تعليق الحرب على لبنان
هلال شومان

«ستَمُوجُ الغابة بالأغصان»

24 آذار 2026

يخال أحدنا أنه مفارقٌ البلد، وهو خارجه أو حتى فيه. محاولات نتوهَّم نجاحها ثم سرعان ما تعلن فشلها حدثًا إثر آخر. نمضي أعمارنا مع البلد وعنفه ولحظاته المعلَّقة. تستبطن عقولنا «المنعطفات الخطرة» و«المفترقات التاريخية» حتى تصير أسلوب حياة. نفكِّر بالأسوأ لعلَّنا ننجح بالتعامل مع الأقل سوءًا. 

بعضنا ينجح في الرحيل، يبني حياةً في الخارج، يحميها بالتزامات مالية ومعيشية بعيدة المدى وصداقات جديدة، لكنَّ السؤال ينقضُّ في لحظة: ما الذي نفعله بعيدًا عن البلد؟ 

آخرنا يبقى في البلد. وتلك معركة يومية من نوع آخر. محاولات متكررة مدفوعة بالرغبة بالإحساس أنَّ كل شيء سيكون على ما يرام. إذ لا يمكن الاستمرار بالعيش من دون الإيمان بشيء أو بالافتراق عنه. 

أفكِّر بذلك كله مع وصول البلد للمأزق الأصعب، في زمن الوحشية الإسرائيلية/ الأميركية المنفلتة والمحميَّة، الذي انطلقت قاطرته في الثامن من أكتوبر 2023. أفكِّر بالبلد المؤجَّل، بالمتبقي فيه من عقد اجتماعي وممارسات دستورية وقانونية. أفكِّر به وهو يرمي كرة النار دائمًا إلى الأمام في محاولة متذاكية مكرَّرة لتجاوز مأزقه الكياني وبديهيات السياسة، فيجترُّ المتوقَّع ويتفاجأ بما يحدث، ومن ثم يلوك المتوقَّع مرة أخرى.

أفكِّر بكيف يمكن له أن يحتوي كل ذلك العنف في شوارعه وكل ذلك اللطف في آن. كيف يمكن للكلام فيه أن ينفلت من عقاله أحيانًا، وكيف يمكن للوداعة أن تحكم التصرفات بين الناس أحيانًا أخرى. أفكِّر بـ«ذريعة» الحرب الأهلية التي منعت توفير بديهيات الحياة واستبدلتها بنظم الانتفاع الجماعاتي، وبـ«رعب» الحرب الأهلية التي نحيا على شفيرها، وبـ«وهم» الحرب الأهلية الذي كبح محاولات التغيير.

أفكِّر بوصم جماعة بشرية تبعًا لقاموس سياسي، وبخطورة ذلك على الناس والبلد. أفكِّر بانحدار الخطاب السياسي، وبانعدام الأفق منذ عشرين عامًا على الأقل، وبصيغة وُلدت ميتة وأُجِّل موتها لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا. 

أفكِّر بالزمن الإسرائيلي الذي يراد للمنطقة أن تدخله بالقوة، وبماهية العالم «الناجح» الموعود، وبالتراجع والتقدّم، والحياة والموت، وبالبيوت التي تُسَوَّى بالأرض، وبالرحيل والعودات المتكرِّرة. 

وأجزع عند رؤيتي للبعض يوضِّبون كلامهم في مواقف عنيفة ومباشرة من دون أي تعقيد. كيف لهم أن يروِّجوا لمعركة داخلية بين أناسٍ لا تتوفر لهم أساسيات العيش؟ كيف لهم أن يحوِّلوا الناس لمجرّد ممثِّلين عن لاعبين إقليميّين؟ مواقف تنفخ في النار باسم الثوريّة، بينما هي ادّعاءات غير مسؤولة في لحظة أهلية بالغة الخطورة. مواقف تدَّعي المعنى في زمن فراغ المعنى، وتجترُّ الماضي كأننا لا نعيش راهنًا أسوأ منه. 

يمكن فهم الصمت وعيًا بكل هذه التعقيدات وبالواقع الخطير الذي ترزح تحته المنطقة، ويمكن تحليل هذه القدرة الغريبة على العنف الكلامي كانعدام قدرة على الاعتراف بالمأزق، لكن لا يمكن فهم التهليل للآلة الإسرائيلية، أو التهديد بمعارك داخلية مقبلة. 

قبل أكثر من مئة عام، نظر أحدُهم إلى السواد في السماء، ورأى الموت في حشرة. كانت كارثةً طبيعيةً صنعت بداية القرن وسبقت نشوء الكيان اللبناني بصيغته الحديثة. اليوم، مع تعاظم الأزمة الكيانيَّة، ينزح الناس هربًا من المقتلة الوحشية التي تُسبّبها الآلة الإسرائيلية، ويتركون بيوتًا صارت مربّعات حمراء، ومناطق تفرَغ عنوةً من الحياة.

أفكِّر بذلك كله، وأقرأ شعر محمد علي شمس الدين: دمعي أصل الطوفان/ وقرباني جسدي/ فاقطع إن شئتَ يدي/ ستموج الغابة بالأغصان/ ويعلو للأشجار عويل/ حتى يثقب سقفَ القبة/ من لم يعرف وجع الإنسان وغربته في الأرض/ فلن يعرف ربَّه.

حاشية: قبل سنتين، كتبتُ نصًّا عن غزة وأهديتُه للفتى خالد جودة، الذي قلتُ عنه إنه «سيمتلك لغته ذات يوم». قبل أسابيع، خطر لي أن أبحث عن اسم الفتى على الإنترنت، لأعرف أنَّه استشهد مع شقيقه بعد أسابيع من استشهاد عائلتهما. يظلُّ يقيني، يا خالد، أنَّ اللغة لا تفنى، بل تبقى فينا وبيننا وبعدنا.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
مشاهد دمار في تل أبيب بسبب صاروخ إيراني
ألبانيزي: عقيدة غزّة تُطبَّق في لبنان
تعليق

«ستَمُوجُ الغابة بالأغصان»

هلال شومان
لبنان يطرد السفير الإيراني
قصّة الطفل جواد أبو نصّار الذي عذّبه الجنود الإسرائيليون
الغارات ليلاً: بشامون والضاحية، ومحطّات الأمانة في صور