تعليق الحرب على لبنان
دارين أبو سعد

لا شيء يضعنا خارج هذا القتل

24 نيسان 2026

مشاهد القتل وإيقاعها اليومي

بيّي لابس بدلته، يقول الابن، بعد أن استُشهد والده مع ثلاثة عشر عنصرًا من أمن الدولة في غارة على السراي الحكومي في النبطية. في التشييع، تقول امرأة: ما في حدا هون، في أمّات كل يوم عم تبكي دم.

في بلدة بيت ياحون، استُهدِفت فرق الإسعاف أثناء عملها. ناطرة تلفون يرجع يدقلّي يقلّي يا أمي أنا بخير… ما كان يدقلّي، قلبي محروق، تقول والدته. كانوا يخرجون حاملين دمّهم على كتفهم، ولا يملكون شيئًا سوى هذا الدور. يُقتل المسعف وهو يرتدي زيّه. لا يصل الاتصال. يبقى زيّ الصليب الأحمر وحده.

في حيّ السلم، لم ينتظر الناس أحداً. كان علينا أن نبدأ بأيدينا، يقول أحد الناجين، بعدما أخرجوا بعضهم من تحت الركام، قبل أن تصل فرق الإنقاذ.

ثم يأتي مشهد من صور: رجل يقف فوق الركام، يبحث عن ابنه العالق تحته. يداه مشبوكتان بإحكام، كمن يعرف مكان الفقدان ولا يستطيع الوصول إليه. يميل جسده إلى الأمام، كأنّه يقاوم اندفاعة ليحفر بيديه العاريتين. ابنه كان بطلاً رياضيًا، جسدٌ تمرّن على القوة والاستمرار، وانتهى تحت الركام. 

وفي مكانٍ آخر، يستمرّ أبٌ آخر بالحفر بيديه. عشرة أيّام وهو يعود إلى نفس الركام، ينادي اسم ابنته زهراء، بعد أن توقّفت أعمال البحث. لم يعثر عليها، لكنّه لم يتوقّف، كأنّ التوقّف شكلٌ آخر من الفقد.

قلنا لن نعتاد المشهد. حاولنا، لكنّ عبث المحاولة أعادنا إليه، فاستقرّ في أيامنا وليالينا ليصبح إيقاعها اليومي.
تسمّى هذه حرباً على كافّة المستويات، ولها «آثار غير مقصودة». بهذه اللغة، تُختزل حياة كاملة تحت تسميات «أضرار جانبية» و«ضرورات أمنية».

من تفسير القتل إلى إعادة توزيعه

كل هذه المشاهد لا تكتفي بوصف ما يحدث، بل تدفعنا نحن أيضاً إلى البحث عن تفسير.

 من استهدفت الغارة؟ من كان في المبنى؟ من كان مستأجر الشقة؟
لا يبدو أنّ حجم ما حدث يكفي لإسكات هذه الأسئلة، بل تصبح جزءاً من تغطية الحدث.

علماً أنّ هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ، بل تُنتَج. تُنتَج عبر آلة دعائية إسرائيلية، تُعيد رسم ما يحدث وتُعيد تعريفه، وتدفعنا إلى تبنّي لغتها ومنطقها: خرائط، إنذارات، وأحياء تُحدَّد وتُسمّى.

مع الوقت، لا تعود هذه الأسئلة عمّا حدث، بل عمّن كان هناك، من يكون، وإلى من ينتمي.
 بهذه النقلة، لا نفسّر القتل فقط، بل ندخله في ما بيننا. يصبح الجار احتمالاً، والمكان موقعاً يُفحَص ويُصنَّف. بهذا الشكل، لا يقتصر القصف على تدمير المكان، بل يعيد ترتيب العلاقات داخله.
 فالانتقال من سؤال «ماذا حدث؟» إلى «من تسبّب به» هو النقلة التي تُوطّن القتل، وتحوّله إلى شيء يعاد إنتاجه داخل المجتمع.

بعد الغارة التي استهدفت منطقة عين سعادة، وهي منطقة لم تكن ضمن خرائط الإنذارات أو المناطق «المصنّفة»، كتبت إحداهنّ على فايسبوك: علينا أن نصير خفراء؛ نراقب بعضنا، نتحقّق، ونبلّغ. كأنها تقترح طريقًا للنجاة. لكن هل أصبحت نجاتنا مشروطة بهذا الدور؟ هل إنها لا تتحقّق إلا إذا التزمنا به؟

لكن هذا الدور، بدل أن يوفّر الحماية، يمدّد الحرب داخلنا.
فنبدأ بمراقبة بعضنا بعضاً، والبحث عن موقع كل شخص، كأنّ المسيّرات التي تحلّق فوق رؤوسنا لا تكفي، فننزل نحن إلى الأرض لنكمل عملها. ومع ذلك، لا تبدو النجاة ممكنة.
ليس فقط لأنّ القصف لا يميّز، بل لأنّ هذا المسار يدفعنا إلى المشاركة في إعادة ترتيب الموت بيننا، إلى أن نصير، من حيث لا ننتبه، امتداداً له.

استهداف ما يمنح الحياة معناها

ومن هنا، لا يعود الأمر محصوراً في تفسير من يُقتل، بل يمتدّ إلى ما هو أبعد، ليشمل ما يحيط بهم، وكلّ ما يجعل حياتهم ممكنة ومفهومة.

أحبّ حسن حيدر الخيول. عاد من كندا ليبقى قرب أرضه ورزقه والناس الذين أحبّهم. كان يحلم بإنشاء مزرعة كبيرة في لبنان. بقي معها، يعتني بها كجزء من حياته. وحين سمع صوت جريح عند مدخل بيته، خرج ليساعده. استُهدفا معًا. يقول شقيقه: خيي قُتل لأنه كان يحبّ أرضه ورزقه والناس الذين أحبّهم كعائلته.

الحاج الذي عاش على الطريق واعتنى بالكلاب، قُتل معها.

أبو علي، مربّي النحل، قُتل.

الشاعرة التي كتبت: عانقت امرأةً تنتظر، قُتلت.

حتى تمثال المسيح في بلدة دبل لم يسلم. يظهر جندي إسرائيلي وهو يحطّمه، الاستهداف لا يطال الأجساد فقط، بل يمتدّ إلى الرموز وإلى ما يمنح الحياة معناها.

حتى الشقة التي كُتبت فيها «رسالة إلى جندي إسرائيلي» لم تعد مكانًا، بل صارت ركاماً.

ثم يمحى كلّ ذلك دفعةً واحدة. في عشر دقائق فقط: أكثر من 160 غارة، وأكثر من 300 شهيد.

ما يمحى هنا ليس الأفراد وحسب، بل ما كانوا يعيشونه أيضاً: بيوتهم، وأرزاقهم، وأماكنهم.

يتكرّر خطاب «هم يحبّون الموت، ونحن نحبّ الحياة». جملة تُقال لتنهي كلّ سؤال. ثم تأتي صيغة أكثر عنفًا: هؤلاء «منتحرون»: خلّي اللي بدو ينتحر يقعد لحالو، مش ببيوت اللي ما بدو ينتحر.

هكذا، يُنزع عنهم كلّ سياق، ويعاد تعريفهم كأجساد تسعى إلى فنائها. وما يُسمّى «انتحارًا» ليس إلا اسمًا آخر لما يحدث حين يُعاد توزيع الموت على الضحايا، ثم يُطلب منهم تفسيره.

الخطوط التي تفرّغ المكان من ناسه

اليوم، ونحن نعدّ هدنة الأيام العشرة على أصابع اليد، فيما تتواصل التشييعات في أنحاء البلاد، يعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن «خطٍّ أصفر» في جنوب لبنان، في الوقت الذي يعود فيه عشرات آلاف النازحين إلى بيوتهم، أو إلى ما تبقّى منها، عودةٌ تتزامن مع رسم خطوط جديدة على الأرض.

لم يعد الجنوب مساحة واحدة، بل مجموعة «خطوط»: «خط أحمر» لقرى دمّرت بمعظمها، و«خط الليطاني» كخط فصل ميداني، و«خط أصفر» يضمّ خمساً وخمسين بلدة يمنع أهلها من العودة إليها. هذه الخطوط ليست توصيفاً عسكرياً وحسب، بل مسارات تعاد عبرها صياغة المكان: تقسيم، تصنيف، وتحديد من يمكنه البقاء ومن يدفَع إلى الرحيل. 

هذا المنطق ليس جديداً. في غزّة، رسمت الأرض بالطريقة نفسها: خطوط، مناطق، وممرّات، تُحدَّد فيها الحركة والحياة، ويعاد توزيع الناس داخلها أو خارجها.

ما نراه هنا هو الامتداد نفسه: ليس فقط حرباً على مكان، بل إعادة تنظيمه عبر مسارات تفرض عليه. وفي الوقت نفسه، تستمرّ عمليات التفخيخ والتفجير والهدم في القرى الحدودية؛ قرى تدمَّر وبيوت تهدم، فيما يحاول البعض العودة، ويُجبر آخرون على نزوحٍ قسريّ من جديد. بهذا المعنى، لا تكون الحرب قد توقّفت، بل تغيّرت طريقتها، لتصبح تفريغاً تدريجياً للمكان من ناسه.

فالهدم هنا لا يطال الحجر فقط، بل ما يحمله: ذاكرة البيوت، وعلاقة الناس بأرضهم، وإمكانية البقاء فيها.

وفي هذه المرحلة، لا يعود السؤال كيف تنتهي الحرب، بل إن كان هناك ما يمكن أن يبقى بعدها.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
الجولة الثانية تنتهي بتمديد الهدنة ومدح المفاوضات
تمديد الهدنة في لبنان لمدّة 3 أسابيع
تعليق

لا شيء يضعنا خارج هذا القتل

دارين أبو سعد
حدث اليوم - الخميس 23 نيسان 2026
23-04-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 23 نيسان 2026
آمال خليل: «مراسلة الجنوب» التي أزعجت إسرائيل
23-04-2026
تقرير
آمال خليل: «مراسلة الجنوب» التي أزعجت إسرائيل
مأزق المفاوضات: أوهام الخارج وانقسام الداخل
23-04-2026
تقرير
مأزق المفاوضات: أوهام الخارج وانقسام الداخل