قضية الأسبوع مصر
ميغافون ㅤ

مصر من دون مدى

31 تشرين الأول 2026

رسالة حبّ إلى «مدى مصر»

قبل مثول «مدى مصر» ورئيسة تحريرها لينا عطاالله أمام المحكمة بيوم واحد، نُشِر نصّ قصير على صفحات المنصّة، رُسمت فيه معالم الصحافة المستقلّة في عالمنا العربي الغارق في ظلامه. في المرحلة الزمنية ما بعد الاستدعاء وما قبل قرار الإغلاق، وفي زاوية إحدى صفحات هذا النص، برز طلبٌ صغير: ونرحّب بتلقّي رسائل الحبّ في الأثناء. لكنّ رسائل الحب تتأخّر دائمًا قبل أن تصل، فجاءت تلبية الدعوة بعد صدور قرار إغلاق «مدى مصر» من قبل نظام السيسي، وبعد «اكتشاف» قرار غيابيّ بسجن لينا لمدة سنة. 

ألسنا محظوظين- من الناحية النظرية على الأقلّ- بكوننا صحفيّين؟ يسأل النصّ المنشور على صفحات «مدى مصر»، مشاكسًا الجوّ العام العبثي. من الصعب الإجابة على هذا السؤال اليوم. وبدل الحظ، نقدّم الحبّ لمنصّة رسمت وما زالت ترسم معنى الصحافة في عالمنا العربي، صحافة تصنع حريّتها، على إيقاع الاستدعاءات والتوقيفات والتهديدات.  

مدى الثورات العربيّة

هي إذاً رسالة حبّ لـ«مدى مصر»، ومن خلالها للثورات العربية، هذا الحدث الذي أسّس لوعينا السياسي، وعي عابر للحدود الوطنية ولحدود الممكن في آنٍ. فتاريخ «مدى مصر» هو تاريخ الثورة المصرية وثوراتنا العربية، تاريخ مقارعة الأنظمة وتاريخ التضامن سويًّا. فقد تأسّست «مدى مصر» في خضمّ تلك اللحظة التاريخية، في حزيران 2013، على يد مجموعة من الصحافيين الشباب، بينهم لينا، خلال المرحلة التي تلت عزل الرئيس محمد مرسي قبل أن تؤسّس لصعود السيسي إلى الرئاسة في عام 2014. لم تنشأ «مدى مصر» في لحظة انفتاح بين حكمَيْن قامعَيْن فحسب، بل جسّدت هذا الانفتاح، وصنعته، حتى باتت ممثّلته الأساسية، والبرهان عن وجوده الهشّ.  

لم يكن تجسيدًا سهلًا. فالعمل الصحفي يحتاج إلى حريّة. أمّا «مدى مصر»، فصنعت الحريّة التي تحتاجها، مقاًلا تلو الآخر، وتحقيقًا تلو الآخر، وبينهما استدعاءات وتهديدات متواصلة. صنعتها في ظلّ سعي نظام السيسي المتزايد لاحتكار الرواية، هذا الديكتاتور الذي لم يستحِ عندما صرّح يومًا: أنا بكرّر مرة تانية متسمعوش كلام حد غيري... أنا مش بكذب وفاهم وعارف أنا بعمل إيه. من إعلام مستقلّ يصنع شروط وجوده، تحوّلت «مدى مصر» إلى من يحاول أن يُسمِع المواطنين والمواطنات «كلام حد غيري»، أي كلاماً يتمسّك بهذا الفارق البسيط بين الواقع وكلمة الأقوياء. لكن الديكتاتور لا يتحمّل أيّ اختلاف، مهما كان ضئيلًا. 

انغلاق المدى مع عودة الأنظمة

بدأ الديكتاتور بالانقضاء على الصحافة والإعلام. ففي عام 2016، اقتحم الأمن الوطني نقابة الصحافيين لأول مرة منذ تأسيسها في عام 1941، وبعدها بسنة، حجب مئات المواقع الإلكترونية، من بينها مواقع إخبارية وحقوقية، كانت «مدى مصر» في طليعتها، واستحوذت «شركة إيجل كابيتال»، المملوكة من قبل «جهاز المخابرات العامة» على معظم الوسائل الإعلامية المصرية الخاصة التي كانت تعمل تحت مظلة «المجموعة المصرية للإعلام». وفي عام 2018، قرر تقنين القمع مع فرضه قوانين جديدة للسيطرة على الإعلام. من وقتها، بات الإعلام المصري خاضعاً لما عُرف لاحقاً بـ«صحافة الواتساب»، أي من خلال تعليمات أمنيّة استباقية ترسم حدود المسموح نشره أو قوله. ولكن بقيت «مدى مصر»، وقلة قليلة من المنصات الرقمية، خارجة عن حدود المسموح به، تبحث في الممنوع عن روايات أخرى، وعن حقائق مخفيّة، وعن مهمّشين منسيّين. 

دفعت «مدى مصر» ثمن عملها، بدايةً من خلال حجب موقعها عام 2017، ثمّ مداهمة مكتبها في عام 2019 بعد نشر تقرير عن محمود السيسي، نجل الرئيس، ثمّ توقيف لينا عطالله أمام سجن طرّة أثناء إجراء مقابلة مع ليلى سويف، والدة علاء عبد الفتاح عام 2020. وبعدها بسنتين، تمّ التحقيق مع لينا وثلاث صحافيات على خلفية تقرير عن تحقيقات مزعومة في قضايا فساد تطال قيادات في حزب «مستقبل وطن» المؤيّد للسيسي، ومجددًا عام 2024، على خلفية تقارير عن سيناريوهات تهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر وآخر عن إبراهيم العرجاني و«بيزنس» معبر رفح. لم ينتهِ مسلسل التوقيفات والتحقيقات هنا. ففي عام 2025، تمّ استدعاء لينا إلى نيابة أمن الدولة العليا للتحقيق بعد تقرير عن أوضاع الاحتجاز في سجن بدر 3. أما اليوم، فتمّ التحقيق معها بشأن تقرير احتجاجات السجون. كان ذلك قبل صدور قرار إغلاق الموقع نهائيًا، وكأن السيسي يُعلن رسمياً نفاد صبره. 

تاريخ «مدى مصر» هو تاريخ هذا التقاطع، تقاطع تاريخ الثورات العربية وتاريخ قمعها، هي المنصّة التي جسّدت هذه المواجهة وحمَلتها إلى أقصى حدودها، حتى انتهى صبر الديكتاتور الذي كرّر مرّةً أخيرة متسمعوش كلام حد غيري.

مدى الإعلام المستقلّ

لم تقاوم «مدى مصر» الديكتاتور فحسب. وهذا وحده كان كفيلاً بكتابة مئة رسالة حبّ وتضامن. لكنّها أسّست أيضًا، بعملها ووجودها، حقل الإعلام العربي المستقلّ. أو قاومت الأنظمة من خلال تأسيس بدائل عنها وعن خطاباتها. فعلت ذلك من خلال تحوّلها إلى معيار للصحافة، من خلال تغطيتها وتحقيقاتها التي تجاوزت مراراً الخطوط الحمراء التي وضعها الرئيس/الأب، وقد زُجّ الكثير من الصحافيين بسبب هذا النوع من الصحافة في السجون، كان آخرهم فريق «متصدقش» بأكمله، وقبله رسام الكاريكاتير في «المنصة» أشرف عمر وغيرهم. كما فعلت ذلك من خلال التمسّك برواية مختلفة عن مصر، رواية تنقد وتدرس وتحصي تحوّلات هذا المجتمع، في وجه كل من أراد تنميط وتبسيط وتثبيت هذه الصورة. كما فعلت ذلك من خلال عنادها المقاوم في وجه السلطات، عناد بات نموذجًا لنا، نحن القاطنين في أنظمة أقلّ عنفًا وقمعًا. وفعلت ذلك من خلال تأسيس شبكة «فبراير» للإعلام العربي المستقل، والتي حضنت تجارب صحفية عديدة وأجيالاً من الصحافيين والصحافيات. 

في لحظة كهذه، لا غد بلا هذين: التضامن والصحافة. معًا يشيران إلى الجماعية التي تظهر لحظة الخطر. هكذا عرّف النص مهامّ اللحظة. وقد بات ذلك واجباً على أيّ صحافيّ اليوم، في وجه محاولات إسكات «مدى مصر». فإنّ الأمر لا يخصّ «نحن» الصغيرة، «مدى مصر»، بل «نحن» أكبر بكثير، يخلص النص. «نحن» الأكبر اليوم بخطر، بداية من القاهرة. 

مصر من دون «مدى مصر»

الخطر يأتي بداية من القاهرة، إذن. فماذا يعني أن تكون مصر من دون مداها؟ وماذا يعني أن هذا الفارق البسيط بين الواقع وكلام الديكتاتور مهدّد بالزوال؟ وماذا يعني أنّ لا إمكانية للاختلاف بعد اليوم، مهما كان بسيطاً؟ «مدى مصر» وسائر ما تبقى من منصّات إعلامية مستقلّة، كمنصّة «متصدقش»، هي آخر احتمال لوجود روايات تخرج عن رواية النظام عن نفسه، آخر إمكانية لسماع ​​«كلام حد غيري». من دونهم، مصر تذوب في رواية «الإنجازات»، لتصبح هي ومجتمعها مجرّد كومبارس في خطاب الديكتاتور ومؤتمراته. ما يتمّ إغلاقه اليوم ليس منصّة، بل هذه الإمكانية بالضبط. نتذكر أنّ الزمن ليس خطيًّا، يخلص النص الصغير على صفحات «مدى مصر»، وأنّ النهايات ليست مكتوبة سلفًًا. يحاول النظام كتابة نهاية الإعلام المستقلّ اليوم. وعلينا الإصرار أنّ ما مِن نهاية مكتوبة سلفًا. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
كيف يحمي النظام الضريبي الأغنياء في لبنان؟
31-10-2026
تقرير
كيف يحمي النظام الضريبي الأغنياء في لبنان؟
قضية الأسبوع

مصر من دون مدى

– ميغافون ㅤ
حدث اليوم - الجمعة 30 تشرين الأول 2026
30-10-2026
أخبار
حدث اليوم - الجمعة 30 تشرين الأول 2026
ادعاءات نتنياهو لم تقنع الناخبين الدروز
30-10-2026
تقرير
ادعاءات نتنياهو لم تقنع الناخبين الدروز
النظام الإيراني يلاحق جعفر بناهي من جديد
30-10-2026
تقرير
النظام الإيراني يلاحق جعفر بناهي من جديد
حصار الخليل 
30-10-2026
أخبار
حصار الخليل 
الاحتلال يخنق اقتصاد الضفة الغربية