تعليق حكومة الإصلاح والإنقاذ
طارق أبي سمرا

لا صوت يعلو فوق صوت «الإصلاح والسيادة وحصر السلاح»

27 كانون الثاني 2026

على الرصيف عند تقاطعٍ قريب من شارع الحمرا، إشارةُ سير مرميّة أراها باستمرار. أراها منذ أشهر طويلة– سنة ربّما أو أكثر– كلّما مررت من هناك، وبالكاد ألحظها. لم يلقِها أحد على الرصيف، بل وقعت في مكانها، انكسر أسفل جذعها: لعلّه الصدأ، أو ربّما عاصفة ما. سقطت على الأرض ولم يزلها أحدٌ منذ أكثر من سنة ربّما. 

هذه الإشارة المُلقاة أرضاً، والتي بالكاد يلحظها أحد، أثرٌ ماديّ مرئيّ وواضح للانهيار المالي والاقتصادي الذي يعيشه لبنان منذ العام 2019. فمذّاك والبلد متروك في حالة إهمال تطال جميع نواحي الحياة، وقد استُهلِك الكلامُ في ذلك إلى حدّ يجعل وصف هذا الإهمال، ولو باقتضاب، مجرّد تذمّر مكرّر ومعلوك، يبعث على السأم. 


أمِن شيء يُقال بعد؟ أمِن شيء يُقال ولم يُقل آلاف المرّات حتّى باتت الجمل والكلمات خاوية من أيّ معنى، فعادت إلى أصلها: مجرّد هواء يخرج من الأفواه والحناجر؟ أمِن شيء يُقال بعدُ عن استشراء الفقر وتدنّي الرواتب والتضخّم المتفاقم والغلاء المسعور، وعن التغذية بالكهرباء التي تعجز عن تخطي عتبة الأربع ساعات يوميّاً، وعن مافيات المولّدات، وعن المياه التي لا تصل إلّا نادراً إلى المنازل؟

لا، لا شيء. فقد اعتدنا هذا كلّه حتّى بات يبدو لنا حالةً طبيعيّة وعاديّة. وقد ألفنا الكلام عنه ومللناه حتّى صار كلّ ما يُقال أشبه بوصف حائط أبيض بأنّه أبيض. 


حالةٌ طبيعيّة عاديّة، أو عكس ذلك تماماً: كارثة طبيعيّة، كالأعاصير والزلازل والفيضانات، لكنّها تستمر طويلاً ولا يُعلَم متى تنتهي. كأنّما الانهيار وما نجم عنه ليسا من صنيع الإنسان، فلا يد له فيهما ولا شيء يستطيع فعله إزاءهما، وعلينا تالياً انتظار عودة الأمور إلى سابق عهدها من تلقاء نفسها، كمن ينتظر خمود بركان أو انحسار إعصار.

حالةٌ عاديّة أو كارثة طبيعيّة: هكذا نعيش الانهيار ونتكيّف معه، هكذا نطبّع معه فننسى ليس فقط أنّه ثمّة مَن تسبّب به، بل أيضاً أنّ تماديه هو نتيجة مباشرة لإهمال مزمن. بكلمات أخرى، ننسى أنّه يمكن فعل شيء ما. صحيح أنّه لا حلّ سحريّاً، وأنّ ما يمكن فعله قد يكون ضئيلاً جدّاً، لكن ثمّة شيء يمكن فعله، ولا أحد يفعله. وإلّا فلا معنى للحديث عن الإهمال.


ما قد يكون ممكناً فعله: زيادة ساعات التغذية بالكهرباء، ولو قليلاً. ممارسة بعض الرقابة على أصحاب المولدات الخاصة. رفع رواتب الموظفين الحكوميين وعناصر الجيش والقوى الأمنية، ولو قليلاً. تنظيم السير، ولو في الحدّ الأدنى. وقد تطول اللائحة.

ما هو مؤكَّد أنّه يمكن فعله: إزالة تلك الإشارة المرميّة على الرصيف منذ أكثر من سنة ربّما. ليس إصلاحها أو استبدالها بأخرى جديدة، وإنّما إزالتها من على الرصيف فحسب. لكن لا أحد يزيلها، بالرغم من سهولة القيام بذلك. إذ لا أحد يكترث.


هناك الكثير من الأمور التي تشبه إزالة تلك الإشارة: أمور بسيطة، إمكان فعلها مؤكَّد. عدم القيام بها دليلٌ على لامبالاة مطلقة، وعلى إهمال جرميّ، وعلى انعدام تامّ للمسؤولية، وعلى عدم أهليّة للحكم.

فما الذي تفعله حكومة نوّاف سلام بدل القيام بالحد الأدنى؟ لقد أقرّت قانونين، قانون رفع السريّة المصرفيّة وقانون الفجوة الماليّة، وأحالتهما إلى مجلس النواب، ولعلّها ترى أنّ هذا أقصى ما يمكنها تقديمه للّبنانيين. ولكن هل مِن شيء آخر يُذكَر؟ فما الذي يلهيها عن تلك الأمور البسيطة التي من المؤكَّد أنّها تستطيع تنفيذها؟ 

إنّها منهمكة بقضايا كبرى ومصيريّة: الإصلاح والسيادة وحصر السلاح. قضايا أزليّة تجعل أي شيء آخر يبدو تافهاً ووضيعاً. قضايا أبديّة لا حلول لها. 

حكومة نوّاف سلام تحكم بهذه العبارات السحريّة الثلاث فحسب: الإصلاح، السيادة، حصر السلاح. تظنّ أنّ اجترارها يوميّاً إنّما هو ضرب من الشعوذة كفيل بتخدير العقول وصمّ الآذان وإغشاء العيون. فالعبارات الثلاث هذه هي البروباغاندا الهزيلة التي تستخدمها لحجب الواقع. هي تلك الصرخة الشهيرة التي تمثّل جوهر الكثير من الأنظمة العربية: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.


لا صوت يعلو إذاً فوق صوت الإصلاح والسيادة وحصر السلاح: هذا لبّ ما يردّده نوّاف سلام في كل تصريح أو خطاب. لكنّ الواقع عنيد، وحجبه عسير. الواقع مثل إشارة السير الملقاة على الرصيف عند تقاطع قريب من شارع الحمرا: ماثلٌ أمام أعيننا، وإن لم نعد نلحظه لشدّة ما اعتدناه. يكفي أن نحدّق فيه لثوانٍ قليلة حتّى يظهر لنا بكل بشاعته.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
موظفّون ومتقاعدون وأساتذة ضدّ الموازنة
27-01-2026
تقرير
موظفّون ومتقاعدون وأساتذة ضدّ الموازنة
350,000,000 $ تمويل جديد من البنك الدولي إلى لبنان لدعم توفير الحماية الاجتماعية والخدمات العامة من خلال التحوّل الرقمي. 
نوّاب حزب الله يقاطعون فراس حمدان: الموساد وراء التظاهرات في إيران
موازنة 2026: عطايا لأصحاب المال والنفوذ
أشرطة حمراء للمطالبة بحريّة الأسرى الفلسطينيّين 
فراس حمدان عن تعيين غراسيا القزّي: «قرينة البراءة بتمشي بلاهاي»