كسر المدّ السلطويّ؟
احتفى خصوم اليمين المتطرّف بنتائج الانتخابات الصربية والبرازيلية، معتبرين إيّاها استفاقة متأخّرة «للقوى الديمقراطية» في وجه ما كان يبدو صعوداً حتميّاً لقوى سلطويّة أو حتى فاشية. طلاب في صربيا يخلعون رئيساً سلطويّاً، ولُولا يطيح بالفاشية وزعيمها الفارّ حاليًا إلى الولايات المتّحدة. للحظة، وفي انتظار الانتخابات النصفية الأميركية الأسبوع القادم، بدا وكأنّ صعود اليمين المتطرّف اصطدم بحدوده، لتنكسر صورة الحتميّة التي غالبًا ما كانت مستقاة من تجربة صعود الفاشية في القرن الفائت.
مدٌّ يجتاح العالم
لقد بدا هذا المدّ حتميّاً فعلاً وهو يجتاح العالم، انتخابات تلو أخرى، حرباً تلو أخرى. فأميركا اللاتينية أصبحت بمعظمها في قبضة اليمين المتطرّف المتحالف مع ترامب، من كولومبيا إلى الإكوادور مرورًا بتشيلي والأرجنتين. كان ينقص البرازيل لكي يكتمل الانقضاض على القارّة. أما أوروبا، فرغم بعض المعارضات خصوصًا في فرنسا، فبات اتجاهها معروفاً، مع إمكانية بروز اتحاد أوروبي تسيطر عليه قريبًا أحزاب اليمين المتطرّف. هو مدّ مفبرك ومدعوم من قوى عالمية، كما أظهرت الانتخابات البرازيلية التي اشتركت فيها قوى فاشية إلى جانب داعمها الأميركي وشركات التواصل الاجتماعي لمواجهة لولا، وهو تحالف نراه يتحرّك في معظم العمليات الانتخابية حول العالم لدعم اليمين المتطرّف.
انكسر المدّ ليظهر العفن
مع انكسار صورة الحتمية، تزعزعت جاذبية ذاك التيار. فقد شكّلت الحتمية جزءاً من ماكينته الأيديولوجية، وعبّرت عن «صورته» كقوّة لا تُهزَم تجسّد اللحظة التاريخية الراهنة. وهذا التصوير هو في الواقع جزء من أدبيات الفاشية كقوى منظّمة ومنضبطة لا تُقهَر، كما كان يحلو للنازيّين تصوير أنفسهم. لكن، كما أظهر فيسكونتي في فيلمه «الملعونون»، لم يكن النازيون على ذلك القدر من التنظيم والانضباط الذي تريدنا الدعاية أن نتصوّره. فقد كانوا رجالًا سكارى، صاخبين، مجرمين، أقرب إلى تجمّع مراهقين قليلي الكفاءة وكثيري الانفعال. وهذا ما بدأ يظهر مع انكسار صورة الحتمية، وهو أنّ هذه القوى الصاعدة أقرب إلى تجمّع لمراهقين، وإن كانوا متقدّمين في السنّ، قليلي الكفاءة والانضباط، ويتكثّف وجودهم الأساسي على شبكات التواصل الاجتماعي.
انكسار المدّ أم نكسة؟
على الرغم من أهمية هذه النتائج، وأهمية كسر صورة اليمين الصاعد عن نفسه، قد تبطئ النتائج هذا المدّ، لكنّها لا تعكسه. فلُولا أمام احتمال رئاسة تواجه معارضة شرسة، وطلاب صربيا يواجهون تحدي تشكيل حكومة قادرة على الحكم. لكنّ المشكلة الفعلية ليست في هذه التفاصيل، بل في حقيقة أنّ اليمين المتطرّف أو الفاشية هو الخيار السياسي الصاعد الوحيد اليوم، في مشروعه «الثوري» لتغيير العالم، والمدعوم من «أمميّة» فاشية فعّالة. في مواجهته، تبدو أكثرية القوى المعارضة عاجزة عن تقديم رؤية بديلة، باستثناء معارضة هذا المدّ في لحظة عالمية مأزومة. بهذا المعنى، يبدو اليوم مَن يُسَمّون بالقوى الديموقراطية أقرب إلى خطّ دفاع «محافظ» عن المؤسسات ممّا هم إلى مشروع بديل يمكن أن يؤسس لديناميكية معاكسة للمدّ الفاشي.
درس البرازيل وصربيا خارج الديموقراطيّة
ربّما تكمن المشكلة في هذا الإصرار على تسمية معارضي القوى المتطرّفة بالقوى الديموقراطية. فهذه التسمية تُخفي طبيعة الاعتراض الفعّال أمام صعود الفاشية، خاصّةً بالمقارنة مع خفوت الوسطيين في وجه هذا الخطر. فلُولا مثال للنقابي اليساري- وليس فقط «الديموقراطي»- وطلاب صربيا ليسوا مجرّد دعاة انتخابات. المفارقة هي أنّ الاحتفاء بهذه الإنجازات لا يتناقض في نظر الوسطيّين مع قمع الحركات الطلابية في سائر الدول الأوروبية أو محاصرة اليسار والتهديد بخطره من قبل قوى «ديموقراطية» وليبرالية. فإذا ما أكدّت هذه الانتخابات شيئًا، فهو أنّ مقاومة المدّ الفاشي تحتاج إلى هوية سياسية واضحة وديناميكية شعبية في الشارع، وليس زحفاً بطيئاً نحو اليمين من أجل محاولة اكتساب بعض الأصوات الإضافية.
بالعودة إلى المقارنة مع الحقبة النازية، والتي تشكّل المخيلة التاريخية الأساسية لفهم الصعود الحالي للفاشية، تُظهر أعمال المؤرّخ الفرنسي يوهان شابوتو، خاصة كتابه «اللامسؤولون: مَن أوصل هتلر إلى السلطة؟»، أنّ هتلر لم يصل إلى الحكم بفعل الصعود الحتمي لقوّة فاشية لا يمكن وقفها، بل جاء نتيجة خيارات ضيّقة للنخب السياسية والاقتصادية والمحافظة، التي اعتقدت أنّ بإمكانها استخدام هتلر لصدّ الصعود اليساري. السلطة أعطيت لهتلر، إذن، وهذا ما يبدو أنّ النخب الحاكمة اليوم قرّرت أن تفعله: إعطاء السلطة للفاشية الجديدة بغية المحافظة على امتيازاتها.