كيف يصبح الصبيّ رجلاً؟
17
دقيقة

جلستُ مع فريد وقيس وجاد وزوزو وپول في شهر شباط، شهر الحب والغدر والزلازل، لنتحدّث عن الذكورة، بعدما قبل كلٌّ منهم برحابة صدر (شكراً مجدّداً) مقابلتي لمناقشة أسئلةٍ أبحث منذ فترةٍ طويلة عن أجوبةٍ لها. هذه أسماء مستعارة، اختار أصحاب العلاقة بعضها ولبّقتُ الباقي أنا، وذلك للمحافظة على خصوصيّاتهم.  

تروي لنا هذه المقابلات تفاصيل تجارب تكوين الرجولة وتشكيلها. تختلف التجارب كثيراً وتتشابه كثيراً، فنجد أنفسنا أمام صورةٍ متضاربة، لا تُختصر في روايةٍ واحدة عن الرجولة ولا تُعمّم على جميع الروايات. 

يشكّل هذا النصّ محاولةً نقديّة، شخصيّة إلى حدٍّ ما (أي سياسيّة أيضاً)، لفهم أبعاد الذكورة من منظورٍ نسويّ والتشابك مع معانيها وتكوينها وأشكالها وتحدّياتها وهواجسها. يعيد هذا النصّ التفكير ببعض المفاهيم المتعلّقة بالذكورة وكيفيّة بنائها، في تأكيدٍ على أنَّ تحرّر النساء من النظام الأبويّ لن يكتمل من دون تحرّر الذكورة. 

لمَ التفكير بالذكورة؟

لا يمكننا اليوم الحديث عن الذكورة وقيودها وتطلّعاتها من دون التطرّق إلى مفهوم «أزمة الذكورة» الذي بدأ يحتلّ حيّزاً كبيراً من النقاشات النسويّة (وغيرها)، وخصوصاً تلك التي تتمحور حول علاقات الرجال بالنساء، نظراً إلى أنَّ هذه العلاقات باتت أحد أهم المواقع التي تكشف تعقيدات أزمة الذكورة.

يمكننا أن نصنّف الذكورة المأزومة في سياقنا العربيّ بحسب شكلَيْن: الذكورة الأبويّة التي تقتل، وذكورة مغايرة، ترفض الذكورة الأبويّة. 

بالتأكيد تقع أشكال عديدة من الذكورة ما بين التصنيفَيْن، لكنّ جميع هذه الأشكال تميل أخيراً إلى صنفٍ واحد، فالذكورة التي تبرّر القتل من دون أن تقتل، تقتل بالفعل، حتى لو بطريقة غير مباشرة. نبدأ بأزمة هذا الصنف. 

خلال صيف العام الفائت، شهدنا في بلدان المنطقة موجة قتل نساءٍ بالعلن وفي وضح النهار. فصلت بين النعوة والأخرى بضعة أيامٍ أو أسابيع أو أشهر، فبدت الجرائم كما لو أنّه كان مخطّطاً لها مسبقاً. 

في 20 حزيران 2022، قتل محمد عادل زميلته نيّرة أشرف في مصر لأنّها رفضت الارتباط به. «لو مَكُنتيش ليّا هموّتك»، كانت رسالة التهديد. بعد ثلاثة أيّام، قتل عديّ حسّان زميلته إيمان أرشيد في الأردن «متل ما قتل المصري البنت» لأنّها رفضت الارتباط به. بعد شهرٍ وعشرين يوماً، قتل إسلام فتحي زميلته سلمى بهجت في مصر «على غرار ما حدث مع [نيّرة أشرف]» بعدما رفضت الارتباط به. بعد شهرين وأربعة عشر يوماً، قتل أحمد فتحي الطالبة أماني الجزّار لأنّها رفضت الارتباط به، قبل أن يُنهي حياته بنفس السلاح الذي أطلق منه النار عليها. 

أليست هذه أزمة ذكورة؟ أن تؤدّي الـ«لا» إلى القتل؟ وأن يكون الغضب الناتج عن الرفض مبرّراً كافياً للقتل؟ لا أجزم أنَّ جرائم قتل النساء تنجم عن أزمات الذكورة، لكنّني أحاول في هذا النص وضع هذه الجرائم في سياق قراءةٍ نسويّة للذكورة.

«لو مَكُنتيش ليّا هموّتك».
تأزّمت ذكورة محمد عادل حين أدرك أنّه لم يستطع تملّك نيّرة أشرف بالقوّة أو بالتهديد. لم يتطابق هذا الواقع مع الصورة التي تكوّنت في ذهنه عن أنَّ النساء مجرّد شيء يصفّه مع تشكيلة ممتلكاته في الحياة الدنيا. تُرجمت هذه الأزمة في رفضٍ قاطع لتقبّل الرفض. لم يستطع الجلوس مع ثقل مشاعره، فقرّر التخلّص من السبب. 

يلجأ عددٌ كبيرٌ من الرجال (ومن هنا يأتي التعميم) إلى العنف في حال شعورهم بفقدان السيطرة أو بالعجز، وهما نقيضا الذكورة بمعانيها المترسّخة. لا تتجلّى أزمات الذكورة دائماً في القتل، تأخذ أحياناً شكل التحرّش أو الاغتصاب أو الضرب أو التحقير. رغم تفاوت درجات العنف بين ردود الفعل هذه، يبقى القاسم المشترك بينها كره النساء والحقد عليهنّ، فيبرّر التحقير الضرب، ويتحوّل التعنيف اللفظي إلى عنفٍ جسديّ وجنسي مع الأيّام.

ازداد هذا العنف علنيّةً مع رواج الخطاب النسويّ في السنوات الأخيرة، والذي يُعتبر تهديداً للذكورة المتسلّطة. استُقبلت اللغة والأدوات النسويّة التي حاولت انتزاع جزء من العدالة المستحيلة بمزيدٍ من الحقد والتحقير والغضب، وذلك لقمع تفشّي الوعي النسويّ عربيّاً. فلا يمكن إذاً فصل تحرّر النساء عن العنف الذكوريّ الذي يلازمه. وإذا ما كان هذا العنف ردّة فعلٍ طبيعية للجهود التحرّرية، فلا بدّ من قراءةٍ سياقيّة للذكورة تحاكي هواجسها وتفكّك اضطرابها وتعيق ترجمة الارتباك إلى قتل.

رغم ذلك، أرفض كنسويّة نظرةً تأصيليّة تحكم على الذكورة بأنّها عنيفة وسامّة وبؤرة للمصائب، لذا فضّلت أن أركّز على محاولة اكتشاف مصدر العنف والسموم والمصائب التي باتت تُحيط بنا كنساء ونسويّات، ومن هنا أتت فكرة هذا النص.

تتميّز هذه الذكورة بمحاولتها المستمرّة بإنقاذ نفسها من المسار المرسوم لها، وبتجسيد نموذجٍ أكثر إيجابيّة أو نسويّة عن الذكورة. تكمن أزمة هذا الصنف من الذكورة في مواجهة رواسبها، بحثاً عن نماذج بديلة.

مقابل الذكورة التي تقتل، نجد ذكورةً تضع نفسها في صراعٍ متواصل مع قوالب الذكورة المتسلّطة وترفض الممارسات العنيفة التي تُشكّل عواميد الذكورة الأبويّة. تتميّز هذه الذكورة بمحاولتها المستمرّة بإنقاذ نفسها من المسار المرسوم لها، وبتجسيد نموذجٍ أكثر إيجابيّة أو نسويّة عن الذكورة. تكمن أزمة هذا الصنف من الذكورة في مواجهة رواسبها، بحثاً عن نماذج بديلة. لا يعني ذلك أنّ هذا الشكل من الذكورة معصومٌ عن الخطأ، على العكس، فهي في حالة ارتباك واغتراب شبه دائم ما قد يولّد عنفاً، ولكنّها على الأقل تحاول. 

أحاول في هذا النص، ومن خلال المقابلات، التأمّل في الصنف الثاني من الذكورة المأزومة. متى وكيف تتشكّل الذكورة؟ وأين تتم عمليّة إعادة تشكيلها؟ كيف يواجه الذكور عنف الذكورة؟ كيف يقاومونه وكيف يعيدون إنتاجه؟ 

شو برأيَك أكبر مشكلة بواجهوها الرجال اليوم؟

الأزمة الاقتصادية. الموت. الأشكال الجديدة من الأبويّة.

— فريد (23)

طالب جامعي وبيشتغل، بحب كارل ماركس.

الصور النمطيّة والأدوار الجندريّة.

— قيس (24)

بيشتغل، بيكره مديره بالشغل.

الهوس بالذكورة وبإثبات الرجولة.

— پول (24)

بيشتغل بعالم السوشال ميديا، سألته كيف بحب أوصفه بهاد المقال، قلّي كحدا خلقو ضيّق.

الأزمة الاقتصادية.

— جاد (24)

غرافيك ديزاينر، شب «عادي» بحسب وصفو.

عدم إدراك الديناميكيات المجتمعية بين الرجال والنساء.

— زوزو (25)

بيشتغل بعالم السوشال ميديا، بيعشق الشوكولاتة على حد تعبيره، وكان عم يشرب هوت تشوكليت بالقعدة.

 

أزمات الذكورة العربيّة 

إذا ما أردنا التمعّن في أوجه الذكورة الأكثر إيجابيّة، نجد أمامنا تجارب متفاوتة وأزمات مختلفة تُسقط تجانس ملامح «الذكر التقدّمي» أو «الحليف النسوي». وبسبب تباين التجارب والآراء لدى الذكور التقدّميين، لا يمكننا الحديث عن ذكورةٍ موحّدة أو عالميّة، بل يجب أن نضع هذه الذكورات في سياقها السياسي والاجتماعي، بدلاً من إسقاط المفاهيم الغربيّة الرائجة عن الذكورة. 

قدّمت دراسات الذكورة الأكاديمية والنفسية والنسوية تأملات في معانيها وارتباطها بالعنف والعرق والطبقات الاجتماعية والعمل والجنسانية. رغم أهميتها، ترتكز هذه الدراسات، خصوصاً الرائجة والحديثة منها، في سياقاتٍ غربيّة لا تتطرّق إلى التباين في مقوّمات الذكورة في أماكن مختلفة، كما أنّها تبالغ بأنَّ مشاكل الذكور تنبع من تربيتهم على دفن مشاعرهم بينما تُشجّع الفتيات على البوح بمشاعرهنّ والبكاء علناً. تحمل هذه النظرة بعضاً من الشرعيّة، إلّا أنّها تتجاهل أنَّ ظروف التربية العاطفية في الواقع أعقد بكثير من هذه المعادلة المبسّطة.

تقتضي الذكورة العربيّة نظرةً ظرفيّة وسياقيّة تأخذ في الاعتبار الظروف والقوى التي تشكّل وتصوغ تجربة الرجال مع ذكورتهم. تقول نائلة منصور في نصّ «احركلك حركة، أنت رجّال» أنَّ تجربة الهجرة، خصوصاً إن لم تكن اختياريّة كحالة اللجوء، تُجبر الرجال على «إعادة تأسيس هويّةٍ رجوليّة» بحسب معايير سائلة ومرنة، مع التمسّك بذات الوقت بصلابة قوالب الرجولة التقليدية. في تجربة اللجوء، تتمثل معايير الرجولة المجدّدة بالقدرة على الحركة والنشاط، كما تحاجج منصور. 

تنطبق هذه النظرة للذكورة على التجارب التي يضطرّ أن يمرّ بها الرجال في بلداننا العربيّة، كالذلّ والإخضاع والتعذيب والحبس والتجويع والتفقير. وفي خضمّ الانهيار الاقتصادي، ومع تحوّل النساء إلى معيلات أساسيات لأسرهنّ بدلاً من أزواجهنّ أو إخوانهن أو آبائهن مثلاً، يضطر الرجل إلى البحث عن عمودٍ آخر للرجولة غير القدرة على كسب المال والإنتاجية. 

نرى إذاً من هذه التجارب أنَّ الذكورة ليست قالباً صلباً، بل هي على العكس تماماً، سائلة، مرنة، متقلّبة، تحاول إنقاذ نفسها دائماً.

نرى إذاً من هذه التجارب أنَّ الذكورة ليست قالباً صلباً، بل هي على العكس تماماً، سائلة، مرنة، متقلّبة، تحاول إنقاذ نفسها دائماً.

كما أنَّ التحدّيات التي تواجه الذكورة في سياقنا تختلف عن غيرها من السياقات الجغرافية والسياسية والثقافية، فلا يمكننا إذاً اعتبار الذكورة مؤسسةً ثابتة، رغم وجود بعض القوالب المشتركة. 

تُعتبر هذه التجارب التي تهدم الركائز الأساسية للذكورة نوعاً من «الإخصاء المعنوي»، فهي تُفقد الرجال عواميد ذكورتهم، أي القوّة والسلطة والسيطرة والإنتاجية. لكنَّ بعض هذه التجارب قد تُعتبر أيضاً تمريناً على الرجولة وفي سبيلها، فنسمع مثلاً «الحبس للرجال». تتواجد كلا النظرتين في سياقاتٍ مشابهة أحياناً، وذلك لإعادة تكوين الرجولة سريعاً فور تهديدها، ولكي لا نضطر إلى تقييم قوالبها والعياذ بالله. 

إنَّ جزءاً كبيراً من أزمات الذكورة العربيّة اليوم يعود إلى تصدّي وتجاهل الرجال لآلامهم وتحدّياتهم ومشاكلهم وتجنّب مناقشتها بشكلٍ جماعيّ وعلنيّ. بدلاً من مراجعة هذه التحدّيات، يختار الرجال الطريق الأسهل الذي يتطلب أقل نوعٍ من مواجهة النفس، وهو إسقاط تداعيات هذه التجارب على الفئات الأكثر ضعفاً، كالنساء والأطفال. يدفع الرجال ثمناً باهظاً بسبب هذا الترويض، وذلك عبر العلاقات السطحيّة والمشاكل الصحيّة والنفسيّة والموت المبكر، في سبيل التأقلم مع خنادق الذكورة الأبويّة الضيّقة وللإبقاء على بعض الامتيازات التي تعدهم هذه الذكورة بها.

يروي لنا كلّ من فريد وقيس وجاد وزوزو وپول قصصاً عن محاولتهم للتصدّي لقوالب الذكورة الأبويّة، إضافةً إلى الظروف التي مكّنتهم من التعبير عن هذا الرفض والعواقب الاجتماعيّة والشخصيّة التي لاحقتهم بسببه. تطرح شهاداتهم ضرورةً لإعادة تفكيرٍ سياقيّة بالذكورة وآليات تشكيلها والمفاهيم السائدة عنها التي تحول أحياناً دون تقديم روايةٍ متكاملة عن الذكورة. أحد هذه المفاهيم التي نسمعها كثيراً اليوم هو مفهوم «الذكورة السامّة» والذي، رغم أهميّته، يختزل تعقيدات تجربة الذكورة، هذه التعقيدات التي وحدها قد تساعدنا على تفكيك أزمات الذكورة. 

«الذكورة السامّة» 

يُطلَق مصطلح الذكورة السامّة على التصرّفات والسلوكيّات التي يظهرها رجال (عادةً)، كالحاجة إلى كبت المشاعر وإظهار العدوانية المفرطة والتسلّط وتكريس الوظائف الجندريّة التقليديّة والعنف ضدّ أنفسهم أو ضدّ الآخرين، كما تجعل السلوكيّات السامّة من «الأنوثة» نقيضاً سلبياً لكلّ ما يُعتبر صفات رجوليّة. لا ينفي هذا بالطبع أنَّ هذه السلوكيّات قد تمتدّ إلى جميع التصنيفات الجندريّة، لكنّها تُربط عادةً بالرجال بسبب حجم الأذى الذي تروّج له هذه السلوكيّات الصادرة عنهم.

يرفض بعض الرجال، وكذلك تيّارٌ من النسويات، مفهوم الذكورة السامّة باعتبار أنّه يساهم في وصم وتأصيل الذكورة، وبالتالي الذكور. كما تساهم هذه النظرة بتكريس ثنائيّة الرجال السيّئين والنساء الجيّدات، والتي تعمّم وتختزل كثيراً من التجارب والظواهر الاجتماعية بأسرها. قد يحيّد هذا المفهوم الظروف التي تجعل الذكورة سامّةً، كما أنّه ينظر إلى الذكور كمخلوقات سامّة بطبيعتهم. فيتوجّب علينا إذاً أن نعيد النظر بـ«سموم» الذكورة. تقول بيل هوكس في كتابها «إرادة التغيير: الرجال والذكورة والحب» أنّه يمكن ردّ الأزمة التي يعاني منها الرجال اليوم إلى أزمةٍ في الذكورة الأبويّة وليس الذكورة بحدّ ذاتها، والتي يمكن تجريدها من الخصل والمرجعيّات الأبوّية، فلا تصبح بالضرورة سامّة أو مسمومة، بل يمكنها، أو بدأت بالفعل، بالتحرّر من القيود الأبويّة. لا أرفض مفهوم/مصطلح الذكورة السامّة بالكامل، وذلك لأنّه يشخّص ظاهرة جندريّة خطيرة قيد التوسّع والتطوّر حاليّاً مع عودة انتشار الأدوار الجندرية التقليدية وبروز شخصيّات كأندرو تايت وجوردان بيترسون وغيرهما، لكنّني في الوقت ذاته أعتقد أنّه من الضروري أن نتأمّل هذا التصنيف قليلاً.

الذكورة السامة هي ممارسة الكل بشارك فيها، والكل ممكن يكون ضحيّة إلها كمان. الرجال والنساء بيورتوا هي الممارسات وبعيدوا إنتاجها بالمجتمعات يلي بيتواجدوا فيها. هل بعتقد انو الرجال هنن المصدر الأساسي للذكورة السامة؟ إي. هل في نساء (كماترياركات) بيرسخوا هي الممارسات؟ إي، بس أغلب اللوم بينحطّ على الرجال، لأن حتى وقت الماتريارك ترسّخ هاي القيم بتعمل هيك بسبب الـ«مجتمع» يلي بيتحكّموا فيه الرجال أصلاً.

— جاد

بعتقد انو النساء إلن دور بتعزيز الذكورة السامة أو ظواهرها من خلال تكريس الصورة والأدوار النمطية الموجودة. أكتر حدا ذكوري مرق عليّي بحياتي هي إمي ومن بعدا ستّي. بشوف على انستغرام هدول النكت تبع انو إذا بتقسّم الفاتورة مع بنت، أي نوع مسكرة بتفضّل؟ ايمتا رح تجيك؟

وفي هاي الصورة يلي لازم تتبعها كرجّال متل انو تكون جسيم وطويل وأيرك طول الشجرة. في كتير عوامل بتسمح بتكوين هاي الذكورة السامة. يعني إذا واحد مِن هو وصغير بيسمع «تعا فرجي الهبّورة لعمو»، شو رح يطلع؟ عالم ذرّة؟

«men are trash» هي ردّة فعل على كيف بتكون الحياة مع الذكورية، وهو شي ما بقدر اتخيّل قديش صعب أكيد، بس لازم ناخد بالاعتبار انو هاي ممارسات إلها سنين عم تتطوّر، هدول الشباب مش بطبيعتن هيك. هيدا الخطاب مع انو مهم، بيغيّب دور المجتمع والثقافة يلي ربّتنا نكون هيك. 

— قيس

غالباً ما نجد أنفسنا في حالةٍ من الارتباك والحيرة عندما نصادف رجلاً يتحوّل بسرعة من حليفٍ نسويّ إلى غريمٍ ذكوريّ.

 نلاحظ هنا أنَّ مفهوم «الذكورة السامّة» قد يقع في فخ التأصيل، مختزلاً دور البيئة التي أُنشئت فيها هذه الذكورة. لعلّه من الأدقّ إذاً أن نحدّد موقع «السموم» عندما نتحدّث عن «الذكورة السامّة». يقول المؤلف والطبيب النفسي المختصّ بالتروما والإدمان غابور ماتي في حلقة من بودكاست «مان إنوف» أنَّ الذكورة بحدّ ذاتها ليست سامّة، بل إنَّ بعض البيئات التي تتواجد فيها الذكورة تكون هي السامّة. تبقى هذه المفارقة في غاية الأهمية لأنَّها تشير بوضوح إلى جذور أزمة الذكورة، كما تساعدنا على فهم تبدّل الذكورة وأقنعتها. غالباً ما نجد أنفسنا في حالةٍ من الارتباك والحيرة عندما نصادف رجلاً يتحوّل بسرعة من حليفٍ نسويّ إلى غريمٍ ذكوريّ. تتبدّل تصرّفات الذكور بحسب الأماكن والأشخاص، فلا يظهر الذكر علامات «الذكورة السامّة» في بيئةٍ معيّنة، لكنّه يتفوّق على نفسه من جهة التصرفات الذكوريّة السامّة في بيئةٍ أخرى. تحدّد البيئة أو الظروف إذاً معالم الذكورة ومدى سلبيّتها أو إيجابيّتها. 

وهون بحطنا الجمّال عند مفهومٍ قد يكون أكثر شموليّة، وهو الذكورة العلائقية، أو الذكورة التي تشكّل نفسها بناءً على العلاقات الاجتماعية.

الذكورة العلائقيّة 

تقترح النظرة العلائقيّة للذكورة أنّها تُبنى وتُكوّن على أساس العلاقات الاجتماعية. تُعتبر التصنيفات الجندريّة بطبيعتها علائقيّة، أي أنّها تُعرَّف اجتماعياً بالمقارنة مع نموذجٍ جندريّ آخر، فتتطوّر الصورة التقليديّة للذكورة مثلاً بعكس الصورة التقليديّة للأنوثة. لا يمكن للذكورة أن تمارس تسلّطها في فراغ، بل تحتاج إلى جهةٍ خارجيّة تعزّز من خلالها هيمنتها، ومن هنا تأتي طبيعتها العلائقية. 

تفرض بعض البيئات أشكالاً مختلفة من الذكورة، تترك في نفس الذكر أوجهاً عديدة من ذكورته، قد يُصنّف بعضها كسامٍّ ومسيطر والبعض الآخر كأكثر إيجابيةً أو وعياً. تخلق هذه التعدّدية نوعاً من الصراع الداخلي الذي يسبّب ارتباكاً وتوتّراً مزمناً للرجال، وبالتالي صعوبةً في إدراكهم لذاتهم. فتحدّد العلاقات الاجتماعية شكل الذكورة التي تعتمد على محيطها لتكوّن نفسها، ولا يمكن تكوينها في انعزال.

تتبلور الذكورة من خلال علاقات الرجال مع بعضهم بعضاً وعلاقاتهم مع النساء. غالباً ما يطغى التنافس على العلاقات التقليدية للرجال، وذلك لأنّ الرجولة بمعناها الأبويّ تتحقّق عند إثبات الهيمنة والتفوّق المادّي أو الاجتماعي أو الفكري أو الشكلي على سائر المنافسين.

نرى هنا أنَّ بإمكان النظرة العلائقيّة للذكورة أن تسهّل تفسير مرونة الذكورة وتقلّبها المستمرّ، كما يمكنها أن تسلّط الضوء على خصوصيّات السياقات التي تُكوّن فيها الذكورة

تدخل علاقات الرجال مع النساء ضمن حلبة المنافسة هذه، لتصبح مقياساً لتقدّم وثبوت الرجولة أيضاً. في هذه الحلبة، يتحوّل كلُّ ذكرٍ إلى مسطرةٍ يقيس بحسبها الذكر الآخر مدى رجوليّته، وتصبح مرآة الرجولة الرجل الآخر، كما تقول نائلة منصور.

لاحظتُ من خلال المقابلات التي أجريتها أنَّ بعض الرجال لم يشغلهم سؤال الذكورة بقدر الآخرين، أو أنّهم بدوا أكثر تصالحاً مع ذكورتهم. لم يطاردهم هذا الشبح في علاقاتهم الاجتماعية أو في محاولات إدراكهم لأنفسهم وللآخرين، وتعود هذه الأريحيّة إلى تخلّصهم من البيئات السامّة التي أحاطت بهم، أو غياب سموم الأبويّة من البيئات التي تواجدوا فيها. بالمقابل، كان سؤال الذكورة هاجساً لدى الرجال الذين تحدّت بيئاتهم ذكورتهم خصوصاً خلال نشأتهم، كما كان الحديث أكثر ثقلاً عليهم مقارنةً بالشريحة الأولى. نرى هنا أنَّ بإمكان النظرة العلائقيّة للذكورة أن تسهّل تفسير مرونة الذكورة وتقلّبها المستمرّ، كما يمكنها أن تسلّط الضوء على خصوصيّات السياقات التي تُكوّن فيها الذكورة، ما يساهم في قراءةٍ شاملة ومعقّدة للذكورة، بعيداً عن التعميم والتأصيل والإسقاط. 

أهلي تطلّقوا وقت كنت صغير، وما كان عندي إخوة وقتا. شي كتير منيح لما يكونوا أهلِك مطلّقين، ما حدا بحاسبِك على شي. ما كان عندي شبكة للذكورة شوف من خلالها أشكال مختلفة للعلاقات بين الذكور. بيّي كان النموذج الأساسيّ للذكورة، هو بحب يتحكّم بكل شي. بجرّب ما كون متلو.

لما وصلت على الصف السابع، صار عندي كتير رفقة وصاروا البنات محور أساسي بحياتنا. الأساتذة كانو يقعدوا الصبيان المشكلجية حد بنات حتى يساعدوهن يصيرو أعقل، بس ما مشي الحال. كان في مسابقة دايماً بين الصبيان، أوّل حدا ببوس بنت، أوّل حدا بصاحب، أوّل حدا بفرجي الباقي انو سبقهن. هيك فهمت النساء أوّل شي: سلعة بتخلّيني أثبت انو أنا رجال.

صرت أوعى سياسيّاً بالصف العاشر، صرت الحليف النسوي تبع المجموعة، وبلشت شوف النساء كبشر. فهمت شوي شوي كيف مركّب المجتمع. كنت شوف هيك قصص على يوتيوب وساعدوني كتير افهم شو بدي. لاحظت انو ما بدي علاقات سطحيّة وتروفي غيرلفرند ولاحظت انو ما بدي كون المتسلّط والمتحكّم بالعلاقة، عكس الدور يلي جسّده بيّي.

هلق ما عندي كتير رفقة شباب، وبطّلت كتير صحبة مع رفقاتي الشباب من المدرسة. الحكي مع البنات أسهل وعندي كتير اهتمامات مشتركة معن. بفضّل الصداقات مع النساء لأنها أسلس وألطف. ما بيتسابقوا مين أيره أطول. بتواجد عادةً بمساحات بتهيمن عليها نساء. في كتير نساء بفضلوا يفصلوا هاي المساحات عن الرجال. بعتقد فينا نعمل هالشي بعدد من المساحات، بس مش الكل. أنا بحب هاي المساحات وبحب كون فيها. كمان التغيير الجذري بيتطلّب عمل الطرفين سوا مش الفصل.

— فريد

نرى إذاً كيف أنَّ أحد سبل الخلاص من السلوكيّات الأبويّة أو «السامّة» تكمن في التفوّق على البيئة حيث تتطوّر هذه التصرّفات أو في التخلّي عن هذه البيئة، كما في تجربة فريد الذي اختار أن يترك وراءه البيئات التي تنمّي وجهاً كهذا من ذكورته. من جهةٍ أخرى، لم تكن تجربة قيس مع التخلّص من البيئات السامّة للذكورة بنفس السلاسة. 

من أنا وصغير كنت على طول اسمع «إدعي الله يبعتلك أخ». إمي كانت تضل تقول لإخواتي وقت ما يساعدوها بشغل البيت «أنا ليش مخلفة بنات؟». كان في ضغط كتير كبير عليّي من أهلي وخوالي كلما اختلفت معن بأمور الدين والسياسة وحتى بطريقة حياتي وشكلي. ليش ما عم تصلّي؟ ليش عم تعترض؟ كيف بتخلّي اخواتك يعملوا هيك؟ لازم تكون رجال. كنت حس حالي كتير بعيد عن الصورة يلي رسمولي ياها أهلي. كتير كان عندي شك إذا يلي بعمله أو بفكر فيه صح. بعدين مع الوقت رضيت بالصورة الجديدة. 

بالمدرسة كنا نحكي بس عن الفطبول والبنات. كان في جو منافسة شديدة. مين أوّل حدا جاب الألعاب يلي كنا نلعبها، مين أوّل حدا حكى مع بنت، مين أوّل حدا نزل فيلم بورن. كنت على طول حاسس انو في حدا سابقني، انو في منافس أحسن. كنت مضطر حط قناع غريب أو قول قصص ما بتبنّاها حتى آخد فاليدايشن من الشباب يلي حواليي.

تحسّنت صداقاتي مع الرجال بعد المدرسة كتير، بس بعد بحس انو في قصص ما فيني احكي فيها. بعده موجود نفس القناع، بس صار أوضح وقتا بطلت حطّه. بحس حالي مبرمج اتصرّف بشكل بشع بس لقطّع قعدة معيّنة وما اتعرّض لتنمّر. بلجأ إجمالاً لرفقاتي البنات لإحكي عن علاقات أو مشاكل معيّنة عم مرّ فيها. في ضغط من رفقاتي الشباب لإتصرّف بطريقة معيّنة مع البنات، بفترات كنت امتصّ هالضغط وحسّ إني على طول مقصّر وانو يمكن عنجد أنا ما إلي فيها. بس بعدين بلشت حس إني مش مضطر برهن لحدا ولا شي. مع إنو حلو الفاليديشن من الشباب، بس قرّرت حارب هاي التصرفات لأنها عم تإذيني، بس مش شي سهل أبداً. 

بسمع كتير «شد حالك» إذا نقّيت ع الشغل أو إذا زعلت على بنت أو على علاقة. ليش عم تسمعلها؟ شو؟ جاييتك؟ إذا فرجيت 1% مشاعر بصير في مشكلة. بحس حالي برّا القالب يلي مُتّفق عليه ضمن القبيلة. في برو كود متّفقين عليه جنس آدم إذا حدا لا سمح الله حس بمشاعر، لازم نتدخل. وهيدا الشي بيجي من خوف طبعاً، ما بيجي من قوّة. بتصير المشاعر عدوى ممكن تنتشر، وإذا انتشرت بتفرط القبيلة. 

— قيس

يصبح من الأصعب التفوّق على البيئة السامّة إذا ما كانت تلتصق بصداقاتٍ أو علاقات أساسيّة لا يُمكن أو يُراد التخلّص منها، كما أنَّ الخوف من الانعزال الاجتماعي عن الرجال يبقى حاجزاً أساسيّاً يحول دون الابتعاد عن هذه البيئة. تبقى البيئات الأساسيّة كالعائلة والمدرسة والصداقات أحد أبرز مصادر الاغتراب الذي يشعر به الرجال اليوم، إذ يجدون أنفسهم عالقين بين محاولة التحرّر من الترويض وبين مسايرة الضغوط المفروضة عليهم من قبل هذه البيئات. 

روح لعاب بالطابة. روح لعاب بألعاب الصبيان. روح مع بيّك ساعده. نزال تكّ الكهربا. ما كنت اعترض أو اتشارع مع أهلي بهالموضوع، وكان ماشي الحال أوّل شي. بس وقت بلشت فرجي أهلي إني مش مهتم بالقصص يلي بيعملوها الصبيان، ضليت اسمع حكي منّن ومن اختي لحتى إرجع اتصرّف متل ما بدّن. أهلي تقليديين، بيآمنوا بالأدوار الجندرية وكيف لازم تتقسم الأمور، بس بنفس الوقت بيّي كتير عاطفي وما بخبّي مشاعرو، بيبكي قدامنا عادي، كتير حنون وبيهتم. آدمي.

من أنا وصغير عرفت انو لازم يكون عندي شخصيتين، وحدة لأهلي وعيلتي ووحدة مع رفقاتي المقرّب منّن. لازم اتصرّف كرجّال قد ما بقدر، ممنوع إغلط أو إزلق، أو كل شي بيضيع، كل شي بنيته يمكن يروح. تعلّمت انو في أشياء بشعة لازم قولها لحتى انتمي. بالمدرسة، كنت كتير مشغول بكيف بدّي خبّي حالي. عرفت إني غاي لما كان عمري 7 أو 8، بنفس الوقت يلي بلشت اسمع فيه انو المثليين لازم ينحرقوا وينقتلوا. بهاي الفترة، صرت اسمع أغاني بتحكي عن هاي التجربة. «بورن ذيس واي» لليدي غاغا مثلاً، وقتا يقولولِك إنها أنقذت حياة كتير عالم، هالشي مظبوط. من كم سنة لبلّشت اتقبّل حالي، بس بعدني بسأل حالي ليش أنا هيك.

ضلّيت حس بضغط إني لازم اتصرّف كرجّال بالعلاقات يلي كوّنتا بعدين. لازم كون «توب»، رجّال، إعتني بشريكي وإحمي وساعد. حتى لو علاقة بين رجالين، بحسّا مش ظابطة إذا كنت الأضعف أو إذا عبّرت زيادة عن مشاعري. هي الديناميكيات كتير عادية بالعلاقات المثليّة، مش غريبة أو محصورة بالعلاقات السترايت. عم جرّب بآخر فترة عبّر عن الطرف الفيمينين من شخصيتي، بحط مكياج أو برقص، شعور كتير تحرّري.

— پول

لا يتشارك جميع الرجال تجربة تحدّي ذكورتهم منذ صغرهم، وبالتالي لا تشكّل الذكورة عبئاً على حياتهم اليوميّة، ولا يشغلهم سؤال «هل أنا رجل بالحدّ الكافي». لم يكن كلّ من جاد وزوزو محاطين بشبكةٍ مسمومة للذكورة، كما وصفها فريد. 

ما كان في كتير فرق بين أفراد العيلة بالبيت لمّا كنت ولد. كنّا كلنا نساعد بشغل البيت. أنا بجلي كتير كدكر. بيّي عوّدنا أنا وإخواتي انو يكون عنّا نظرة نقديّة على كل شي. ما بحسّو مقيّد بالنظام الذكوري. كتير اشتغل ومرق بقصص، كان مدرك شو يعني حياة المخيّم، وجرّب على طول يلاقي طرق حتى ما نضطرّ نعيش هيك.

بالمدرسة، كانوا يحكوا عن البنات والبلوغ والتجارب الجنسية. ما كان عندن مراجع لهاي الأحاديث، فاضطروا يخلقوا مراجع لحالن. بتذكر مرّة حدا بالمدرسة جاب قاموس فيو رسم لتشريح الجسم حتى نشوف كلنا أجسام الرجال وأجسام النساء، مش من باب الهوس، من باب الفضول. ما كان حدا عم يفهم التغيّرات يلي عم بحس فيها، فكانوا يحكوا فيها ليفهموها سوا.

بالمرحلة الثانويّة، كنت بمدرسة صبيان. في كتير وصم للمدارس يلي مش مختلطة، بس هي متلا متل غيرا، بصير فيّا نفس القصص. بهديك الفترة، كان عندي فضول حول لمين بنجذب. كنت بعرف انو هالشي بينافي القواعد الاجتماعيّة، بس ما كنت متعوّد احصر حالي بطريقة التفكير هي. يا أما عنّا خيار انو ما نكبت حالنا، أو انو نتقوقع على حالنا، وهو يلي بصير بمعظم الحالات بسبب البيئة.

كان عندي رفقة بنات برّا المدرسة. كنت حس انو الصبيان بمدرستي ما بيعرفو يتعاملو مع بنات. إذا شافو بنت بينأزو، انو انتبه، في حدّك بنت. في صبيان كانو يقولو انو بيقرفو من البنات وبيقرفو يدقروّن. كان في حواليّي رفقات اخواتي الأكبر، فما كنت حس بنفس الضياع، كمان صادفت أفكار مختلفة بالأغاني والثقافة والشعبية ساعدتني من هي الناحية.

— جاد

كما نرى من خلال تجربة جاد في المدرسة، يشكّل غياب التثقيف الجنسيّ والمرجعيّات التربوية البديلة عن المراجع الأبويّة عائقاً أساسيّاً أمام تطوير وعيٍ يحدّ من تشرّب التعاليم الذكوريّة وأمام إدراكٍ متكامل للذات والآخر، خصوصاً النساء. 

أنا وإخواتي الشباب كنّا نساعد إمي ونشتغل بالبيت أكتر من إختي. ما كانت تعمل شي. بيّي بيتحكّم بكل شي حواليه، بس ما بحس عن قصد، هو هيك طبعه. كنت بمدرسة مسلمة فكان الجو محافظ إجمالاً. كنا نحكي عن فطبول وفيفا وأفلام. شوي شوي صرنا نحكي عن البنات، بس ضلّت هالأحاديث جانبيّة، ما بتسمعيّا على نطاق أوسع من مجموعات صغيرة. كان في جو منافسة أكيد، وضل معي لهلأ، بس أنا بستعمله كمحفّز.

بالجامعة تعرّفت على كتير عالم وبلّشت عيد التفكير بقصص خصّا بالدين والمجتمع. بهاي الفترة بلّشت كوّن الأفكار يلي بمشي عليها اليوم. كان عندي علاقات كتير سيئة مع بنات، كانت كلّا ابتزاز واستغلال وتحكّم. مشاكل سيطرة وإنسيكيوريتيز وعقد من الأهل. فتعلّمت كيف لازم تكون وما تكون العلاقة الصحيّة من هاي التجارب. بس كمان ما بلومن على هالتصرّفات، كلنا منتصرّف هيك أوقات. بس بشكل عام، الرجال لازم ينتبهوا أكتر انو ما يتصرّفوا بهاي الطريقة، لأن أصلاً بيتحكّموا بكل شي بالعالم.

ولا مرّة بكل هاي المراحل ربطت حالي بمفهوم الرجولة. لاحظت ع بكّير انو كتير بدّا شغل قصة انو الواحد يكون المعيل الأساسي ويتصرّف كرجّال بالمعنى الذكوري. ما عندي هاي الصورة براسي. ما بحس حالي رجّال هلقد لأن ما كتير بيهمني أو بيشغلني الموضوع، وما بحسّه بحدّد طبيعة علاقاتي أو مسار حياتي. في أشياء بتوتّرني أكتر بكتير من الذكورة.

— زوزو

نرى هنا أنَّ التخلّي عن أساطير الرجولة كان خياراً يساعد على التحرّر الجزئي من قيود الذكورة، كما في تجربة زوزو الذي رفض أن يحمل شعلة الرجولة وأن يمشي بها. 

اختلفت تجارب تشكيل الذكورة وتبدّلت أوجهها، لكنّ البيئات التي طوّرت هذه الذكورات، خصوصاً خلال المرحلة الدراسيّة، اتّفقت على عنصرٍ واحد، وهو النظرة السلبيّة للأنوثة كما رأينا في المقابلات. بقي الخيط المشترك بين هذه البيئات، رغم فوارقها، تنميط وشرعنة تحقير النساء منذ السنوات الأولى. 

من أين يأتي العنف؟

استذكر جميع الرجال الذين تحدّثت إليهم جلساتٍ شهدوا فيها على تحقيرٍ واستهزاءٍ بنساء تربطهنّ علاقةٌ ما بالمجموعات التي تدور فيها أحاديثٌ كهذه. اعترف معظمهم أنَّ كونهم شهوداً على هذا التحقير هو جزءٌ من المشكلة، قبل أن يستشهدوا بثمن الاعتراض الذي اضطرّوا أن يدفعوه عند رفضهم طقوس التحقير. 

رح أعطيكي مثال. إذا قلتلك إلك شي سلبي عن بنت عم اضهر معها، ردّة فعلك رح تكون غير بكتير عن ردّة فعل حدا شب. ما حتقوليلي شو بدّك فيها هي وحدة مجنونة وخوتة. بس هي أوّل كلمة بتنقال إذا حكيت مع شب بالموضوع. في ملايين الأمثلة. بنفس الوقت ما بحس هيدول الشباب مأيرين، بس بيتخبّوا ورا أصابيعن كتير.

— قيس

من وين برأيَك بيجي هاد النوع من العنف؟

قصص متل الرفض، الفرند زون، العلاقات الفاشلة هي بتخلي شخص يمكن ما يتعامل مع الموضوع بطريقة مظبوطة. وقت كنت أصغر، كان حيلّا رفض بتعرّضله يخلق حقد. بعد فترة بتبلشي تحسّي انو هيدا الرفض طبيعي. إذا الواحد ما تعامل مع الإحساس بعدم الأمان (الإنسكيوريتيز) بطريقة مظبوطة بعتقد بيخلق حقد بودّي على فكرة انو اي كل البنات بالآخر بيفتشوا على يلي معه مصاري، أو يلي أحسن منك. بدل ما اتعامل مع انو حاسس حالي ناقص شي، رح نط على فكرة انو البنات ما بينوثق فيّن. دايماً بتشوفي كومنتس على بوستات أندرو تايت انو مين آذيك؟ مين نيّمتلك؟ فإنو دايماً منرجع لهيدا الموضوع لأنو هو المصدر الأساسي.

— قيس

هالشي بيجي من الإنسكيوريتيز أكيد. الرجال كتير إنسكيور وبيسقطوا هاي المشاعر على النساء، خصوصاً هلق بعصر أندرو تايت. هيدا الإسقاط بتحسّيه كأنه الغريزة الأولى، أوّل ردّة فعل بتخطر ع بالنا. يمكن بأيّام المدرسة كانت عندي ردّة الفعل هاي، بس هلق لا.

— زوزو

كنت اسمع كتير حكي عن البنات بالمدرسة. انو اي هي طيبة وهي بتنشال وهي شرموطة. ما كنت احكي شي لأن كنت بعدني عم اكتشف حالي، وإذا قلت شي غير هيك رح يعرفوا إني غاي. كانوا يحكوا عن الغايز بنفس الطريقة الفوقيّة. إذا بتدافع عن المثليين أو عن النسوان يعني انت مش رجال. هالشي بيجي يمكن من الإنسكيوريتيز والمجتمع والدين، وما كان في مرجع تاني نقرا فيه عن هاي القصص. إذا انت غاي يعني انت مش رجال، وإذا انت مش رجال يعني انت مرا.

— پول

ما بحس الصبيان على صغر عندن نيّة مؤصلة لتحقير النساء، هو شي مكتسب أكيد. بمدرستي كانوا الصبيان يحكوا هيك بس لحتى يقولوا شي مثير للجدل مش أكتر. ما حدا بيقلّك شي إذا حكيتي بهالطريقة، كان شي طبيعي.

— جاد

بالمدرسة كان في كتير تلطيش وتحرّش حتّى، خصوصاً من قبل الأساتذة، بس ما حدا كان يعترض أو يقول شي. كل الأحاديث عن البنات كانت انو اي أنا دكر وهي بدّا أيري. كانو يلجأو للتحقير ليأثبتو رجولتن، وأكيد كانو يعملو هالشي ع حساب النساء. بالصف العاشر، صرت «النسوي» تبع المجموعة. كنت قول لرفقاتي انو التحرّر الجنسي لمصلحتنا، ما تقولو عن هالبنت شرموطة مثلاً. في عالم اقتنعت وفي عالم كانت تضحك أو تتجاهل الحديث.

— فريد

هناك إجماعٌ إذاً على أنَّ العنف ينبع من انعدام الشعور بالأمان الذي ينبع بدوره من المنافسة الشديدة وأولمبيادات الرجولة التي تُمارس على الذكور وبينهم منذ السنوات الأولى، كالتنافس على مركز أحسن وأقوى وأجغل ذكر. 

في الختام 

بعرف طوّلت عليكن وعلى المحرّر والمصمّم بس رح اختم ع السريع.  

تقول المعالجة النفسيّة والكاتبة إستر بيريل في إحدى حلقات بودكاست «مان إنوف»، «من الصعب اكتساب الرجولة، ومن السهل خسارتها». نرى من خلال المقابلات أنَّ عمليّة تكوين وإعادة تكوين الذكورة عملٌ شاق، وأنَّ محاولات إثبات الرجولة قد تحتلّ أحياناً الحيّز الأكبر من تجارب الذكور في علاقاتهم الاجتماعيّة وعلاقاتهم مع أنفسهم. بالمقابل، يجد الذكور أنفسهم أمام خطر العزلة الاجتماعية والمحاكمات الذكوريّة التي تجرّدهم من رجولتهم في حال شاهروا برفضهم قوالب الذكورة الأبويّة. 

أعود إلى السؤال في العنوان، «كيف يصبح الصبيّ رجلاً؟»: 
قد لا يصبح الصبيّ رجلاً، وقد يجد في ذلك كثيراً من الحريّة. 
قد يصبح الصبيّ رجلاً بكيفه وبحسب معاييره الخاصّة، وقد يجد في ذلك كثيراً من الحريّة. 
وقد يفني الصبيّ حياته بحثاً عن الرجولة، فيعثر عليها أو لا يعثر، وقد يجد في ذلك كثيراً من الحريّة. 

رسوم: رامي طنوس (2023)
كيف يصبح الصبيّ رجلاً؟

اخترنا لك

من هو هذا الرجل؟ الرجولة في الفيديو كليب
نظرة

الأب، صورة غير شعبيّة من الحرب الأهلية 

ميريم دلال
أزمة الذكورة في الحربِ وأدبِها
فكرة

أزمة الذكورة في الحربِ وأدبِها

سمير سكيني
يوميات

درّاجتي، والذكور، وأزمتهم

دارين أبو سعد
أن تُصبِح رجُلاً
01-04-2023
نظرة
أن تُصبِح رجُلاً
الذكورة أيضاً تهلع
نص

الذكورة أيضاً تهلع

عمر مسمار
تحليل

الارتباك أمام التخلّي

رهام مرشد
أنبياء الرجولة
31-03-2023
فكرة
أنبياء الرجولة

آخر الأخبار

تعليق

غزّة على أبواب البانتيون

ميغافون ㅤ
حدث اليوم - #فلسطين الجمعة 23 شباط 2024 
قتيل وجريح على حاجز لحرس بيروت: تبريرات للجريمة بحجّة انتظار التحقيقات
مختارات من الصحف الإسرائيلية 23/2/2024 
الاحتلال يضيّق على المصلّين في القدس
هذه خطّة نتنياهو لليوم التالي بعد الحرب