تعليق السيسي
رشا عزب

أصوات ما قبل الطوفان: أنا رحت القلعة وشفت هلال 

23 تشرين الأول 2026

عفن الجذور

مع نهاية مرحلة صعبة وبداية أخرى، ومع تغييرات مفصليّة في حياتي الشخصية، تحت وطأة استبداد الحكم في بلادي واستبداد جسدي على روحي، أو العكس، في ما نصفُه بـ«المرض»، وجدتُ نفسي أمام أرض وهواء جديدَيْن، تعمر قلبي باللون الأخضر، صرتُ أتلمّس الزرعات في الصباح وأودّعها في المساء. 
كان فارقاً ما حدث لي، بعد سنوات من فشلي في الاهتمام بأيّ نبات. فكما عانى النبات من العطش بسبب نسياني الدائم له ثمّ الموت هجراً، أدركتُ أنّه يمكن للنبات أن يموت من الاهتمام الزائد أيضاً. هوسُ المبتدئين بسلامة النبات يمكن أن يقتله، فتموت الجذور في صمت قبل أن تخبرنا أوراقها بذلك، وحين تتحدث الأوراق وتعلن عن مرضها، يكون الجذر قد سكت عن الكلام للأبد. 
تفحّصتُ التربة، مسكتُ الجذر المتعفّن بيدي، كان هشّاً وفارغاً من الداخل، تركّزت فيه نقط المياه الزائدة على مدار أيام طويلة حتى تحلّلت الجذور من فرط الحماقة، ذابت الأوردة والأنسجة وغرقت في مكانها، ولم تستطع النجاة من الأرض.
سألتُ نفسي متى نصبح، بدورنا، جذوراً، ومتى نصير أوراقاً؟ 
كنّا أوراقاً ذات يوم وكانوا جذوراً.
صرنا جذوراً اليوم، وعلينا تفحّص التربة قبل النظر إلى الأوراق. 
هل تعفّنت السياسة في مصر إلى درجة أنّ كل المفردات، والمؤسسات، والشخصيات تحتاج إلى إعلان مناطق العفن؟ 
هل بارت كل الأدوار القديمة، نظاماً ومعارضة؟ هل يمكن أن يكون سبب الكارثة هو سبب الحلّ؟
يخرج الرئيس ويعلن عن تداول السلطة، وفقاً لطريقته في الحكم. لديه خطّة كاملة، حتى في الخروج من الحكم. وطبقاً للخطّة، فإنّ الأكاديمية التي أسّسها لإصدار المواطن الصالح، والموظف، والمعلّم، والشيخ الصالح، سوف تختار الرئيس الصالح القادم. ليس هناك حاجة إذن لتعديل الدستور، لأننا وضعناه في النيش للفرجة والعبرة منذ إقراره. وليس هناك حاجة للشعب وممارسة الديموقراطية بشكلها الحقيقي عبر الاختيار الحرّ المباشر، لأنّ الاكاديمية سوف تختار أوّلاً! وفي النهاية، سيرى الباحثون والساسة أنّ دور الأكاديمية والشروط المقترحة تحتاج إلى تعديلات دستورية لإقرارها، لأنّ كل ما اقترحه الرئيس، غير دستوري. ولكن ما الداعي لكلّ هذا الضجيج حول تداول السلطة في بلدٍ يعاقبنا على تداول الآراء؟
ففي اللحظة التي أعلن فيها تنازله عن الحكم طواعيةً في 2030، نعيش تهديدات مباشرة، موجة كاسحة لإنهاء روافد الصحافة المستقلة، جذورها وأوراقها، مؤسّسيها وشبابها. 
ما يحدث ليس إلا مقدمة موسيقية للحدث الأهمّ: إنّهم يحاولون التخلّص من أصواتنا قبل الطوفان القادم. بلادنا مقبلة على شظف للعيش أكبر ممّا عشناه. وبينما تنهار العملة أثناء انعقاد منتدى الإنجازات، يناقش مجلس الشعب احتمالية أن يذهب شبابنا إلى الحرب، أن تحترق الأوراق الخضراء فداءً للجذور المتعفّنة. 
نحن الذين قُدِّر لنا أن نعيش الثورة وهزيمتها وعقابها المستدام، الوباء وعزلته وخرابه على الروح والبدن، الإبادة المستمرّة منذ ثلاث سنوات في غزة التي تحوّل العالم معها إلى شاهد عيان لا يستطيع وقف ما يحدث، كان ألبوم فواجعنا ينقصه الحرب والموت فداءً للديون المستحقّة. الحرب بديلاً للإفلاس الكامل ونزع ستارة الحياء المثقوبة عن الاقتصاد المصري. الحرب خارج حدود الوطن، تنفيذاً لأوامر أصحاب الفخامة والجلالة والسموّ، أصحاب الديون. 

أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن...

أنا الذي لا حولَ لي أو شأن...

أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان،

أُدعى إلى الموت... ولم أُدعَ إلى المجالسة!! 

تكلّمي أيّتها النبيّة المقدّسة.

رُحت القلعة وشفت هلال 

حين بدأ هذا الشاب عمله الصحفي، كان النظام السياسي قد تموضع في الحكم بشراسة، وتأمّمت الصحافة والإعلام بعد سيطرة الشركة المتّحدة على مجريات الصورة والصوت، واحتكار كل الشاشات. وحين اعتقل، هو رفاقه، كان النظام يريد أن يهندس مرحلة ما بعد الخراب، دون إزعاج، ومع ذلك اختار هذا الشاب الذي لم يتجاوز عمره سبع سنوات وقت اندلاع ثورة يناير، أن يذهب الى مسار آخر في العمل الصحفي، ذهب ليتعلم تدقيق المعلومات والبيانات. ولكن ماذا يعني ذلك في بلدٍ تغيب عنه المعلومات الأساسية لأنّ نظام الحكم يتوقع أنّه يستطيع حجب المعلومات في ظلّ عصر الذكاء الاصطناعي، بل وتأتي شاشات النظام المصرية السعودية، بصحفي مفصول من نقابة الصحفيين ومتّهم في محاضر رسمية بالاعتداء على زملائنا ونهب مستحقاتهم، ليتحدّث بصوتهم عن المصادر المفتوحة باعتبارها أدوات للتخابر!

يضحك علينا العالم، لأنّ نظامنا يحاول مواجهة العصر بقبضة الماضي، يصرّ على مواجهة التويتة بجيش إلكتروني، ومحاصرة البوست بكتيبة، ومقاومة الفكرة بالزنزانة! ربما تكسب الأنظمة قليلاً أو لبضع سنوات باتباع هذه الطريقة، ولكنها من المؤكد لن تستطيع مقاومة العفن الذي خرجت رائحته للساحات. المستقبل بعيد عنكم وأنتم بعيدون عنه مهما حاولتم التحكّم فيه، الجذور متعفّنة إلى درجة مقلقة، اسألوا الأجهزة الأمنية التي لا بدّ أنها رصدت كل علامات هذا العفن، واحتارت ما العمل؟ لقد اختار النظام الاستمرار في النهج الصدامي لتكسير كل الخلايا الحيّة. الهدف أن يتحوّل المجتمع المصري إلى مزرعة داجنة متساوية الحظوظ في القهر والفقر، حتى أغنياء المجتمع يصبحون فقراء في غياب القانون والعدالة، هل يمكننا أن نستوعب أنّ رئيس وزراء هذه البلاد رهينة في وظيفته؟ فمنذ سنوات يحاول الخروج من الخدمة هو وعدد من الوزراء، لكنهم لم يجدوا حتى الآن من يرضى بهذه الشيلة الثقيلة. من يدركون أنّ هناك عفناً في الجذور، يخافون الاقتراب من الحكم، حتى رموز عصر المخلوع مبارك. 
ماذا يعني يا هلال أن تتجاهل كلّ هذا العفن وتتجاوز هندسة الاستبداد وتختار صحافة البيانات؟ حين رأيته، كنت في استراحة من التحقيق معي بتهم جديدة، تنضمّ إلى لائحة الاتهامات ضدّي منذ عام 2008، تاريخ أوّل قضية أذهب بها للمحكمة بسبب الكتابة و النشر. وبالمناسبة، هذه هي القضية رقم 4 في قضايا النشر! 
رأيتُ شابّاً في مطلع عشرينيّاته بينما قفز عمره الجديد على أكتافه المتساقطة، مثل منحنى شديد الانحدار، يرفع قدمه بالكاد فوق أرض الممرّ المُضاء بالنيون الأبيض الذي يجعل كل الألوان حوله باهتة. يسير المتّهم الصغير الذي يرتدي ملابس السجن البيضاء الكالحة، يغطس بين الحرّاس، بينما نحاول الاطمئنان عليه بعيوننا، من موقعنا في نهاية الممرّ، أمام غرفة التحقيق معي، بينما كانت غرفة التحقيق مع الزميل الصحفي عمر هلال تجاورني، وبعدنا غرفة التحقيق مع الزميل عبدالله قدري. كان الممرّ كلّه للتحقيق مع الصحفيين! 

رأيتُه في ذهابه ومجيئه بين الحمّام وغرفة التحقيق، وكانت المسافة بيننا يملؤها الحرّاس والمحامون المصلوبون بجوار موكّليهم، ولون النيون الأبيض. كانت المرّة الأولى التي أراه فيها بعد نشر صورته المهندمة الواعدة بعد إلقاء القبض عليه، فلم نعرف هذا الجيل من الصحفيين بشكل شخصي، ولكننا عرفنا أعمالهم بديلاً عنهم، تصفهم وتعرّفهم كجيل ينحت الصحافة كما ظهرت في بواكيرها، صحافة المعلومة والخبر المسند والرأي النابع من الضمير. لم أعرف عمر هلال من قبل، لكنني رأيت جيله العنيد المثابر يوم بدأت الإبادة في غزة، رأيتهم وعملت معهم، يحبّوننا ويلعنوننا في آن، نحبّهم ونخاف عليهم ونغضب منهم أيضاً، لكنّهم يعيدوننا مع صباح كل يوم إلى مواقعنا الجديدة، التي لولا ظهورهم البارق الذي كسر رائحة العفن، لما شعرنا بأنّ هواءً جديداً اقتحم غرفتنا وأنّ علينا النهوض من جديد. 

أنا أؤمن بالتغيير القادم بكم يا عمر، وأنّ لدى جيلكم الفرصة في الانقضاض على كلّ هذا العفن، رغم حصارك وحصار جيلك، ما بين السجون والمنافي، وأخيراً الحرب. 
نحن لا نملك الكثير، ضمائرنا وأصواتنا المتاحة إلى حين، ولكنّنا لن نخون، أصواتنا لكم حتى الفجر القادم. 
يا عمر هلال...
أبعث إليك مع كلّ صباح، سلامي وبعضاً من كلامي هذا، وأغنّي لك بصوتٍ مُتعَب ومُهدَّد بالغياب لظروف الجراحة العاجلة أو الاستبداد العاجل أو كليْهما. 
أنا رُحت القلعة وشفت هلال، 
حواليه العسكر وفي عينه أهوال. 
مع الاعتذار للفاجومي والشيخ إمام.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

أصوات ما قبل الطوفان: أنا رحت القلعة وشفت هلال 

– رشا عزب
توقّف عن دعم المرشّحين مباشرةً: أيباك تتراجع إلى الظلّ
23-10-2026
أخبار
توقّف عن دعم المرشّحين مباشرةً: أيباك تتراجع إلى الظلّ
تظاهرات في سوريا رفضاً للاعتداءات الإسرائيلية
عملية في الخليل: استشهاد المنفّذَين و6 جرحى من الاحتلال
زيتون راشيا الفخّار: تحت رحمة الاحتلال والميكانيزم
23-10-2026
تقرير
زيتون راشيا الفخّار: تحت رحمة الاحتلال والميكانيزم
حدث اليوم - الخميس 22 تشرين الأول 2026
22-10-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 22 تشرين الأول 2026