قضية الأسبوع حكومة الإصلاح والإنقاذ
ميغافون ㅤ

الحرب الطبقيّة وخدّامها الأُمناء

21 شباط 2026

حين تشكّلت هذه الحكومة، دعت نفسها حكومة إصلاح وإنقاذ. وكان المأمول منها أن تكون حكومة تضميد الجراح كونها جاءت بعد كارثتين كبيرتين: العدوان الإسرائيلي، وقبله الانهيار الاقتصادي. لكن من «صحتك منيحة» لأهل الجنوب إلى «هيدي ضريبة عالأغنيا» لتبرير زيادة الـTVA، بدت الحكومة وكأنّها جزء من الكوارث التي تدّعي معالجتها.

حتّى في عهد أكثر الحكومات نيوليبراليّةً، كان شخصٌ كفؤاد السنيورة- الذي ارتبط اسمه بالضرائب الجائرة- ليتردّد قبل أن يفرض دفعةً واحدةً زيادةً على سعر صفيحة البنزين وعلى الضريبة على القيمة المضافة. ذلك أنّ الأمر لا يتطلّب تعمّقاً في الاقتصاد كي يدرك المرء أنّنا أمام ضريبتين غير عادلتين تُفرضان في ظلّ أزمة اقتصادية خانقة.

بكثير من التعالي، ردّ رئيس الحكومة نواف سلام على منتقدي فرض الضرائب الجديدة. قال إنّه لا يريد «مزايدات» في شأن «الطبقات الشعبية» لأنّ حكومته تقوم بواجبها تجاه الأُسر الأكثر فقراً من خلال برنامج «أمان». في عالمٍ أكثر تواضعاً، يُفترَض بالمساعدات الزهيدة التي تؤمّنها برامج كهذه، أن تُعتمَد لتعويض ما لا تتمكّن السياسات الاقتصادية من تلبيته، لكن لا يمكن لها أن تكون هي حصّة الطبقات الفقيرة من السياسات الاقتصادية للحكومة. فهل يكفي أن يكون المرء قد وضع على سترته في صباه إيتيكيت «اليساري» حتى يسمح لنفسه الحديث بهذه الفوقيّة عن الطبقات الفقيرة، وكأنّ تلك الطبقات عبء على المجتمع وليست جزءاً أساسياً منه؟

لا مطالب المتقاعدين ولا مطالب الموظّفين جديدة. فمنذ أشهر طويلة، وهم يعتصمون ويطالبون. لو كانت لدى الحكومة نيّة لتلبية مطالبهم، لكان بإمكانها أن تدرس بتأنٍّ سُبُل تأمين وارداتٍ إضافية من ضرائب أكثر عدالةً. ولو كانت نيّتها، كما يقول رئيس الحكومة، جمع مستحقات المقالع والكسّارات والغرامات على الأملاك البحرية، لكان بإمكان موازنته أن تلحظ ذلك على الأقلّ. يكفي أن نعرف أنّ مجمل الضرائب على الدخل والأرباح ورؤوس الأموال تشكّل أقلّ من 11٪ من إجمالي ايرادات الموازنة.

الحكومة التي أطلقت على نفسها صفة «الإصلاح» باتت شريكةً في الحرب الطبقيّة التي تُشنّ على القسم الأكبر من المقيمين في لبنان، والتي يشارك فيها أكثر من طرف، على رأسهم حاكم مصرف لبنان، وجمعية المصارف، والمجلس النيابيّ، إضافةً إلى صندوق النقد الدولي.

  • مصرف لبنان وحاكمه الجديد:

أحجم حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، عن متابعة مسار التدقيق الجنائي لكشف العمليات الاحتياليّة (المسمّاة هندسات مالية) التي بدّدت عشرات مليارات الدولارات. وفضّل أن يسير على خطى سلفه رياض سلامة في اتّباع بهلوانات حسابيّة لمطالبة الدولة بنحو 17 مليار دولار شاء سلامة أن يسجّلها كدين على الدولة. لا بل بدأت بعض أبواق سعيد الإعلاميّة تروّج لمطالبته الدولة بنحو 50 ملياراً. هكذا يُبَرّأ مصرف لبنان من ألاعيبه التي نقلت أموال المودعين إلى جيوب المصرفيّين، وتُفتتَح عملية نهب منظّم لمليارات إضافيّة من المال العامّ.

لا تتوقّف الحرب عند هذا الحدّ. فيعمد سعيد، كما فعل وسيم منصوري من قبله، إلى حجز أموال الدولة لديه. وقد باتت هذه الأموال الآتية من الضرائب والرسوم التي يدفعها عموم المقيمين تبلغ قرابة 9 مليار دولار، لكنّ الدولة ممنوعة من استخدامها. السبب؟ أنّ حاكم مصرف لبنان لم تتفتّق عبقريّته عن أيّ سياسة نقديّة تحمي الليرة إلا عبر منع الدولة من إنفاق ما تجنيه، حتى لا تغرق السوق بالليرات وينهار سعر الصرف. مرّةً أخرى، لا اسم لهذا الإجراء سوى النهب المنظّم، نهب إيرادات الدولة (أي ما يسدّده لها المقيمون) من خلال تسجيلها بالليرة ومنع إنفاقها على أيّ نوع من الخدمات أو التقديمات للمواطنين. بكلام آخر، يحوّل كريم سعيد الدولة إلى جابٍ للضرائب فحسب. وفي هذه الحالة، تفقد الضريبة وظيفتها الاجتماعية، وتتحوّل إلى مجرّد «خوّة» يفرضها جهاز مافيويّ.

  • جمعيّة المصارف (الاسم المُلطَّف لعصابة الأشرار):  

بعدما جنت أرباحاً خياليّة جرّاء توظيف أموال المودعين في مصرف لبنان، تنصّلت جمعية المصارف من مسؤوليتها عن تلك الأموال. ورغم أنّ قانون الفجوة المالية الذي أعدّته الحكومة لا يلقي بكامل المسؤولية على المصارف، لا تزال الجمعية رافضةً للمسّ برساميل أصحابها. باختصار، يريد أصحاب المصارف الاحتفاظ بما راكموه من أرباح وثروات، ولتهتمّ الدولة وحدها بالمودعين. كيف ذلك؟ الحلّ بسيط بالنسبة للجمعية: صادِروا إيرادات الدولة. بِيعوا الذهب. أي بيعوا أصولاً عامّة كي يحتفظ المصرفيّون بأموالهم الخاصّة.

  • مجلس النوّاب:

بوقاحة يُحسَدون عليها، لا يتردّد عدد كبير من النوّاب في ترداد مطالب جمعية المصارف. تارةً بحجة المودعين، وأخرى بحجّة عودة الحياة إلى الاقتصاد والقطاع المصرفي، يدعو أولئك النوّاب إلى بيع الذهب قبل محاسبة المصرفيّين. وهم، في سعيهم لنهب الثروة الذهبية، يخدمون أسيادهم في المصارف، تماماً مثلما فعلوا غداة اندلاع الأزمة، يوم تواطأت الكتل النيابية للتشكيك بأرقام الخسائر التي تسبّبت بها سياسات مصرف لبنان وجشع أصحاب المصارف. هؤلاء النوّاب يرتضون لأنفسهم دور السمسار الصغير عند كلّ منعطف، وقد تجلّت آخر إبداعاتهم في التعديلات التي أدخلوها على قانون الموازنة لخدمة أصحاب النفوذ.

  • صندوق النقد الدولي:

إذا كان صندوق النقد الدولي لا يزال متمسّكاً حتى الساعة بضرورة شطب رساميل المصارف قبل البحث عن مصادر أخرى لسداد الودائع، فإنّ سلبيّات الصندوق تكمن في مكان آخر. ذلك أنّ الصندوق يضع في رأس أولويّاته ضمان التوازن بين الإيرادات والنفقات العامة، أي التخلّص من العجز في الموازنة. «الصفر عجز» في بلاد فاقم فيها الانهيار من التفاوت الطبقي، لا يعني إلا تعميق هذا التفاوت. فبدلاً من تصحيح الأجور التي انهارت قيمتها، يقترح الصندوق تقديم منح ومساعدات اجتماعية على غرار برنامج «أمان» الذي يتباهى به رئيس الحكومة.

إضافةً لكلّ ما ذُكر، تقف الحكومة أيضاً كالمتواطئ أو المتفرِّج على نهب الثروات الطبيعية، كاستغلال موارد بيئية من أجل المال، أو استغلال أملاك عامّة من أجل المنفعة الخاصّة. هكذا يستمرّ نهب الشاطئ اللبناني العامّ، شمالاً، لبناء فيللات خاصّة. وهكذا تهرّبت الحكومة من مسؤوليتها في فضيحة مغارة جعيتا، وأخّرت أوامر تحصيل الغرامات من أصحاب المقالع والكسارات أشهراً عدّة. هذه ليست إلا عيّنات، لكنّها أعطت إنذاراً مبكراً عن سياسات الحكومة المالية، وعن أولويات رئيس الحكومة الذي «بدّي المصاري اليوم، مش بكرا».

هكذا تنتهي الأمور في لبنان: فئة مقتدرة مالياً تنهب ما تجده أمامها، أكان ماءً أو رملاً أو ذهباً. وفئة تعتقد أنّها تملك هذه الأشياء، لتكتشف أنّ حرباً طبقيةً قد شُنّت ضدّها لتجرّدها من آخر ما تملك، حتّى مِن قبل مَن صنّفوا أنفسهم إصلاحيين.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
من بَعدِ ما بَعُد
21-02-2026
تقرير
من بَعدِ ما بَعُد
10 شهداء و24 جريحاً: الحصيلة النهائية للغارات الإسرائيلية على البقاع
«أعرفه جيداً»: ماذا تكشف رسائل إبستين عن علاقته بمحمد بن سلمان؟
قضية الأسبوع

الحرب الطبقيّة وخدّامها الأُمناء

ميغافون ㅤ
حدث اليوم - الجمعة 20 شباط 2026
شهداء وجرحى بالعدوان الإسرائيلي على بعلبك