قضية الأسبوع انتخابات
ميغافون ㅤ

الانتخابات الأخيرة 

مقاومة اليمين المتطرّف تنتظم

7 تشرين الثاني 2026

موجة تتصدّع

كانت أشبه بموجة تطرّف، بدأت تتحوّل إلى فاشية معلنة، تجتاح العالم من دون أي اعتراض أو مقاومة، خاصّةً من قبل الوسَط الذي بات ينحاز– لأسباب انتخابية– إلى خطاب اليمين.

بدأت بتيّارات «هامشية» داخل الأحزاب، كحركة «حزب الشاي» داخل الحزب الجمهوري، أو من خلال ظهور لأحزاب فاشية في أطراف أوروبا، كحزب الفجر الذهبي في اليونان. لم تكن قد شكّلت بعد مشروعاً سياسياً، بل مجرّد ردّات فعل «متطرّفة» على الأزمة الاقتصادية عام 2008. لكنّ ردّات الفعل هذه أوضحت الوجهة: إلى التطرّف، دُرْ. 

ثم أخذت الأحزاب المتطرّفة «التقليدية» تعزّز حضورها الانتخابي، أو حتى تتصدّره، من الجبهة الوطنية في فرنسا إلى فوز مودي في الهند، وصولًا إلى التصويت على البريكسيت في بريطانيا في عام 2016 والانتخاب الأوّل لترامب. وهكذا بدأ التطرّف يتحوّل من ردّة فعل إلى مشروع حكم محتمل. وبدأت الموجة تتمدّد: بولسونارو (2018) وأوربان (2018) وغيرهم، قبل أن تجتاح أوروبا وأميركا اللاتينية (خافيير ميلي، 2023)، لتتحوّل إلى التيّار الصاعد عالميًا، والحاكم– بتلاوينه المختلفة– من إيطاليا وهولندا والنمسا إلى الأرجنتين والسلفادور وتشيلي، موجّهًا سهامه المقبلة نحو ألمانيا وفرنسا.

لم تقتصر هذه الموجة على النجاح في الانتخابات فحسب، بل تمكّنت من «عَولمة» قيَمها التي عزّزتها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي مهّدت الطريق الثقافي لهذا الفوز الانتخابي المتنقّل: من تأليه الزعيم وقوّته، إلى مناهضة الأقليّات وشيطنة الفكر النسوي والكويري واحتقار كل ما هو مختلف، وصولًا إلى تمجيد الذكورية ووظيفة العائلة التقليدية والممارسات الاجتماعية المُحافِظة. تلك الأفكار سبقت الماكينات الانتخابية، مَهّدت لها الطريق، حتّى تزايد الناخبون الذين يتخوّفون من المهاجرين أو حتّى من الحمّامات المشتركة. وما سمح بخلق هذا العالم الموحّد والمتخيّل للفاشية كان التحاق شركات التواصل الاجتماعي ومن خلفها مالكيها الأثرياء، خاصّةً بعد عام 2024، إلى قطار الفاشية، وخلقهم «أممية» فاشية، تعمّم الأفكار والتقنيات والدعم المالي على أي حزب يميني متطرّف في العالم– وأبرز تجلّيات هذه الظاهرة كانت العلاقة العسلية بين ماسك وترامب مطلع ولايته الثانية.

بدا هذا التيّار وكأنّه تمّم سطوته على العالم أجمع، وكأنّه أصبح غير قابل للعكس… إلى أن جاءت انتخابات الأسابيع الأخيرة، والتي شهدت بدرجات مختلفة أوّل انتكاسة فعلية لهذا التيار، من صربيا والبرازيل، وبشكلٍ من الأشكال نكسة نتنياهو في إسرائيل، وصولًا إلى الانقلاب الشعبي على ترامب في الانتخابات النصفية. يُضاف إلى ذلك تصاعد خطاب «فرنسا أبية» وانتشاره في فرنسا، بما ينذر بمقاومة شرسة في البلاد المقبلة على انتخابات مصيرية سوف تنعكس على القارّة برمّتها.

بدائل تتشكّل

ما زال من المُبكر الحكم بانحسار الموجة، لكن الأكيد أنّها وللمرّة الأولى، منذ أكثر من 15 سنةً، تواجه مقاومةً فعليةً خارج رخاوة ووصولية الوسط، وإنَّ حركة الاعتراض هذه قد بدأت ترسم بالفعل معالم المواجهة المقبلة.

تحمل هذه المقاومة برنامجاً واضحاً مُحدّداً بذاته– لا بالضدّ من خطاب اليمين فحسب. في صربيا، صمد الطلّاب سنتَين إلى أن أسقطوا الرئيس ألكسندر فوتشيتش، وقد خاضت المعارضة الانتخابات بناءً على برنامج إصلاحي ديمقراطي، يلحظ سؤال السكن والمعيشة، بالإضافة إلى استرداد الأصول وإصلاح القضاء. أمّا في البرازيل، فدفع لولا في الدورة الانتخابية الأولى ثمن إهماله المطالب الاقتصادية للفئات الشعبية، وما كان نجاحه ممكناً في الدورة الثانية لو لم يسارع إلى إقرار خفض ساعات العمل إلى أربعين ساعة أسبوعياً. وفي الولايات المتّحدة، عاد الخطاب الطبقي– بصيغةٍ مُبسَّطة– إلى الواجهة: مقابل خطاب الماكروبوليتيكس الترامبي، برز خطاب سندويش الفلافل وكيلو البقوليات، وكلفة الطبابة والتعليم، والحقّ بالسكن وصولاً إلى الحقّ بالمدينة. القاسم المشترك للمرشّحين الذين قلبوا الولايات إلى الأزرق كان شعار «مايك أميركا أفوردابل». ورغم أنّ معظم الفائزين ليسوا «اشتراكيّين ديموقراطيّين»، رفض زهران ممداني تسميتهم بـ«المعتدلين» ما دام كلٌّ منهم قد خاض معركته بواحد من عناوين الأجندة «التقدّمية»، سواء أكانت تتعلّق بمستوى المعيشة أم برفض الحرب.

ما سمّاه ممداني صعوداً للتقدُّميين، وجدَ له السيناتور المنتخب عن ولاية تكساس، جايمس تالاريكو، تصنيفاً آخر حين وصف نفسَه وجمهور ناخبيه بأنّهم الـunderdogs أو المستضعَفون من قبل المليارديرات وأركان الإستبلشمنت السياسي. أولئك الذين جمعَ مئاتُ الآلاف منهم تبرّعاتهم الصغيرة ليواجهوا التمويل السياسي لإيلون ماسك ورفاقه. تالاريكو الآتي من التعليم المدرسي ليس الـunderdog الفائز الوحيد. فكُثُرٌ هم المستضعفون الذين فازوا، وتنوّعت السابقات الآتية من خارج المتن، بين أوّل مسلم، وأوّل سوداء، وأوّل مثليّ مُعلَن… إلخ.

وإذا كان من underdog في الانتخابات الإسرائيلية، فهُم الفلسطينيّون، أو مواطنو الدرجة الثانية في نظام الأبرتهايد. لم يُسقِطوا بن غفير وحده، وهو الذي حوّل حياتهم إلى رعب دائم، ولم يُسقطوا نتنياهو وحده، وهو الذي أباد قسماً من شعبهم في غزّة، لكنّهم انتفضوا أيضاً لوضعهم كمستضعَفين، وشكّلوا القوّة التي حسمت التنافس الإسرائيلي. قوّة ترفع اليوم مطالبها الاجتماعية الرافضة للعنصريّة ضدّ العرب ولهدم بيوتهم ولتشجيع الجريمة في قراهم، إلى جانب مطالبهم السياسية الرافضة لإرهاب المستوطنين وجرائم الحرب.

مهندسو «الشرق الأوسط الجديد» ينهارون

عدا انعكاسات نتائج المحطّات الانتخابية الأخيرة على الأوضاع الداخلية للبلاد حيث جرَت، تنعكس هذه النتائج على المشهد السياسي العالمي، وعلى العلاقات الدولية والأوضاع الإقليمية، وبشكلٍ خاص «منطقتنا». إنَّ نتيجة كل من انتخابات الكنيست الإسرائيلي والانتخابات النصفية الأميركية، قد أعلنت فعلياً هزيمةً محلّيةً للحلف الذي أراد إعادة هندسة المنطقة، والعبور نحو «شرقٍ أوسطٍ جديد» كما جرت المقولة.

حاول ترامب تزخيم حملة نتنياهو الانتخابية، وكذلك فعل الأخير مع الأوّل. ولعب الرجلان ورقة إنجازاتهما الحربية وقوّتهما العسكرية الجبّارة، وللمفارقة، ارتدّت هذه الورقة في وجهَيهما. صحيح أنّ الإبادة في غزّة باركها الحزب الديمقراطي بعهد بايدن، وصحيح أنّ ترامب ضغط على بيبي نحو خفض التصعيد (فقط عندما كان هذا الخفض في غزّة ولبنان يخدم مسار ترامب في مفاوضات إيران)؛ ولكن بجميع الحالات، عمل الثنائي ترامب-نتنياهو على إعادة تشكيل المنطقة وهدم حدود سايكس-بيكو، والتخلّص من وظائف الدول عبر الإتيان بمجلس سلام في غزّة وميكانيزم في لبنان، وتعويلٍ على زجاجة العطر وبرج ترامب في دمشق… هذا المخطّط، الآن، لُجِم.

عندما تنحسر مثل هذه الموجة إذاً، يُطرح السؤال التالي: ماذا يحلّ بمَن راهن عليها في منطقتنا؟ وماذا يحلّ بالاتّفاقات التي فرضها ورعاها مهندسو «الشرق الأوسط الجديد»؟ مع صعود تيّار الـ«ماغا»، رأينا انعكاساته الثقافوية والسياسوية في لبنان، من صور للرئيس جوزيف عون مع شعار «اجعل لبنان عظيماً مجدّداً» إلى صعود لوبي لبناني-صهيوني يعوّل على إدارة ترامب، وصولًا إلى «استعجال» البعض لاعتبار أن حان وقت إعادة رسم المنطقة بأكملها؟ نصّب هذا اللوبي أنطون الصحناوي رئيساً للجمهورية المُنتظَرة من الخارج، وأخذ يعقد اللقاءات التطبيعية في مختلف الولايات، وأطلق «تحالف لبنان-إسرائيل للسلام»، وضغط باتّجاه إلغاء قانون تجريم التواصل مع العدو الإسرائيلي وتُوِّجَت هذه الجهود بالضغط لعقد مفاوضات لبنانية-إسرائيلية مباشرة سرعان ما فشلت… يوضح هذا الخط الزمني كم اجتهد المُراهنون على حلف نتنياهو-ترامب، تحديداً لعلمهم بأنّهم أمام نافذة زمنية محدودة، وها هي قد بلغت حدودها بالفعل في الأيّام الأخيرة، وأخذت تُقفل بوجههم قبل أن يتمكّنوا من تحقيق ما بشّروا به من سلامٍ موعودٍ وبلادٍ مزدهرة بفضل التطبيع.


بضعة انتكاسات انتخابية أو حتى هزائم انتخابية لن تنهي هذا التيار وإن كانت قد أضعفته. فمن استثمر بصعود التطرّف ما زال يريد مردودًا على استثماراته، ومن كشف عن حقيقته الفاشية لم يعد متاحًا له التراجع اليوم، ومن اعتبر أن هذه فرصة اليمين المتطرّف التاريخية لن يستسلم أمام صناديق الاقتراع. لكن هذه المرّة بات هناك مقاومة أمام هذا المدّ، قد تلجم مغامراته الحربية. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
خيام غزّة تغرق
07-11-2026
أخبار
خيام غزّة تغرق
قضية الأسبوع

الانتخابات الأخيرة 

– ميغافون ㅤ
حدث اليوم - الجمعة 6 تشرين الثاني 2026
06-11-2026
أخبار
حدث اليوم - الجمعة 6 تشرين الثاني 2026
فضيحة مصرفية تهزّ الباراغواي وتسقط رئيسها
06-11-2026
تقرير
فضيحة مصرفية تهزّ الباراغواي وتسقط رئيسها
من الثلّاجات إلى بنوك الدَم والمصارف: الهجمات السيبرانية والتهديدات الإلكترونية تتصاعد
جيش الاحتلال يعتقل الزميل الصحافي مصعب شاور أثناء عمله في الخليل