في أسبوع واحد، تعرّضت النائبة بولا يعقوبيان لحفلةٍ من الشتائم الذكوريّة، بدأت في المجلس النيابيّ وامتدّت إلى شاشة «أم. تي. في.» قبل أن يلتحق بها آخرون أقلّ تأثيراً. لكنّ دلالات هذه الحفلة الوضيعة تتجاوز النائبة يعقوبيان لتفضح «سياسة المزايدة بالفحولة» العابرة للاصطفافات السياسية.
الأخلاق والتأديب
ليست المسألة بولا يعقوبيان، بل نظام القِيَم التي يسعى إعلاميّو السلطة وسياسيّوها إلى تكريسه. قِيَم الذكورة وطرد المرأة من الفضاء العامّ من أجل إعادتها إلى «بيت الطاعة» حيث تخضع لسلطة الرجل، وحيث تُحدَّد لها فروضٌ معيّنة ليست المشاركة في الشأن العامّ واحدةً منها. لذلك، لا بدّ من جرّ أيّ سجال سياسيّ معها إلى ملعب «الأخلاق» والأدب. فالمرأة التي تخرج إلى الفضاء العام هي امرأة بحاجة إلى «التأديب». قالها بالفم الملآن النائب علي عمار لزميلته يعقوبيان: تهذّبي وتأدّبي، وذلك بعدما أفصح عن اقتراب نفاد صبره. فما الذي تحدّى صبرَ علي عمار؟ الخطاب السياسي المعادي لحزبه، وهو خطاب يحمله نصف المجلس النيابي على الأقلّ؟ حتماً لا. ما تحدّى صبرَ علي عمار هو وجود امرأة على منبر المجلس، ومحاولتها «إرشاده» بأنّ ما يقوم به مخالف لنظام المجلس.
لكن إذا كان النائب الذكر قد اكتفى بإعطاء الأوامر لزميلته بأن تتأدّب، فإنّ إعلاميّاً يُدعى مارسيل غانم قرّر أن يتولّى عمليّة التأديب بنفسه، وهذه المرّة عبر تحويل برنامج يُفترض أنّه للنقاش السياسي إلى منبر لتعنيف المرأة. استخدم غانم في سبيل ذلك التقنيات الذكورية التقليدية، بدءاً من السخرية من مظهر المرأة (عندها بلاتفورمات أكتر من عمليات التجميل اللي عاملتن) وصولاً إلى استدعاء «الأخلاق» (المشكلة بمسلكك وبسلوكك، إنت كنتِ أرخص على غدا).
كلاب حراسة المنظومة
ليست المسألة بولا يعقوبيان، بل الخطاب الإعلاميّ لكلاب حراسة المنظومة، حيث «الساعات وربطات العنق (أي الرشى) مش تهمة»، على ما أخبرنا الإعلاميّ المُخضرَم، وحيث الإسفاف يحلّ محلّ النقاش (اسمك ما بعرف وين معقول ينحط قد منّك منحطّة)، وحيث قضايا الناس تصبح فرصةً للشتيمة (فليكن الحديث عن بولا مدخل للنفايات). هذا النوع من الإعلام هو نفسه الذي لم يخجل في تسخير نفسه لخدمة لصوص المصارف، بعدما أفنى عمره في تلميع صورة النظام وتمسيح الجوخ للطرف «المنتصر» فيه، من الانبطاح أمام نظام الوصاية السورية آنذاك إلى إعلان تَوْقه لمقابلة مرتكبي الإبادة الجماعية اليوم.
التعويض القضيبيّ المشترك
ليست المسألة بولا يعقوبيان، بل الخطاب السياسيّ الذي ينفي السياسة ويستبدلها بميدان الفحولة.
هكذا تزول الفوارق بين إعلاميّ المصارف ونائب حزب الله ليصبحا في موقع مشترك يعبّر عن جوهر السياسة اللبنانية، حيث الفحولة وما فيها من «أخلاق» وقلّة أخلاق وذكورة وقلّة ذكورة تصبح هي المنطلَق والخلاصة لكلّ شأنٍ سياسيّ في البلد.
فالنائب الذي ارتكب حزبُه خطايا مميتة في لبنان وسوريا، والذي تعرّض حزبه لهزيمة عسكريّة أودت بجلّ قادته، لم يجد لا هو ولا حزبه ضرورةً للمراجعة أو حتى لقليل من التواضع، واستبدل ذلك بتكثيف خطاب الفحولة بوجه نائبةٍ في البرلمان، كأنّما عبارة تأدّبي التي تقال لامرأة باتت تعويضاً قضيبيّاً (Phallic) عن الصواريخ التي كان يُفترض بها أن تدمّر تل أبيب.
أمّا الإعلاميّ المخضرم الذي لا حزب له إلا حزب المال والسلطة، فيرى في مديح ذاته (بفتخر باسمي) وشتم النساء (وليست بولا يعقوبيان إلا الحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة) تعويضاً عن إدراكه العميق لوضاعة الدور الذي لعبه طيلة سنواته، مهما قدّم له هذا الدور من ساعات وربطات عنق وأشياء أخرى.
هجرة السياسة إلى ميدان الفحولة
لا يعبّر هذان الذَّكَران المنهزمان عن خطّين سياسيّين مختلفين، بل يمثّلان هجرة السياسة إلى ميدان الفحولة حيث يتبارى النوّاب بعبارات من نوع شكله الزيتي بعده بيخوّف، لاقونا لاقونا، إنت خربت البلد، لأ، إنت خربت البلد. هذه ليست من أعراض السياسة. بل إنّها السياسة نفسها، حيث يتحوّل المجلس النيابي أو بلاتو البرامج السياسية إلى ميدان لإثبات الرجولة أمام رجال آخرين: مَن يهين الآخر أكثر، ومَن يصعّد كلامياً أكثر، ومَن هو «الأجرأ»، ومَن يستطيع تحقير الآخر أكثر. وسرعان ما يتبيَّن أنّ اللجوء إلى القاموس الذكوري أو استطراداً إلى ملعب الفحولة، هو «ذخيرة عابرة للأيديولوجيات». أسخف من «الفاشية» وأخطر من «الشعبوية»، يمكن تصنيف السياسة الراهنة على أنّها «سياسة المزايدة بالفحولة». يُحاكي الجميعُ فحولة الجميع، سواء أكانوا يريدون التطبيع أم المقاومة، سواء أكانوا يريدون تسليم السلاح أم الاحتفاظ به، سواء أكانوا إعلاميين «سياديّين» أم نوّاباً ممانعين.
وسط هذا الكرنفال الفحوليّ، يبقى أن نتساءل عن ابتسامة تمارا الزين، وزيرة حركة أمل التي شهدت على تعنيف إعلاميّ السلطة للنائبة يعقوبيان. هل هي ابتسامة أذناب السلطة حين يطربون لصوت أبواقها؟ أم هي ابتسامة المرأة التي طبّعت مع موقعها الدونيّ بحضور الرجال؟ أيّاً يكن الجواب، فإنّ وجه لبنان البشع، سواء كان اسمه علي عمار أو مارسيل غانم، ستمحوه ذات يوم ابتسامات نساء لا يرتضينَ لأنفسهنّ موقعاً دونياً لا أمام الرجال ولا أمام أيّ سلطة أخرى.