قضية الأسبوع طوفان الأقصى
ميغافون ㅤ

الإبادة التي قضت على «حلّ الدولتَيْن»

25 أيار 2024

«حلّ الدولتين»: من مستقبل واعد إلى ماضٍ هزيل

في مقابلة عن الوضع في غزّة، قال توماس فريدمان، صاحب نظرية «فهم الشرق الأوسط من خلال مملكة الحيوانات»، أن على داعمي إسرائيل أن يطالبوا بتنحية نتنياهو، وعلى داعمي الفلسطينيين أن يعارضوا حماس ويدعموا السلطة الفلسطينية. في كلام فريدمان، محاولة لإحياء «حل الدولتين» والعودة إلى المسار التفاوضي، لكنّه يحتوي أيضاً على اعتراف ضمني باستحالة هذا الخيار لكون الطرفين المتصارعين هما الطرفان المطلوب نبذهما. 

على سخافته، يعبّر كلام فريدمان عن مأزق الموقف الدولي من المسألة الفلسطينية، والذي بقي حتى الإبادة محصورًا بمسار تفاوضي منتهي صلاحيته حتى بات أفق «حل الدولتين» أكثر وأكثر خارج أي واقع. طوفان الأقصى والإبادة المستمرة لم يقضيا على هذا المشروع التسعيناتي، بل أعلنا ما كان يعرفه الجميع، وهو تحوّل هذا المشروع إلى جثّة، لا أحد يقبل بدفنها. فما حصل منذ أشهر يؤكّد أن هذا «الحلّ» بات في عداد الموتى، وإن كانت ماكينة العلاقات الدولية لم تحدّث خطابها بعد.


قرار المحكمة الجنائية: الإبادة في وجه التفاوض

يأتي طلب المدعي العام للمحكمة الجنائيّة الدوليّة بملاحقة مسؤولين إسرائيليّين لارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة، كإشارة للتحوّل في المناخ الدولي حيال إسرائيل، حتى وإن كان مستبعداً أنّ يتمّ اعتقال قادتها. فطلب ملاحقة مسؤولين إسرائيليين وقادة من حماس يعاكس المفاوضات الجارية لإيقاف القتال، من خلال اعتبار «ممثّلي» الطرفين كخارجين عن القانون الدولي. قد لا يؤثر هذا على حركة حماس التي هي أصلًا خارجة عن هذا القانون، لكنّه أسقط عن إسرائيل موقعها بين الدول التي لا تحاكَم، ليصبح نتنياهو، مثل بوتين، خارجاً عن (بعض) القانون الدولي. 

لكنّ أهمية هذا القرار تكمن في تكثيفه النقد داخل المؤسسات الدولية لممارسات إسرائيل. وحتى إن لم يستعمل مصطلح «الإبادة» في طلب الملاحقة، فهذه التهمة هي ما يحرّك هذه المحكمة وقراراتها، وهي ما يشكّل التهديد الفعلي لإسرائيل. فالمسار التفاوضي الطويل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والذي يدافع عنه المجتمع الدولي، بات عليه مواجهة أنّ ما يربط الطرفين ببعضهما بعضاً (هذا إن كان هناك طرفان مخوّلان لتفاوض كهذا) هو عملية إبادة، وليس صراعًا حول بعض الأراضي أو خلافاً حول صلاحيات أمنية. وهذا ما يحوّل جذريّاً مبدأ هذا التفاوض ومعه شكل الحلول المقترحة. 


الاعتراف بدولة فلسطين: نهاية ابتزاز المسار التفاوضي

أعلنت ثلاث دول أوروبية، ايرلندا واسبانيا والنرويج، اعترافها الرسمي بدولة فلسطين. يأتي هذا الاعتراف بعد تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يوصي بإعادة مجلس الأمن النظر في عضوية «فلسطين الكاملة بشكل إيجابي». كما يأتي بعد تصاعد حركة اعتراضية في العالم باتت ترفع علم فلسطين كاعتراف ضمني وشعبي بوجود هذا الشعب وأحقيّته بدولته. فمن النتائج العكسية للإبادة التي أرادت محو الفلسطينيين، اعتراف دولي، شعبي ورسمي، بفلسطين. 

من غير الواضح ما يعنيه اعتراف كهذا للمستقبل، خاصة في ظلّ حرب إبادة كالتي نشهدها اليوم. لكنّ هذا الاعتراف يعاكس إحدى فرضيات المسار التفاوضي الذي لطالما سيطر على مقاربة «الحل» في المنطقة، والتي اعتبرت أنّ الاعتراف بدولة فلسطين هو نتيجة لمسار تفاوضي وإحدى أدوات الضغط على المفاوض الفلسطيني. قد لا يغيّر الاعترافُ المعادلاتِ الدولية، لكنّه على الأكيد ينسف «ابتزاز» المسار التفاوضي الذي بقي يحوم فوق الفلسطينيين كوعد لن يتحقّق. 


انهيار صورة إسرائيل: نهاية ثنائيّة «الصراع» واستبدالها بأحاديّة الاستيطان

من مفاعيل الإبادة الحالية، انكسار صورة إسرائيل في الغرب، حتى باتت بالنسبة لكثيرين نموذجاً عن دولة استيطانية تمارس أبشع سياسات القتل والفصل العنصري. فدلالة الحراك الطلابي في الولايات المتّحدة، مثلًا، هي في إشارته إلى هذا التحوّل في الرأي العام، الذي بدأ يستعمل عبارات «الاستيطان» و«الفصل العنصري» و«الإبادة» لوصف ما يجري. كما أنّ محاولات الحكومات الغربية «لوم» الاستيطان وفصله عن سياسات الحكومة الإسرائيلية قد فشلت لتُظهر استحالة فصل طبيعة الدولة الإسرائيلية عن هذا الميل الاستيطاني. 

يعاكس هذا الوصف «الجديد» للأمور- أي ممارسات استيطانية في وجه شعب محتلّ- الوصف الذي شكّل الخلفية لـ«حلّ الدولتين» ومسارها التفاوضي، والذي قام على اعتبار أنّ هناك شعبين يتصارعان على أرض واحدة، وما من حلّ إلا المساومة على مطالب كلّ منهما. لكن مع صعود هذا الوصف الجديد، بات من العبثي التمسّك بهذا المسار قبل أي كلام عن تفكيك البنية الاستيطانية. 


«حل الدولتين» ومساره التفاوضي باتا ينتميان إلى عالم ما قبل الإبادة. هذا لا يعني أن الحل، إن كان هناك من حلّ، لن يأخذ شكل دولتين أو أن التفاوض لن يحصل. بل يعني أنّ أرضية هذا التفاوض قد تحوّلت، مهما حاول القيّمون على العلاقات الدولية محاولة إرجاع العالم إلى ما كان عليه قبل 7 أكتوبر.  

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
شهداء يسكنون خلف العدد الرسمي
20-07-2024
تقرير
شهداء يسكنون خلف العدد الرسمي
قضية الأسبوع

شادن الصادقة والمجتمع المنافق

ميغافون ㅤ
لا سلام مع اليمين المتطرّف في فرنسا
حدث اليوم - فلسطين الجمعة 19 تموز 2024 
«الشعب اليهودي ليس محتلّاً لأرضِه وعاصمته الأبديّة القدس، ولا محتلاً في أرض أجداِده في يهودا والسامرة ولن يؤدّي أيّ قرارٍ شنيعٍ في لاهاي إلى تشويه هذه الحقيقة التاريخيّة.» –– بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة إسرائيل
بلينكن: إيران قادرة عن إنتاج موادّ لصناعة سلاحٍ نوويّ بغضون أسبوع أو اثنَين