أمميّة مَن لهم حصانة
اجتاحت ملفات جيفري أبستين، وفيها أسماء السياسيين والفنانين ورجال الأعمال من أصحابه، العالم بأسره. ويمكن القول حتى قبل الخوض في مضمون المراسلات وملايين الصفحات والصور التي كشف عنها التحقيق في الولايات المتحدة الأميركية تباعاً، أن أبستين نجح على مدى عقود في تشكيل «أممية» لا سابق لها بين أفراد وعائلات من القارات الخمس. وهو ضمّهم إلى شبكاتٍ اجتمع المئات من أعضائها دورياً ومداورةً في جزيرةٍ امتلكها، حيث خلق لهم أوقاتاً مستقطعةً في مساحة خالية من أي «قانون عام» أو وازع أو مُحرّم، أبعدهم مؤقتاً عن عوالمهم المختلفة محافظاً لهم على المشترك الأبرز: حصانتهم بوصفهم أقوياء، يحقّ لهم كل شيء. يحقّ لهم اغتصاب فتيات مراهقات، واسترقاق عارضات أزياء استُقدمن خصيصاً أو خداعاً إلى جزيرة أحلام بعد إيهامهنّ بإمكانية مغادرتها لاحقاً إلى الشهرة والجاه. ويحقّ لهم التفاوض السريع على عقود عمل وبيع أسهم واستثمار في شركات وتسريح موظفين. ويحقّ لهم أخيراً العودة تكراراً الى الجزيرة إياها، إذا ظلّوا «أقوياء» وأعضاء في أمميّته.
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحد.
فمقابل فتح جزيرة لرؤساء ووزراء وأمراء ومغنّين وأثرياء (ومفكّرين) وأصحاب أكبر الشركات ووسائل التواصل الاجتماعي، حصل أبستين على نفوذ في عشرات بلدان العالم. كان يتّصل بصديق هنا أو بأميرة هناك، يطلب خدمةً أو دعماً لسياسيّ أو مستثمر أو زجراً لآخر. يعرض نقل أموال إلى جنّات ضريبية وتحويل شركات إلى واجهات يُهندس خلفها التهرّب من الضرائب ويعد بمراكمة الأرباح وبعلاقات جديدة. وكان يخلق شبكات تعيد إنتاج نفسها وإنتاج ثرواتها وتعلّقها به وبجزيرته ورقيقها وكل ما يمكن ممارسته فيها.
وهو لم يكن يمحو المراسلات والعناوين. ليس فقط لعدم خشيته من تبعات، بل أيضاً لقدرته على الابتزاز وعلى إشهار الصداقات والنجاحات للإغراء أو الغواية وجذب المزيد من الأقوياء إلى ناديه، إلى أمميّته. كان يترك الجميع عرضة لنظرات الجميع. يعرفون بعضهم ويعرفون السرّ الذي يجمعهم، ويعتاد كلّ منهم على توازن رعب لا حاجة بسببه لتهديد. يتصوّرون علانيةً لتخليد ذكرى، للتباهي بفعل، ويتصوّرون خلسةً أو بالأحرى يصوّرهم أبستين سرّاً، إذ تعجّ جزيرته بالكاميرات والميكروفونات. يصوّرهم كي تبقى الأممية خالدة. كي يحرصوا جميعاً إن تسرّبت صورة أو أساء شريك التصرّف، على وأد الفضيحة ومحاصرتها لئلا يغرق مركبهم بأسره، أو يبتلع المحيط جزيرتهم، جنّتهم الموازية لجنّات الضرائب والتبييض.
رأسماليّة وذكوريّة وإسرائيل
إذا كان ما ورد يعبّر بأمانة عن مزيجٍ من أخلاق الرأسمالية، بشكلها الأكثر توحّشاً، ومن أخلاق الذكورية التي تتماثل خصائصها عبر الجغرافيا والتاريخ (وثمة تكامل بين الرأسمالية والذكورية بوصفهما انتهاكاً واستغلالاً اقتصادياً أو جنسياً بأي حال)، فإن أدواراً سياسية محدّدة، تُضيف إلى كل ما ورد بُعداً آخر.
ذلك أن إبستين انخرط في السياسة الداخلية الأميركية لإبقاء سلطته ودعم أصحابه. وهذا قد يبدو «طبيعياً». لكنه انخرط أيضاً في السياسات الدولية على أعلى المستويات، وبدا من المراسلات والعلاقات التي نسجها، أن هدفه الأبرز كان مساعدة إسرائيل وتوسيع نفوذها. فتوسّط بين دول، ورتّب صفقات أسلحة، وأمّن مبيعات تقنيات تجسّس، وواكب صعود اقتصادات ونشوء حروب، وارتبط في كل ذلك بالإسرائيليين، ساعياً على الدوام إلى تحسين علاقاتهم الآسيوية والأفريقية، ومدّ شركاتهم بعقود من خلال أصدقائه في الشركات الهندية والإماراتية وسواها. وكان إيهود باراك، على مدى سنوات، محاوره الأبرز. والأخير، لم يكن سياسياً أو رئيس وزراء وحسب، بل كان قبل ذلك رجل استخبارات واغتيالات، ثم عسكرياً ورجل أعمال واستشارات.
على أنّ هذا الجانب السياسي العام يبقى، حتى في ما يبدو فائضاً إسرائيلياً في علاقات الرجل ومهامّه السرية، متّسقاً تماماً مع فلسفة القوة والسطوة والاستغلال، ومع مبدأ الاستباحة والإفلات من العقاب الذي تعبّر عنه فضائح ملفّاته، في شقّها الخاص أو الفردي. فإسرائيل هي في تعاملها مع محيطها، وفي ما رأيناه في حرب غزة الأخيرة، تجسيد لنفس المبادئ التي تحكم جزيرة أبستين. وكثرة من حلفاء إسرائيل كما بعض خصومها، يحلمون بالتمتّع بحصانتها تجاه القانون وقدرتها الاستثنائية على انتهاكه، تماماً كما حلم ويحلم أقوياء بالعيش في جزيرة كمثل جزيرة أبستين التي أفلت مع أفوله.
أبستينات
الأرجح أن أبستينات أصغر من أبستين الذي زُعم أنه انتحر في سجنه النيويوركي العام 2019، يكملون اليوم مهامّه في جزر أخرى أو في منتجعات. فالأبستينية في أمميّتها كانت تعبيراً عن غرائز ونزعات يمكن لأصحاب السلطة المطلقة وحدهم إطلاقها على ضحاياهم. وهذا كلّه موجود في مجتمعات كثيرة، أو ربما في جميع المجتمعات. وخصوصية ملفّات أبستين المتواصلة «فضائحها» اليوم، مردّها الأساسي أن أبطالها، يدّعون عادة تفوّقاً أخلاقياً على غيرهم، فإذا بهم، ما أن تُتيح لهم حظوتهم وعلاقاتهم الالتئام في موضع بلا «قانون»، يتحوّلون إلى كائنات لا مبالغة أو شتيمة في اعتبارها حثالة البشرية.