النصب التذكاري
في 30 نيسان الفائت، افتتحت بلدية مدينة نيويورك في ساحة «إليزابيث هـ. بيرجر»، بالمنطقة المالية في مانهاتن، وبالتعأون مع جمعية «تاريخ شارع واشنطن» التي تعنى بإحياء تاريخ المهاجرين العرب الأميركيين، نصبًا تذكاريًا تحت اسم «القلم: شعراء في الحديقة». النص كان تكريمًا لأدباء «الرابطة القلمية»، التي ولدت في ذلك الحي وأسّسها أدباء المهجر من أمثال جبران خليل جبران ونسيب عريضة وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وعبد المسيح حداد، المنحدرون من سوريا ولبنان الحاليين، ولكن الآتون من زمن آخر قبل أن يولد فيه هذان البلدان، يوم كانا لا يزالان جزءاً من الإمبراطورية العثمانية التي كانت في طور التفكك والانهيار.
أتى هذا العمل الفني، والذي يُعتبَر الأوّل من نوعه في أميركا تكريمًا للثقافة العربية واحتفاءً بالإرث الأدبي لأوّل جالية ناطقة بالعربية في نيويورك، في ظل عمدة نيويورك التقدمي زهران ممداني، وبناءً على تكليف من جمعية «شارع واشنطن التاريخية». ووقع الاختيار على الفنانة المغربية الفرنسية سارة أوحدو من خلال مسابقة نظمتها دائرة الشؤون الثقافية في مدينة نيويورك.
الالتباس
نشأ الحيّ المسمّى سوريا الصغرى (Little Syria) في نهاية القرن التاسع عشر في أسفل منطقة مانهاتن، وعاشت فيه جالية من المهاجرين الناطقين بالعربية، أغلبهم من المسيحيين، الذين أتوا من أرجاء بلاد الشام التاريخية الخاضعة للحكم العثماني، من جبل لبنان ومن مدن وأرياف سوريا الداخلية ومن فلسطين. وكان أهالي الحيّ في ذلك الزمن يُعرّفون أنفسهم تارةً باسم مناطقهم وطوائفهم، وتارةً كسوريّين أو كعرب، رغبةً منهم في التمايز عن الأتراك وعن السلطنة العثمانية التي نالوا من جبروتها الأمرَّيْن. كان ذلك قبل رسم الحدود ونشوء الدول الوطنية التي نالت استقلالها التامّ في النصف الأول من القرن العشرين باستثناء فلسطين، وسُمِّيَت رسمياً بسوريا ولبنان والأردن.
اللوحة التذكارية التي وُضِعت في الموقع بجانب النصب أشارت بوضوح إلى أنّ هؤلاء المهاجرين أتوا من بلاد الشام الكبرى- التي كانت تضمّ لبنان وسوريا وفلسطين التاريخية- واستقرّوا في شارع واشنطن الممتدّ بين منطقة ذا باتري وشارع ألباني، قبل أن تضيف أنّ هذا الحي النابض بالحياة، المعروف باسم «الحي السوري» أو «سوريا الصغيرة»، كان موطنًا لحوالي 1,200 سوري.
وفي نسخة معدّلة للّوحة التعريفية (نجدها في موقع «جمعية تاريخ واشنطن»)، نستطيع أن نقرأ صياغة أخرى للمعلومات اختفى منها اسم فلسطين التاريخية وجاء فيها الآتي بين عامي 1880 و1945 استقرّ مهاجرون من لبنان وسوريا الحاليين في شارع واشنطن بين بروكلين باتري وشارع ألباني. عُرف هذا الحيّ بين سكان نيويورك باسم الحي السوري أو سوريا الصغيرة، وسكنه نحو 1500 مهاجر.
نقرأ، في كلتا النسختين، الآتي:
بحلول أوائل القرن العشرين بدأ الكتّاب السوريون في إصدار كتب ومجلات باللغتين العربية والإنجليزية. ومن بين هؤلاء الكتّاب: إيليا أبو ماضي ونسيب عريضة وجبران خليل جبران وندرة حداد وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني، الذين كان لهم دور أساسي في تأسيس رابطة أدبية عُرفت باسم الرابطة القلمية.
وتضيف اللوحة أن الرابطة القلمية تأسست لأول مرة عام 1916، ثم أُعيد تشكيلها عام 1920، وقدّمت أعمالًا في الرواية والشعر والفن البصري، استكشفت سبلًا جديدة للهوية العربية- الأميركية. وكان أبرز أعضائها جبران خليل جبران، صاحب كتاب «النبي» الصادر في نيويورك عام 1923. وقد أدّت كتاباتهم دورًا محوريًا في النهضة الأدبية في الشرق الأوسط، حيث ساهمت في إحداث تحوُّل جذريّ في اللغة العربية، وألهمت أجيالًا لاحقة من الكتّاب في الولايات المتحدة والمنطقة العربية، كما أسهمت في ابتكار أشكال جديدة من الأدب العربي.
تشير اللوحة التذكارية في نهاية نسختها الأولى الى أنّ الفنانة سارة أوهادو صمّمت منحوتة ولوحات فسيفسائية تعرض مقتطفات من أعمال كتّاب سوريين باستخدام أبجديتها التجريدية الخاصة. وقد اختفت عبارة «كتاب سوريين» من اللوحة المعدّلة في الموقع الإلكتروني للجمعية، في إشارة ربّما إلى انه تمّ تدارك هذا الالتباس في موقع الجمعية وسيتم تداركه لاحقاً في موقع النصب نفسه.
طبعاً في نصوص النسختين على حدّ سواء، يبدو واضحاً وجليّاً الإحالة إلى سوريا ولبنان الحاليين والانزياح في معنى تسميتهما، مقابل تسميات ذلك الزمن للحي بـ«الحي السوري» أو «سوريا الصغرى»، وتسمية سكان الحي لأنفسهم في الفترة المبكرة بـ«السوريين»، بمن فيهم كتاب الرابطة، وذلك قبل أن تولد الدول الوطنية في المشرق وتتأسس الهويات المرتبطة بها والمتماهية معها.
كان من الممكن تدارك هذا الالتباس الغني وتصحيحه بهدوء وتأنٍّ، لا بل والاستفادة منه لكي يكون فرصة للتفكير حول تاريخية نشوء الهويات الوطنية وارتباطها بأسماء وتسميات هي نفسها لها جذورها اللغوية وتاريخيتها واستخداماتها المرتبطة بالممارسات الاجتماعية والسياسية لعصرها. بدلاً من ذلك، تحوّل الالتباس الى أزمة دبلوماسية وسياسية، وإلى مناسبة لاستثارة العواطف الوطنية الجياشة. كان من الممكن التفكر والتفكير بعيداً عن الشوفينية الضيّقة من جهة، وعن منطق النفي والتشكيك بمشروعية الهويات الناشئة والمتبدّلة من جهة أخرى.
تسمية سوريا
لن نأتي بجديد إذا ذكّرنا بالواقعة التاريخية التي تفيد بأنّه، حتى منتصف القرن التاسع عشر، لم يكن أحد في منطقة بلاد الشام التاريخية يعرّف عن نفسه أنه سوري أو لبناني أو فلسطيني أو أردني. فهذه التسميات لم تكن شائعة ولم يكن لها استخدام هويّاتي خارج التسميات المتدأولة التي تحيل إلى الإطار الجغرافي كجبل لبنان أو نهر الأردن أو بر الشام. كان الجميع رعايا للسلطنة العثمانية، وكان معظمهم يعرّفون عن أنفسهم من خلال الانتساب إلى ملّتهم أو مناطقهم أو مدنهم أو قراهم أو عشائرهم أو عوائلهم أو حرفهم. ليس في هذا القول كفرٌ أو تجنٍّ أو تشكيك في الهويات الوطنية التي نشأت مع ولادة الدول الحديثة وترعرعت في حماها وتأطرت في مؤسساتها.
كلمة «سوريا»، مثلاً، والتي أصبحت تستخدَم اليوم كتسمية سياسية وهويّاتية للجزء الأكبر من بلاد الشام التاريخية أو بر الشام، والذي تضمّنته حدود الدولة السورية الحالية، هي في الأساس كلمة يونانية رومانية، كانت مندثرة من اللغة العربية وخارج التداول اليومي وبعيدة عن الوعي الذاتي لسكان تلك البلاد حتى مطلع القرن التاسع عشر. هذا الكلام قد لا يُعجب الكثير من السوريين والسوريات اليوم، ولكن، وكما بيّن شريف كيوان في دراسته الرائدة في اللغة الفرنسية في العام 1997 «سوريا: الاسم والتسمية والترجمة»، والتي نُشِرت في كتاب (Construction des nationalités et immigration dans la France contemporaine)، فقد تمّ إحياء هذه التسمية قبل أن يعاد استخدامها على يد الرحالة الأوروبيين الآتين إلى المشرق من صالونات التنوير. وتمّ من بعدها التداول بها في اللغة العربية من خلال الترجمة، قبل أن يطلق المعلم بطرس البستاني اسم «نفير سوريا» على مطبوعته التي أصدرها في أعقاب مجازر 1860. من بعدها، تلقّف العثمانيّون هذه التسمية في العام 1864 عندما أطلقوا اسم «ولاية سوريا» على الولاية الجديدة التي أنشأوها وجعلوا من دمشق المنكوبة مركزاً لها، في محاولة لتعزيز مكانة المدينة وزيادة ميزانيتها وجعلها قادرة على تجاوز محنة مجزرة العام 1860 التي كادت أن تبيد الطائفة المسيحية في المدينة. كما أظهر ذلك روجان يوغن في كتابه الصادر حديثاً «أحداث دمشق: مذبحة 1860 وتدمير العالم العثماني القديم». في الفترة ذاتها، ستنشئ الإرسالية البروتستانتية في بيروت في العام 1866 «الكلية السورية البروتستانتية» التي ستتحوّل لاحقاً إلى الجامعة الأميركية في بيروت. ولاحقاً كذلك، وفي ظلّ الحكم العثماني، ستنفصل ولاية بيروت ومتصرّفية القدس عن ولاية سوريا.
كل هذا لنقول إنّ معنى كلمة سوريا، ومن ثمّ الكلمة الهوياتية المشتقّة منها «السوريّون»، لم تكن تحمل في ذلك الزمن المعنى والمضمون المتعارف عليهما اليوم، والذي يحيل إلى مواطني الدولة السورية بحدودها الحالية، والتي استقلّت في العام 1946.
فلسطين ولبنان
يمكننا الإشارة هنا، في السياق ذاته، إلى أنّ اسم «فلسطين»، وهو الآخر اسم إغريقي روماني، كان غائبًا عن التداول حتى أوائل القرن التاسع عشر، وقد استعاده السكان الأصليون لهذه البلاد في مواجهة المشروع الصهيوني والانتداب البريطاني، وتماهوا معه وجعلوه عنواناً لنضالهم الوطني وهويتهم الفردية والجماعية.
في الآن نفسه، لا ينتقص من مشروعية الكيان اللبناني والدولة اللبنانية اليوم أن تكون قد نشأت وتبلورت هي الأخرى، اعتبارًا من العام 1920 مع إعلان الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير وصولاً إلى الاستقلال في العام 1943، بالتمايز عن ولاية سوريا العثمانية وعن تسمية سوريا التي ورثتها الدولة السورية الوليدة.
من هنا نستطيع أن نفهم ونتفهّم كيف ولماذا ظلت هوية كتّاب الرابطة القلمية ملتبسة في نيويورك ولماذا ظل العديد منهم يعرّف عن نفسه بأنه «سوريّ» في زمن بالكاد شهد إرهاصات ولادة الدول الوطنية في المشرق العربي. عدا عن أن سؤال الهوية نفسه يظل سؤالا شائكا ومفتوحا بالنسبة لمعظم كتّاب وأدباء الرابطة القلمية، وتتمايز محاولة الإجابة عليه من كاتب الى آخر، ومع الكاتب نفسه من زمن لآخر. أضف إلى ذلك نزوع الكثير من الكتاب والشعراء والروائيين إلى النفور من حصرهم وتعريفهم في هويات وطنية ضيقة. وهو ما عبّر عنه بعمق جبران خليل جبران نفسه في الاستشهاد الذي وُضع له على اللوحة التذكارية نفسها التي أثارت كل هذا الجدل: «الأرض كلها وطني والعائلة البشرية عشيرتي».
الهوجة الوطنيّة
كما جرت العادة في مثل هذه المواضيع الهوياتية المأزومة، فإنّ موضوع توصيف اللوحة التعريفية لأدباء الرابطة بـ«الكتّاب السوريين»، في إشارة إلى انتمائهم وسكنهم في حي «سوريا الصغرى» النيويوركي، سرعان ما تحوّل إلى مادة للسجال الإعلامي والمزايدات الوطنجية، وصولًا إلى تدخل وزير الثقافة اللبنانية غسان سلامة ووزير الخارجية يوسف رجي والسفارة اللبنانية على أعلى المستويات من أجل تصحيح اللوحة وإعادة كتابة السردية التاريخية لإبراز الانتماء الوطني اللبناني بالمعنى الحديث لأعضاء الرابطة القلمية وإعلائه فوق أي انتماء آخر.
بدأت القصة بشقّها اللبناني من رسالة ملتهبة وجّهها المؤرّخ عصام خليفة إلى وزيرَيّ الثقافة والخارجية أشار فيها إلى خبر إنشاء حديقة على اسم «الرابطة القلميّة». والخطير في هذا الخبر، حسب وصفه، هو إلغاء الهوية اللبنانية عن كل من جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، وأمين الريحاني وعفيفة كرم، وغيرهم، واعتبارهم سوريين!!
ويضيف خليفة محذِّراً أنه إزاء هذا الحدث الثقافي الخطير في مدلولاته وأبعاده السياسية، نطالب وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة، ووزارة الخارجية ممثَّلةً بالوزير يوسف رجي، إلى التحرك فوراً نحو نيويورك، والجهات الرسمية الأميركية، بالاحتجاج وإبلاغ بلدية نيويورك والمطالبة بتصحيح ما كُتب على جدران هذه الحديقة، وإيضاح الهوية اللبنانية لهؤلاء المثقفين اللبنانيين الكبار الذين اعتزوا بانتمائهم إلى الشعب اللبناني.
ويكتب عصام خليفة متوعّداً بأنّ قطاعاً واسعاً من المثقفين اللبنانيين ينتظر مبادرة وزيري الثقافة والخارجية فوراً لتصحيح هذا الخطأ الذي يشوّه الحقائق التاريخية ويمس بالشعور الوطني اللبناني. وسيتّخذ هؤلاء المثقفون المواقف المناسبة في حال التقاعس عن مواجهة الإمعان في تشويه الرموز الوطنية والثقافية التي يعتز بها كل لبناني حريص على دور هذا الوطن في بيئته العربية وفي العالم.
تلقّفت العديد من وسائل الإعلام اللبنانية والتلفزيونات ومواقع التواصل الاجتماعي هذا الخبر، وجعلت منه ترندًا يخصّ استهداف الهوية الوطنية اللبنانية وتشويه الرموز الوطنية والثقافية، وانتقل من عصام خليفة إلى نضال الأحمدية ومن «الأم. تي. في» و«الأو. تي. في» إلى مواقع القوات والكتائب الإلكترونية.
بيان وزير الثقافة
المفاجئ والمؤلم في هذه الحملة أنّ مثقفاً بقيمة ورجاحة عقل وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، وجد نفسه منساقًا إلى هذه الحملة ومضطرّاً أن «يسايرها» أو يساير بعض موظفيه في الوزارة، والله أعلم. فأصدر بيانًا مليئًا بعبارات التفاخر الوطنية والاختزالات التاريخية، التي أقلّ ما يقال عنها إنّها بعيدة كل البعد عمّا عهدناه في كتاباته ولغته الموزونة، جاعلًا من اللوحة النيويوركية أزمةً دبلوماسية تهدًد بطمس الهوية الوطنية اللبنانية لإرثنا الثقافي العالمي، وتستلزم الطلب من وزير الخارجية اللبناني الإيعاز إلى سفارة لبنان في واشنطن، والقنصلية العامة للبنان في نيويورك، ومن يلزم، للقيام بالاتصالات اللازمة مع الجهات المعنية في بلدية نيويورك من أجل:
- أولاً: طلب تعديل النصوص التعريفية (أو إضافة لوحة ملحقة) توضح الهوية اللبنانية للأدباء المعنيين.
- ثانياً: التأكيد على أن هؤلاء الرواد هم «لبنانيون- أميركيون»، وهو التوصيف الأدق لتاريخهم وجنسيتهم.
- ثالثاً: المشاركة الفعالة في الأنشطة الثقافية التي تقام في هذه الساحة لضمان حضور ثقافي لبناني امتداداً لهذا الإرث.
وزاد الوزير سلامة أنّ الحفاظ على الهوية اللبنانية لمبدعينا في الاغتراب هو جزء لا يتجزأ من حماية تراث لبنان الثقافي العريق الذي نفتخر به.
ولم يفت الوزير سلامة في بيانه، للأسف الشديد، أن يحيل أدباء المهجر النيويوركيين الذين أثروا النهضة الثقافية العربية من قلب «سوريا الصغرى» في نيويورك، إلى هوياتهم القروية والضيعجية المبكرة، ذاكرًا ومذكرًا بأسماء القرى التي ولدوا فيها أو انحدروا منها للدلالة على أصولهم اللبنانية. فينسب غسان سلامة في بيانه هؤلاء الكتاب الكوزموبوليتيّين إلى شهادات ميلادهم، ويكتب الآتي: أن كبار أعضاء «الرابطة القلمية» الواردة أسماؤهم في النصب، وعلى رأسهم جبران خليل جبران (بشري)، ميخائيل نعيمة (بسكنتا)، إيليا أبو ماضي (المحيدثة)، رشيد أيوب (بسكنتا)، وعفيفة كرم (عمشيت)، هم من جذور لبنانية أصيلة وينتمون إلى قرى ومدن لبنانية. وحيث أن هؤلاء الأدباء، وإن هاجروا في ظل حكم الدولة العثمانية (حين كانت التسمية الإدارية «سوريا الكبرى» تشمل بلاد الشام)، إلا أنهم حافظوا على هويتهم اللبنانية وساهموا في صياغة الفكر والكيان اللبناني، ومنهم من حمل الجنسية اللبنانية رسمياً بعد إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920.
يا ليت الوزير سلامة تحرّى وتقصّى إن كانت اللوحة النيويوركية تهدّد فعلاً هوية أدباء المهجر اللبنانيين، وإن كانت تنسبهم فعلاً إلى الدولة السورية الحالية أم أنّها تنسبهم إلى فضاء «سوريا الصغرى» النيويوركي حيث عاشوا وأنتجوا أهمّ نصوصهم الأدبية. ويا ليته سأل نفسه، وهو خير السائلين وخير العارفين، هل كان يعني كثيراً لجبران أو لأمين الريحاني أو لميخائيل نعيمة أن يساهموا في صياغة ما يسمّيه الوزير سلامة «الفكر والكيان اللبناني» أم أنهم كانوا معنيين أكثر بصياغة الفكر الإنساني والنهضة الثقافية العربية في المهجر، من دون أن يكون في هذا تهديد أو تشكيك بمشروعية الكيان اللبناني.
يستطيع كاتب هذه السطور، وهو السوريّ الذي يعيش في بيروت ويتفاعل مع وسطها الثقافي منذ ربع قرن، أن يتفهّم بالعموم حساسية الإحالة إلى سوريا الكبرى أو حتى إلى تسمية بلاد الشام لدى الكثير من اللبنانيين، ليس فقط نتيجة الوصاية والانتهاكات الفادحة التي مارسها النظام السوري وجيشه ومخابراته في لبنان خلال ما يزيد على 29 عامًا، ولكن لأن لبنان ولد منذ البداية إلى جانب دولة أكبر منه حجمًا ورثت تسمية سوريا، تحيطه من معظم الجوانب وتتشارك معه في الكثير من القضايا ويحلو لبعض نخبها السياسية والثقافية من باب المماحكة أو الأيديولوجيا أن يشكك بين الحين والآخر بمشروعية الكيان اللبناني.
لكن من هذا الباب تحديدًا، باب الثقافة والإنتاج الثقافي، الذي أبدع فيه اللبنانيون وأضافوا الكثير للثقافة والفنون العربية بالمجمل وللثقافة المشرقية بالخصوص، من خلال دور وتأثير يتجاوز بكثير حجم بلدهم الصغير، يحق لنا أن نسأل هل معركة اللوحة التذكارية بنيويورك هي أمّ المعارك؟ وأين هو دور بيروت الثقافي في المنطقة العربية اليوم، وهل من وسيلة لاستعادته؟ وأليس من المُجحف إدخال وزارة الثقافة اللبنانية في معارك هوياتية فارغة في اللحظة التي يعاد فيها رسم معالم المنطقة؟