قضية الأسبوع السيسي
ميغافون ㅤ

«مدى مصر» بعد «متصدّقش»

السيسي ينقضّ على الإعلام المستقلّ

24 تشرين الأول 2026

اعتقالات على هامش المنتدى

انتهى «منتدى مصر»، ومعه الأيام الستّة التي خصّصها الرئيس المصري لاستعراض 14 سنةً من الحكم عبر عشرات حلقات النقاش والندوات. وفي اليوم الذي القى فيه السيسي كلمته مؤكداً أنّ على الحكومة أن «تسمع وتناقش وتقبل أي نقد»، وبينما كان المحاضرون يردّدون «إنجازاته»، خضعت رئيسة تحرير «مدى مصر»، لينا عطاالله، للتحقيق ستّ ساعات على خلفية تقرير نشره الموقع عن احتجاجاتٍ داخل السجون المصرية. وبعد أقلّ من 24 ساعة، أحالت النيابة عطاالله إلى محكمة جنح القاهرة الجديدة بتهمة تأسيس وإدارة موقع إلكتروني بدون ترخيص، لتبدأ محاكمتها الثلاثاء المقبل. 

يأتي هذا الهجوم على «مدى مصر» بعد ستّ ملاحقات قضائية طالت الموقع خلال السنوات الستّ الماضية، وبعد اعتقال ستّة صحافيين من فريق تحرير منصّة «متصدّقش» في آخر أيّام شهر أيلول الماضي، وهم أمحمد أشرف أبو عميرة وعبد الله قدري وإسلام بركات وعمر هلال ومحمد محمود ومحمد عادل. اعتُقل الشبّان الستّة بفارق ساعات، في انقضاضٍ هو الأكبر على الصحافيين مؤخرًا. ووُجِّه لهم سيل من الاتهامات المفبركة، من بينهما انتماء بعضهم إلى جماعة الإخوان المسلمين، كما تمّ تعذيبهم في مراكز الاحتجاز المصريّة.

غير أنّ السُّبحة لم تقف عندهم. فبعد حين، وعقب تنظيم نقابة الصحافة وقفةً تضامنيةً معهم، استدعت الأجهزة الصحافية رشا عزب، ليتّضح أنّ توقيف فريق تحرير «متصدّقش» كان بداية حملة أوسع على الإعلام المستقل. وإن مرّت هذه الموجة، ثمّة مخاوف من أن تشكّل هذه المحطّة السوداء مدخلاً لحملة قمع أوسع يقودها السيسي، وهو يستمع إلى إنجازاته التي كان يناقشها لاعقو أحذية النظام المصري.

السيسي الخائف من تدقيق الصحافة

لم يكن كافيًا تنظيم «منتدى مصر» لتهدئة بال السيسي. فهو يدرك أن «إنجازاته» لن تصمد أمام أيّ تدقيق صحافي، وأنّ لاعقي الأحذية الذين أحاط نفسه بهم يكذبون عليه كما يكذب هو على الشعب المصري. لذلك انقضّ على ما تبقى من أصوات مستقلّة في مصر، أصوات قد لا تفعل أكثر من الإشارة إلى الهوّة الواسعة بين كلام النظام والواقع. 

اتّهم القضاء المصري فريق «متصدّقش» بنشر الأخبار الكاذبة والاجتماع مع قيادات الإخوان المسلمين، من دون تقديم أيّ دليل. إلا أنه خلال التحقيق، سُئل الصحافيون عن كيفية انضمامهم للفريق وسياستهم التحريرية ورواتبهم. يحاول القضاء إذاً تفكيك المنصّة من الداخل، إذ يرى نظام السيسي في «متصدقش» تهديداً مباشراً لمشروعه القائم على الفصل الدائم بين الكلام والواقع، أي مشروعه الذي لا يحتمل أيّ تدقيق، مهما كان متواضعًا. وقد اتّخذ التحقيق مع عطاالله المسار ذاته، حيث انتقلت التهمة من «تأسيس وإدارة موقع إلكتروني بدون ترخيص» إلى «نشر أخبار كاذبة من شأنها تكدير السلم العام». 

إذن، لم يعد السيسي يحتمل أيّ تدقيق لكلام نظامه، في لحظة سياسية حسّاسة يبحث فيها عن كيفية إعادة تدوير سيطرته على النظام المصري. فبعد إعلانه عدم نيّته الترشّح لدورةٍ انتخابية جديدة عام 2030، قدّم السيسي «مساراً» غرائبيّاً لإعداد الرئيس المُقبل، فأسندَ إلى الأكاديمية العسكرية مهمَّة إعداد كوادر مؤهّلة للمنافسة على منصب الرئاسة، على أن يكونوا من حَمَلة الدكتوراه وتتراوح أعمارهم بين 40 و50 عاماً ويتراوح العدد المقترح بين 200 و500 شخص.

2030، (ربّما) يُغادر المُشير مكتبه، مخلّفاً وراءه إنجازات كثيرة استعرضها في الأسبوع الأخير. إنجازات، منها على سبيل المثال لا الحصر، دين خارجي قيمته الإجمالية 166.45 مليار دولار (حتّى الآن) لتبلغ نسبة الدين العام 81.9٪ من الناتج المحلّي الإجمالي، وتلويح رئيس الوزراء بتقنين الكهرباء 8 ساعات يومياً، وعشرات الصحافيين المعتقلين، وأخبار كاذبة عمّمتها السلطة على أنّها حقائق، وصحافة لا تفعل سوى اجترار تصاريح الزعيم، وصولاً إلى تغيير بعض وسائل الإعلام لقب السيسي إلى «فخامة الرئيس الزعيم». 

التدقيق فعل مقاومة

السيسي لا يحبّ التدقيق الصحفي، لكنّه يحبّ المنتديات، لا سيّما تلك المخصّصة لإنجازاته. فهذا النوع من الأنظمة لا يستقرّ إلّا إن قضى نهائيًا على هذا الخط الرابط بين الكلام والواقع، هذا الخط الذي يخشاه الديكتاتور، حتى وهو محاط من جوقة المطبّلين لنظامه. وفي عالم كهذا، لم يعد التدقيق مجرّد عملٍ صحفي يدعو للمساءلة العامة، ولم يعد هدفه الوحيد التحقّق من المعلومات أو تصحيح الأخبار المتداولة. يتحوّل التدقيق إلى خطّ الدفاع الأخير عن إمكانية الحقيقة، عن التمسّك العنيد بهذا الخطّ الذي يربط بين الكلمة والواقع. هو فعل مقاومة بإسم إمكانية الحقيقة. وهو فعل مقاومة لأنّ من تمّ توقيفهم ما زالوا مصرّين على ممارسة العمل الصحفي من داخل مصر، وعلى اعتبار أنّ للحقائق مكاناً في مصر. 

أمام محاولة السيسي إسكاتهم، اجتمعت ثماني مؤسسات صحفية من مصر ولبنان وتونس وسوريا، لتُطلق غرفة أخبار مشتركة لتدقيق ادعاءات المؤتمر. تضامناً مع الصحفيين الستة، عملت كل من «صحيح مصر» و«مدى مصر» و«المنصة» و«ميغافون» و«درج» و«صفر» و«نواة» و«الجمهورية» تحت شعار «لحد ما يرجعوا… التحقّق مستمر». 

متصدّقش هذه النسخة من باسم يوسف

في هذه اللحظة من الانقضاض على الصحافيين وعلى حريّتهم في ممارسة عملهم، وفي وقت يقبع فيه ما لا يقلّ عن 25 صحافياً في السجون المصرية على خلفية عملهم وآرائهم، قرّر باسم يوسف الظهور في مؤتمر السيسي إيّاه والتحدّث عبر الفيديو إلى الحاضرين، بمن فيهم السيسي نفسه، عن مخاطر «السوشال ميديا»، قبل أن يعد جمهوره بلقاء قريب في مصر.

للتذكير، يوسف حقّق شهرةً واسعة من خلال نقده اللاذع لنظام مبارك وإعلامه في بداية الثورة المصرية عام 2011، ثمّ نقده لحُكم «الإخوان» والرئيس محمد مرسي، ثمّ نقد السيسي الذي كان يستعدّ لتولّي السلطة، قبل أن يعلن يوسف في حزيران 2014 توقّف برنامجه بسبب الضغوط. غادر يوسف مصر ولم يعد إليها منذ ذلك الحين. لكن بعد كلّ الأثمان التي دفعها نتيجة مواقفه، يبدو أنّ باسم يوسف اختار هذه اللحظة بالذات من أجل «التصالح» مع نظام السيسي الذي «نفاه» من مهنته وبلده.

لكنّ الأمر لا يقتصر على مجرّد إطلالة ليوسف في مؤتمر السيسي، بل في مضمون كلامه عن «السوشال ميديا» الذي يتماهى مع كلام السلطة. فبسذاجة مصطنعة، يتحدّث يوسف عن الإلفة بين الشعوب العربيّة التي يدخل وحش «السوشال ميديا» ويخرّبها، أو بكلام آخر، السلطات براء من تزكية مشاعر الكراهية والعنصريّة. من يؤجّج إذاً تلك المشاعر؟ «إحنا عارفين»، يقول يوسف، «عارفين الحسابات اللي بتخشّ تولّع الدنيا» وهي ليست حسابات مصريّة أو سعوديّة أو مغربيّة، بحسبه. هنا يبتسم السيسي موافقاً، ثمّ يدوّن بعض الملاحظات. فكلام يوسف الذي كان ذات يوم يوجع السلطات، بات يُطربها. 

كيف تمكّن يوسف من فعل ذلك؟ أو ما الذي يبقى من باسم يوسف إن تخلّى عن نقده للسلطة في بلاده؟ لو طُرح هذا السؤال قبل 7 أكتوبر 2023، لكان الجواب: «لا شيء»، أو «ليس الكثير». أمّا اليوم، فقد أعاد يوسف تقديم نفسه في الولايات المتحدة ووسائل الإعلام الغربية كمدافع عن فلسطين. بات هذا هو المعنى السياسي لباسم يوسف المنفيّ. لكن بدلاً من أن يُقرن دفاعه عن فلسطين هذا بنقده للأنظمة الدكتاتورية، ارتأى يوسف أن يتبنّى خطاباً فلسطينياً من النوع الذي لا يُزعج الأنظمة، لا بل «يتصالح» معها على حساب الحريات، حرية الصحافة والصحافيّين. 

Fact check. متصدّقش هذه النسخة من باسم يوسف.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
قضية الأسبوع

«مدى مصر» بعد «متصدّقش»

– ميغافون ㅤ
حدث اليوم - الجمعة 23 تشرين الأوّل 2026
23-10-2026
أخبار
حدث اليوم - الجمعة 23 تشرين الأوّل 2026
فن وخيال وعمل ثقافي بين سوريا ولبنان
23-10-2026
تقرير
فن وخيال وعمل ثقافي بين سوريا ولبنان
تعليق

أصوات ما قبل الطوفان: أنا رحت القلعة وشفت هلال 

– رشا عزب
توقّف عن دعم المرشّحين مباشرةً: أيباك تتراجع إلى الظلّ
23-10-2026
أخبار
توقّف عن دعم المرشّحين مباشرةً: أيباك تتراجع إلى الظلّ
تظاهرات في سوريا رفضاً للاعتداءات الإسرائيلية