منذ اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975، يسيطر موضوع الحرب ومشتقاته على المخيّلة الثقافية اللبنانية. أصبحت الحرب، أو رواية معيّنة عنها، هي المنظور الأساسي لفهم مجتمعنا، محتكرةً الروايات العديدة والمتناقضة التي تكوّن هذا المجتمع. ثمن هذا الاحتكار، بالإضافة إلى فقر هذه الرواية، هو محو الروايات والقصص الأخرى التي تشكّل المجتمع. هذا الصراع بين رواية الحرب وقصص المجتمع هو ما يتجلّى بفيلم «والأسماك تطير فوق رؤوسنا» (2025) للمخرجة ديما الحرّ.
رجال في الشمس
رجال صامتون، بالكاد يتكلّمون. يقفون في وجه البحر، ينظرون إليه، أيّاً يكن فصل السنة. بين الحين والآخر، يسبحون بعض الشيء، قبل العودة إلى هوايتهم المفضّلة، أي التحديق الصامت في الأفق. تبقى معهم الكاميرا مطوّلًا، تلاحق تجاعيد أجسامهم المصدّاة من الهواء المالح، تحاول الدخول إلى عمقهم من خلال نظراتهم، لكنّها تفشل. فأعين الرجال مختبئة وراء نظارات شمسية، أو مغلقة جرّاء المرض، أو تهرب من الكاميرا إلى أفق بعيد. هم رجال كسرتهم الحياة، علكتهم، قبل أن تنبذهم المدينة. فالمدينة لا تحبّ المكسورين، تخجل من أجسادهم المطعوجة. لا تحب الفقراء، فتبعدهم من وسطها. تخجل من مسنّيها، فتخبّئهم كي لا يرى أحد أثر الزمن. نبذتْهم المدينة، فلم يجدوا إلّا البحر كي يستقبل أيامهم الطويلة المتبقية. هم لا يحبون البحر بالضرورة، لكنّهم اعتادوا عليه. هو يحبهم، أو على الأقلّ لا يخجل منهم.
قصص المجتمع
من خلال الأجساد المجعلكة للرجال الثلاثة وكلماتهم المقتضبة، يروي فيلم «والأسماك تطير فوق رؤوسنا» قصصًا عديدة عن الحياة في بيروت المأزومة، هذه المدينة التي لا تعرف أن تحبّ مَن أحبّها. قصصاً عن مسنّين لا مكان لهم في مدينة المظاهر، فتعدمهم قبل أن يموتوا. وقصصاً عن ضحايا رأسماليّتها، جراء البطالة والاستغلال والإعاقات، الذين لا يجدون إلّا البحر لبعض من الرعاية. قصصاً عن رجولة مكسورة ومهزومة، ترى في طقوس الصمت الجماعي ملاذها الأخير. قصصاً عن الثقافات الهامشية التي تبحث بعيدًا عن الوسط، عن بقعة صغيرة لابتسامة أو نظرة أو راحة. قصصاً تُظهر أنّ تحت العناوين الفضفاضة التي تدّعي تمثيل المجتمع، هناك قصص عديدة، تشكّل المجتمع اللبناني، هذا المجتمع الذي يتصارع مع روايات معلّبة تحتكر تمثيل تعقيداته وتناقضاته ورواياته.
شبح الحرب
نحدّق بأجساد الرجال على الشاشة، تلك التي تظهر آثار المجتمع عليها لتذكّرنا بأنّنا نتاج هذا المجتمع وقوانينه القاسية. نحدّق إلى أن يقاطعنا صوت المخرجة لتقدّم الرواية الرسمية عن الحروب والعنف والذاكرة، تلك الرواية التي لا تكفّ عن مطاردة الحاضر كالشبح. يعيدنا الكلام إلى المتن، بعد أن أتاحت لنا الصورة أن نتيه نحو الهوامش. عاد الصوت ليقول إنّه رغم ما نراه من روايات، ليس هناك إلّا رواية الحرب التي ترتقي لتكون القصة الرئيسية، رواية الثقافة الرسمية عن حروب تتكرّر خارج أيّ سبب أو تاريخ أو تعقيد، ليتحوّل عنفها إلى الرواية الوحيدة عن هذا المجتمع. هكذا تبدو الثقافة اللبنانية كجزء من عملية تأطير تمثيل المجتمع، ترى تعقيداته وتنوّعه، لكنّها لا تستطيع التخلّي عن رواية الحرب، تلك التي استثمرت بها منذ أكثر من نصف قرن. هذه الرواية باتت هي الأخرى كالشبح أيضًا، مجرّد كلام فضفاض عن عنف يتكرّر، هرب من شروطه المادية ليصبح «لعنةً» تلاحق اللبنانيين، حتى عندما يختبئون بالبحر.
هنا يبدو صمت الرجال في الشمس نوعاً من المقاومة السلبية أمام أسئلة الثقافة اللبنانية، في محاولة أخيرة لعدم تعليبهم ضمن رواية ليست لهم. ينظرون إلى البحر الذي يستقبلهم كما هم، ريثما يعود الهدوء بعد انطفاء الكاميرا.