تحليل أزمة الذكورة
رهام مرشد

الارتباك أمام التخلّي

مأزق الذكورة المعاصرة

31 آذار 2023

ماذا يعني أن يظهر صبيٌّ على تيكتوك يدخّن السيجار بلا قميص، ويردّد أفكاره عن الفحولة والقوّة وكره النساء، ويحصد 11.6 مليار مشاهَدة؟ ماذا يعني أن تكرَّر مقاطعُه وتُعاد وهي تحوي أشدّ الوصفات والنصائح تطرّفاً عن كيفية أن تكون رجلاً عصرياً؟ ماذا يعني أن يُعجَبَ ملايينُ الشباب بشخصية كأندرو تايت، ويتابعوا عبادته للاستهلاك والثروة والفحولة واحتقار النساء؟

في زمنٍ بعيد، كان هناك صكٌّ اجتماعيّ متّفقٌ عليه ضمنياً لشكل الذكورة، تمثّلَ عموماً بحماية النساء والأطفال ورعايتهم. بدأ الشكل القديم يتخلخل مع الزمن لتتشكل أزمة في هوية الذكورة، أزمة تعود جذورها لما بعد الحرب العالمية الثانية، جراء تحوّلات اجتماعية واقتصادية، كدخول النساء في سوق العمل وتحصيل حقوقهنّ السياسية بشكل أكبر، وصولًا إلى اختراعات طبية كحبوب منع الحمل التي ساعدتهنّ على التحكّم بأجسادهنّ، وغيرها من الديناميكيات الاجتماعية.
ساهم كلّ ذلك في تغيير الصكّ القديم للأنوثة المتمثّل في الولادة والتربية والرعاية، في بعض المناطق أكثر من غيرها، لتحلّ محلّه خيارات جديدة أمام النساء، مدفوعة بالحركات النسوية في العالم.

لكن ما الذي حلّ تحديداً مكان صكّ الذكورة القديم الذي بدأ بالتلاشي؟ هل حلّت مكانه هويات جديدة، أم حصل فراغٌ ثقافيٌ كبير، تتجاذبه تياراتٌ متناقضة، تتنافسُ حول معنى أن تكونَ رجلًا عصريًا؟ أم هل حلّ مكانه ما يُعرَف بأزمة الذكورة؟ أزمةٌ دفعت العديد من الرجال إلى رهاب النسوية والمثلية واليسار؛ محمولين بشعورهم المرير بالاستحقاق الذي يتضخّم، كلّما حرموا أكثر من مطالبهم التقليدية بالسلطة والامتياز.

ضمن هذا الحقل من الاحتمالات والقلق الذي أنتجته، ظهر أنبياء الذكورة الجُدُد، والـ11 مليار مشاهدة على تيك توك.


أزعر الرجولة الجديدة: أندرو تايت

خلق هذا القلق سوقًا سارع لتلبيته بائعو الرجولة، أمثال أندرو تايت وجوردان بيترسون وجو روغان وعمرو فضل الملقب بمايرون جاينز، وأنتوني ونيك كاسسانتا. وهذا ما جعلهم يتصدّرون قوائم الأشخاص الأكثر بحثاً ومتابعة، من قبل أعداد هائلة من الشباب الأصغر سنّاً والرجال الباحثين عن تفسير لخيبتهم، بعد شعورهم بأنّهم على الضفّة الخاطئة من الحركة المجتمعية.

نستطيع وضع اللوم كاملاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب طريقة عملها المبنيّة على نشر الخطاب الأكثر تطرّفاً أو إثارةً. لكنها ليست السبب الوحيد. فهذه الظواهر تصل للقمّة أيضاً لأن «الناس تريد مشاهدتها»، مثل أندرو تايت الذي شوهد أكثر من 11.6 مليار مرّة، وسمّي بملك الذكورة السامّة.

يروي تايت قصّةً بسيطةً عن صبيٍّ فقير تحوّل إلى ثريٍّ مشهور، «بجهده وذكائه»، ليستخلص منها دروساً عن الرجال والمال والسيارات والجنس والسلطة. بساطة القصّة لا تلغي خطورتها. فتبدأ قصّة الصبيّ الذي ليس إلا تايت نفسه، مع أهله وأصوله المتواضعة حيث كانت والدته تعمل في تقديم الطعام، ووالده، إيموري تيت، أستاذًا دوليًا في الشطرنج من أصل أفريقي. ولد أندرو في واشنطن ونشأ في لوتن- إنجلترا، لعب الكيك بوكسينغ في صالة الألعاب الرياضية المحلية، واستمر في القتال وفاز ببعض الألقاب. 

تغيّر كلّ ذلك حين قرّر التقاعد وتغيير مهنته.

أندرو تايت

بدأت شهرته على منصات التواصل الاجتماعي عند ظهوره في برنامج الحياة الواقعية Big Brother حيث طرد من البرنامج عام 2016 بعد نشر مقطع فيديو له يضرب امرأةً بحزام (ادّعت لاحقاً أنّ ذلك كان بالتراضي). قرّر تايت أن يصبح غنياً وجنى أوّل مليون دولار له عن طريق إقناع العديد من النساء باستخدام Web Camera لدواعٍ جنسية.  يقوم المؤدي/ة ببث مباشر على الأنترنت، أو تسجيل مقاطع تقدّم خدمات جنسية كالتعري أو ممارسة العادة السرية أو غيره حسب الطلب والموافقة، ويحصلون مقابل ذلك على المال. أقنع اثنتين من صديقاته للعمل معه، وكان يؤمّن المعدات التقنية والبيوت التي يعملنَ منها، ويدير العملية. كان يأخذ أكثر من 50% من حصّتهنّ جرّاء هذا العمل الأشبه بقوّاد على الإنترنت.
في الوقت ذاته، ظهر في مقاطع على منصّات التواصل وضمن بودكاست وعلى قناته على يوتيوب ليعطي نصائح للشباب عن كيف يصبحون أغنياء أو كيف يتعاملون مع النساء. لم يخفِ تايت موقفه من النساء أو من استغلاله لهنّ. فنشر فيديو على يوتيوب، يوضح فيه كيف استخدم النساء في حياته، ثم جنّدهنّ للعمل في الجنس على الإنترنت، واستغلّ عملهنّ وأخذ الفوائد المالية والجسدية منهنّ. ثمّ أسّس موقعاً أسماه «دكتوراه في تعلّم القوادة» (PhD on pimping) لا تزال مقاطع منه موجودة حتى اليوم على يوتيوب، يوضح فيها كيف استخدم النساء في حياته، ثم جنّدهنّ للعمل في الجنس على الإنترنت، وكيف استغلّ عملهنّ وأخذ الفوائد المالية والجسدية منهنّ.

خلال هذه الفترة، كان تايت لا يزال يعيش في بريطانيا، وكانت شرطة المملكة المتحدة تحقّق معه بمزاعم انتهاكات ضدّ نساء. وبعد مداهمة منزله، وجّهت له الشرطة 11 تهمة، وسُجِن يومين، ليغادر بعدها لندن متوجّهًا إلى رومانيا. شرح تايت أسباب هذه الخطوة بمقطع فيديو أشار فيه بشكل غير مباشر إلى أنه من الأسهل التهرّب من تهم الاغتصاب في رومانيا.  كما قال إنّ العالم الغربي في تدهور؛ لذا يفضّل العيش في أوروبا الشرقية لأن فيها الكثير من الكنائس، أو في دبي لأنّ الفساد هناك مسموح للجميع وليس مقتصراً على فئة قليلة. واستمرّ في تصريحاته المعادية للنساء، حيث رأى في العديد من المناسبات أن النساء ينتمين إلى المنزل، ولا يستطعن ​​القيادة، هنّ ملك للرجال، وأنّه يفضّل مواعدة نساء تتراوح أعمارهنّ بين 18 و19 عامًا لأنه يمكن أن يترك بصمة عليهن. كما اقترح أن على ضحايا الاغتصاب أن يتحمّلنَ جزءاً من مسؤولية الجريمة التي عانَيْنَ منها.
وحين سُئل: بما أنك تُبقي منجلاً جانب سريرك؛ ماذا لو اتّهمتك إحدى النساء بالخيانة ورفعت المنجل عليك؟ ردّ تايت واصفاً طريقة التصرّف السليمة بأنّه سيضربها على وجهها، ويوقع المنجل من يدها ثم يقول لها اخرسي أيتها العاهرة. وأضاف: هكذا تسير الأمور صفعةً، صفعةً، تمسكها، تخنقها، ثم تمارس الجنس معها.

حُظِر تايت إثرَ تصريحاته وسلوكه عن العديد من منصات التواصل، ومن ضمنها فيسبوك وتويتر ويوتيوب وإنستغرام وتيك توك. لكنّ ذلك لم يمنع جيش المتابعين والداعمين من إغراق الإنترنت بمقاطع له. كما لم يمنع الشباب الذين يشكّلون حوالي 91% من جمهوره، من متابعته وعشقه. فهو لا يقبع في زاوية مظلمة من الإنترنت، بل تنتشر مقاطعه بشكل كبير حتى بعد حظره.

لفهم سطوة أندرو تايت على المراهقين والشباب الذكور، علينا الابتعاد قليلاً عن أحاديثه عن النساء، والتركيز على ما يقوله للذكور، وما الذي يفتقده هؤلاء للانقياد وراء خطابه. فهو يمسّ جرحاً لديهم، قلقاً وجودياً يدفعهم للتساؤل عن معنى أن تكون رجلاً اليوم، ويجيب عن تساؤلاتهم حول هويّتهم بدفعهم للعودة نحو ذكورية قديمة تتمسّك بامتيازاتها، ويجرّهم باتجاه التوافق النفس-اجتماعي الذي تحكمه أساساً رغباتهم ومكتسباتهم. نموذج الذكورية الذي يطرحه في خطابه، وينصح بالعودة إليه، هو الرجل البطريركي، الوصيّ، القوّام على عائلته، خاصة نساءها. هو الفحل الرافض لمشاعره، المحموم بالمنافسة وتحصيل الثروة قبل أيّ شيء.

يعمّم تايت ظروف حياته عليهم، كما أفكاره، فيستخدم قصة ثرائه ليثبت أنّ الجميع باستطاعتهم أن يفعلوا مثله: أيّ ذكر لديه القدرة على تغيير حياته عن طريق اتّباع نصائح تايت والانضمام إلى جامعته Hustler's University التي تقدّم دروساً حول الاستثمار، والعملات المشفّرة، ووسائل أخرى للربح السريع. لكنّ وصفة تايت للشباب بسيطة: لا تبكِ، لا تعبِّر عن مشاعرك، لا يوجد شيء اسمه اكتئاب، استعرض فحولتك. وصاية، قسوة، قوّة، وها قد حصلت لنفسك على رجل رأسمالي، متوحّش، يستخدم التكنولوجيا بأقذر الطرق مع أفكار حول الرجال تعود للعصور الوسطى؛ يحصد المال والشهرة على أجساد النساء، واستغلال الخوف عند الرجال والشباب.


بروفيسور الرجولة الجديدة: جوردان بيترسون

عندما نفكّر في سوق المؤثِّرين المعاصرين، يتبادر إلى ذهننا جوردان بيترسون الذي يبدو وكأنّه يختلف عن تايت. لكن إن بسّطت أفكار بيترسون للاستخدام الشائع، ستراها متمثّلة بأشخاص مثل تايت وحمزا.

جوردان بيترسون أستاذ كندي في علم النفس. درّس سابقاً في جامعة تورونتو، قبل أن يشتهر في خريف 2016، بعد انتشار مقطع اعتراضه على قانون C-16 الذي سنّته كندا بخصوص استخدام الضمائر المفضّلة للشخص. شكلت مقاطع فيديو النقاشات مع طلابه في ساحة الجامعة، وتحدّيه لقانون الهوية الجنسية، وادعاؤه بأنّ هذا القانون تعدٍّ على حرية التعبير، حفلة الشهرة الأولى له. ورغم عمله كأستاذ معروف في جامعة تورونتو وممارسته علم النفس السريري، ونشره كتابه الأول «خرائط المعنى: هندسة المعتقدات» في عام 1999، فإنّ شهرته ذاعت عندما نشر سلسلة من ثلاثة أجزاء على يوتيوب في أيلول 2016 تسمّى أستاذ ضد الصواب السياسي. يُبدي بيترسون امتعاضه من تطوّرين: تعديل فيدرالي لإضافة حرية التعبير عن الهوية الجنسية إلى قانون حقوق الإنسان الكندي؛ وخطط جامعته للتدريب الإلزامي على مكافحة التمييز. ومن هنا، انتقل إلى انتقاد الماركسية الثقافية الحديثة، ومنظمات حقوق الإنسان، و«الجهاز السري للدوافع السياسية اليسارية الراديكالية»، التي تفرض عليه ضمائر محايدة جنسانياً.

جوردان بيترسون

بعد ذلك، استضافته العديد من البرامج الحوارية، لكنّ شهرته ذاعت بعد مقابلته مع كاثي نيومان على القناة الرابعة، والتي تحوّل من بعدها إلى الدكتور الجامعي الذي وضع النسوية واليسار عند حدّهما. بعد تلك المقابلة، وصلت قناته على يوتيوب لحوالي 6.5 مليون مشترك، كما تصدّر كتابه الثاني، «12 قاعدة للحياة» قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في كندا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، وهو الذي يحتوي على دروس مثل أن عليك أن ترتّب بيتك وفراشك، وأن تقف وأنت ترجع كتفيك للخلف، وأن تكون دقيقاً في كلامك، وأن تحاول ألا تفعل أشياءً غبية.

يقول بيترسون: إن الروح الذكوريّة تتعرّض للهجوم، كما أن الغرب فقد إيمانه بفكرة الذكورة، وهذا لا يختلف عن موت الإله. فبالنسبة لبيترسون، لا شيء اسمه النظام الأبوي، ولا تمييز ضدّ النساء تاريخياً. أمّا تسلسل الهرمية الاجتماعية، فهو نتاج التطوّر وليس الاستغلال الرأسمالي. 

يدافع بيترسون عن أفكاره مستخدماً استعارة الكركند (Lobster). فالمهيمِن هو مَن ينجو في حياة الكركند، كما في الحياة البشرية، ونحن نتشارك التركيبة الكيميائية العصبية نفسها مع تلك الكائنات رغم انفصالنا عنها منذ 600 مليون سنة: الكركند أقلّ تعاطفاً وليس اجتماعياً، لذا عليك أن تكون مثله قاسياً ومتيناً. كذلك يقود بيترسون متابعيه نحو نظريات علمية غير مثبتة، وليست ضمن اختصاصه الأكاديمي، لتمجيد القوة والقسوة والأدوار الجندرية التقليدية. فمن غير المنطقي، برأيه، أن يصبح الناس على مستوى واحد، إنما وجودهم في درجات بتسلسل معيّن هو الطبيعي، وهو ما يجعل الحياة تنجح.
يوجّه بيترسون أصابع الاتّهام بشأن أزمة الذكورة إلى النسوية واليسار الثقافي الحديث. يقدّم مجموعةً من إملاءات المساعدة الذاتية، متمثلة بكتبٍ تحوي نصائح مكرّرة مثل ترتيب فراشك والنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس، ليحوّل الغضب الاقتصادي والسياسي، إلى غضبٍ ضدّ النسوية واليسار.

قد لا يكون ذلك مجدياً للرجال، لكنّه مُجدٍ لجمع حوالي 7 مليون شخص على قناة بيترسون؛ يتابعون خطابه، ليسمعوا أنّهم ليسوا مخطئين ولا يحتاجون لتعديل شيء في حياتهم.


سوق الرجولة

إلى جانب الشهرة التي يجنيها منظِّرو الذكورة الجدد، يبدو عملهم سوقاً مغريةً للاستثمار، وهم دائماً يبيعون في هذه السوق، ومن الصعب على أي شخص ألا ينتبه لرائحة الاحتيال.

يعمل اليوم ما يسمّى بـ«اللايف كوتش» أو المرشدين الرجال على تحويل صفحاتهم لتغذية متابعيهم بالخطابات التحفيزية، عبر تزويدهم بنصائح عن كيفيّة العيش أو السلوك. يدور موضوع المرشدين، بشقٍّ كبير منه، حول المال. وهذا ما ينطبق على مبشّري الرجولة الجدد. فبعدما اشتعلت النيران حول بيترسون، بدأ سوقه بالبيع، عدّل ملابسه وكلامه، وأخذ يبيع جولاته التعليمية ومحاضراته ودوراته الشخصية الخاصة في أنحاء العالم. كما رعت مدرسة أكتون للأعمال زمالة بيترسون غير المعتمدة، وأصبح يقدّم بودكاسته الخاص. استقال من وظيفته كأستاذ في جامعة تورونتو، بعدما وجد أنّ جولاته العالمية أكثر ربحيّة، وكذلك التحدّث وتأليف كتب نصائح عن الحياة. وانضمّ جوردان مؤخراً إلى شبكة +DailyWire، التابعة لبين شابيرو، اليميني المتطرّف، وصرّح بشكل مباشر أنهم قدموا له عرضاً مالياً مغرياً.

الصفحة الرئيسية لجامعة Hustlers University

أما تايت، فأسّس ثراءه على أكتاف صديقاته، وأسّس بعد ذلك جامعته Hustlers University، على خطى ترامب الذي أسس جامعة تمّت مقاضاتها لاحقاً. تقدّم جامعة تايت تدريباتٍ في التجارة الالكترونية من قبل رجال، في عمل تفوح منه رائحة الاحتيال، ويتقاضى رسوماً منخفضة (49.95 دولاراً شهرياً). لكنّ الجامعة فعلت أكثر من تقديم بعض التدريبات، فكوّنت جيش تايت الغاضب والجاهز للتحرّك والعمل. يوضح الفيلم الوثائقي الذي صوّره مات شاي لصالح فايس، كيفية عمل الجامعة. فالمنتسب لها لا يحصل على معلومات وحسب، بل يُطلَب منه مشاركة فيديوهات قصيرة لتايت. فمن النصائح المقدّمة، أنّ التواجد على الانترنت عملة، يجب أن تستغلّوها: إن لم يكن لديك الكثير من المحبّين، فلا بأس بالكارهين، المهمّ أن تثير جدلاً لتصل للجماهير. كان تايت يجني حوالي 5 ملايين دولار شهرياً من الجامعة، لكنها كانت تساعده أيضاً في كسب ثروة على أكتاف الرجال المشاركين، إضافةً إلى خلق جيشه الذي يُغرق الانترنت به.


الذكورة السامّة كمدخل لعودة اليمين المأزوم

يصطفّ ملوك الذكورة السامّة في جانب واحد من الحرب الثقافية. فتتشابه مواقفهم، مثل تبرير الحرب على أوكرانيا، واعتبار أنّ الروس يدافعون عن الرجولة والمحافظة، ورفض الانجرار إلى ما يرونه انحطاط الغرب. كما يتشاركون دعمهم لترامب، ويتذمّرون من الحديث عن التغيّر المناخي، ويجتمعون على كره النسوية واليسار والمثليين والعدالة الاجتماعية والمساواة. يركبون موجة الصعود اليميني، وربما يشكّلون جناحاً كبيراً لم نلمس حجمه الحقيقي بعد، فهم ليسوا سياسيّين تتابعهم فئة واحدة، بل يتحدّثون عن كل شيء ويتابعهم الملايين.

يرسم بيترسون الوجه المثقّف، الطافح بالأفكار والتفسيرات، ليتصدّر مكافحة ما يسمّيه «الماركسية الجديدة لما بعد الحداثة» أو «الماركسية الثقافية»: بعدما فشل الماركسيون في كسب النقاش الاقتصادي، قرّروا التسلّل إلى نظام التعليم وتقويض القيم الغربية بأفكار شريرة لا يمكن الدفاع عنها، وهي معادية للإنسان. يتملّص بيترسون من يمينيته، لكنه يقترح أن الناس ليسوا سواسية، وأن هناك واحداً من عشرة أشخاص معدّل ذكائهم أقلّ من 80، إذاً ماذا نفعل بهم؟ يسأل. الحلّ الذي يقترحه ضمنياً، ويترك للشخص الذي أمامه أن يتبنّاه، هو ما حصل سابقاً، أي الحلّ الفاشي أو ربّما النازي لنتخلص منهم.  

يحاول جوردان إثبات أنه ليس سياسياً، بل شخص موضوعي، يتّبع المنطق، وتساعده خلفيّته الأكاديمية في إضفاء بعض المصداقية على آرائه. فهو ليس كبين شابيرو أو دونالد ترامب. بالعكس، إنه يظهر بمظهر المنطقيّ والعارف بما يتحدث، أو على الأقل يعطي هذا الانطباع. هو داعم كبير للاقتصاد الرأسمالي والثقافة الاستهلاكية، ومحارب حقيقي ضد العدالة الاجتماعية. فيدّعي أنّ المفاهيم الأساسية للعدالة الاجتماعية، كالاعتراف بوجود النظام الأبوي وتهميش النساء ومعاملتهنّ كبشر من الدرجة الثانية والاضطهاد الاستعماري أو الامتياز الأبيض، ما هي إلا نظريات مروّعة. إنها كذبات ماركسية، ويمكن دحض كلّ هذه الأوهام عبر العلم والمنطق. رسالة بيترسون للعالم بسيطة: الأيديولوجيا اليسارية ستكون نهاية الحضارة الغربية، وربما العالم

أما تايت، فيأتي تبسيطاً لكلام بيترسون. مثالٌ عن عيش حياة استهلاكية، مادية، لا أخلاقية لأكبر حدّ، قائمة على الاتجار بالجنس، وتجميع المال والثراء الفاحش.


القلق الوجوديّ للذكور وشعورهم الجريح بالاستحقاق

إذاً لماذا يتابع الشباب أنبياء الرجولة الجدد؟ 

يتناسب منظّرو الذكورة الجُدُد مع ما يسمّى اليوم manosphere. هؤلاء الأنبياء الغاضبون هم أعراض لأزمة الذكورة. فالتحوّلات الاجتماعيّة تولّد العديد من الأزمات، بما فيها أزمة الرجل المعاصر الذي يحاول الحفاظ على مكتسباته ولا يريد أن يفقد سلطته. إنه في مأزق انتمائه لأنماط الذكورة التقليدية، أو التخلّي عن السعي المدمّر للسلطة الذي كان يثقل كاهله. تحوّلت هذه اللحظة التاريخيّة من الضعف الذي يمرّ به الرجال إلى الوقت المثالي لظهور أمثلتنا عن الفحولة الجسدية والفكرية.

لكن كيف تكون رجلاً متحرّراً من السموم الذكوريّة؟ أظنّ أنّ أكثر من يملك حق الإجابة هم الرجال على الضفة الثانية، الرجال الذين يشاركون بعمق في العالم الأوسع. ربما ليسوا أثرياء ومشهورين، لكنّهم يقدّرون شيئاً مختلفاً تماماً، يتعلّمون كيف يكونون حقيقيين. أكثر من يستطيع الإجابة هم من خاضوا التجربة. لذا، فإنّ مسؤولية الرجال على الضفة الأخرى هي الصعود والتكلم مع الشباب، والتواجد في حياتهم، والتأثير بهم. التكلّم عن معنى أن تكون رجلاً بلا قسوة، وأكثر وعياً لميّزاتك، عن كيف تكون رجلاً قادراً على التعاطف، وقادراً على المرور بتجربة الضعف دون نكرانها، التكلّم عن الممكن لتحسينه بدل البقاء على الحال نفسه.

هذا النص جزء من ملف «أزمة الذكورة وسؤال الذكور: ماذا يعني أن تكون رجلاً» والذي ينشر ضمن سلسلة «العمل النسوي وأسئلته المتجددة» بالتنسيق مع شبكة فبراير.

آخر الأخبار

إدلب تريد إسقاط الجولاني
09-04-2024
تقرير
إدلب تريد إسقاط الجولاني
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 9/4/2024 
مقتل باسكال سليمان
09-04-2024
تقرير
مقتل باسكال سليمان
روايات متضاربة ومضلّلة تنتهي بالتحريض
حدث اليوم - فلسطين الثلاثاء 9 نيسان 2024 
متطوّعات في رفح يحضّرن كعك العيد
سؤال للخارجية الأميركية: كم منزلاً قابلاً للسكن بقيَ في خان يونس؟