسدها إلى العائلة والمنطقة والطائفة والجماعة، مع أن المقال يذكر بوضوح أنها وافقت على أن تُلتقط لها الصورة.
«غطّوا هذا الثدي»
في مسرحية موليير الشهيرة، يقول تارتوف للخادمة دورين التي يظهر جزء من صدرها وفق شكل اللباس في القرن السابع عشر الفرنسيّ: «غطّي هذا الثدي، فإنني لا أستطيع أن أراه». ثم يضيف أن مثل هذه المناظر «تجرح النفوس وتوقظ الأفكار الآثمة». غير أن المفارقة الساخرة هي أن تارتوف نفسه أكثر شخصيات المسرحية خضوعاً للرغبة. يتظاهر بالورع لإخفاء شهواته وتحقيق مصالحه.
عبرت جملة تارتوف هذه القرون وأصبحت تُستعاد للدلالة على النفاق الأخلاقي. لكنني إذ أستدعيها الآن، فإنني لا أفعل ذلك لأقول إن جميع المعترضين على الصورة يشبهون تارتوف في نفاقه، بل لأن عبارته تكشف عن آلية ثقافية وبصرية وخطابية ما زالت تتكرّر رغم اختلاف الأزمنة والثقافات. تلقي هذه النظرة على الجسد معنىً أنتجته هي نفسها، ثم تحاسب الجسد عليه وتطالبه بأن يتواءم معه.
ينقل تارتوف المشكلة من نظرته هو إلى جسد المرأة، ويجعلها مسؤولة عن الدلالة التي أسقطها هو عليه.
وهكذا يفعل تارتوف إنستاغرام عندما يطالب بتمويه الصورة. فقد رأى الثدي منفصلاً عن المرأة وعن الطفلة وعن الحرب واعتبر أن الفضيحة هي في انكشافه، بينما الفضيحة هي في نظرته هو التي لم تسمح له بأن يرى في الثدي غير بعده الجنسي.