تعليق طوفان الأقصى
بشار حيدر

في نقد حماس: مقارنة مع الثورة السوريّة 

ردّ

24 نيسان 2024

دفاعًا عن النقد

في مقالة نشرتها «لندن ريفيو أوف بوكس» في 14 تشرين الأول الماضي، وجّهت جوديث بتلر نقدًا حادًا لعملية طوفان الأقصى. لكنها عادت لاحقا وتراجعت عن النقد. فهل اخطأت بتلر في النقد او في التراجع عنه؟ مؤخراً تناولتْ «ميغافون» مسألة نقد حماس من خلال مقالات اعترضت على هذا النقد. 
وفي ما يلي مساهمة في هذا النقاش ودفاع عن صوابية نقد هجوم حماس في 7 اكتوبر
مقاربتي للموضوع تنطلق من مقارنة مع الثورة السورية، وهي مقارنة عرّج عليها هلال شومان في نقده لمنتقدي حماس.


تحميل حماس مسؤوليّة تبعات طوفان الأقصى

نقد حماس هنا يُطرح من وجهتَيْن. 
الأولى أن حماس تتحمل مسؤولية تبعات هجوم 7 أكتوبر على غزة وأهلها، اعتباراً من أنه كان عليها أن تدرك حجم الردّ الإسرائيلي قبل الشروع بطوفان الأقصى. لكن، وبالتوازي، قد يوجَّه نقد مشابه إلى الثورة السورية، إذ هناك أيضاً، وبالمنطق نفسه، يمكن القول أنه كان يجب أن يُدرَك عنف ردّ النظام السوري على المطالبة بإسقاطه قبل الشروع بالثورة وجرّ الويلات على الشعب السوري. إذا سلّمنا بصحة هذا التماثل بين الحالتين السورية والفلسطينية، فعندها لا يستقيم نقد حماس دون أن ينسحب النقد ذاته على الثورة السورية. والعكس صحيح. لذا، فمن يرفض تحميل الثورة السورية مسؤولية المأساة التي تلتها يجب عليه أن يرفض تحميل حماس مسؤولية تبعات طوفان الأقصى. 

أفق النجاح

لكن هذه المماثلة بين الحالتين الفلسطينية والسورية تحتاج إلى بعض التدقيق. فلا شك أنه، في الحالتين، كانت قسوة الرد متوقعة. لكنّ هذا لا يلغي فروقا مهمة وذات صلة بصوابية النقد. فبخلاف الحالة الفلسطينية، لم يكن أفق نجاح الثورة السورية في إسقاط النظام مغلقا منذ البداية. فعندما اندلعت الثورة السورية، كانت هناك لحظة استثنائية وغير مسبوقة في المنطقة العربية. فقد سبقت الثورة السورية ثورتان، في تونس ومصر، أدّتا إلى تغيير أنظمة سلطوية مترسّخة في هاتين الدولتين. تبعت ذلك ثورة في ليبيا نجحت في حينه، وبمساعدة تدخل غربي، في إسقاط نظام القذافي. لذا كان هناك أفق جديد واحتمال واقعي لإنهاء استبداد حكم الأسد عند قيام الثورة، خاصة بظل مواقف الولايات المتحدة في بدايات الثورة، حين توجه سفيرها إلى حماة الثائرة وقال إن الولايات المتحدة لن تسمح بـ«حماة ثانية». لاحقًا، تراجع الأمل بنجاح الثورة السورية مع تراجع أوباما عن خطّه الأحمر في 2013، وبدأ ذلك الأمل بالتلاشي عند ظهور داعش والتدخل العسكري الروسي المباشر.

أما في الحالة الفلسطينية، فالأمر مختلف. فاحتمالات أن يؤدي طوفان الأقصى إلى إنهاء أو تراجع الاحتلال هي شبه معدومة منذ البداية. أما حظوظه في جرّ الويلات على غزة وأهلها، فمؤكّدة منذ البداية ايضاً. فهجوم 7 أكتوبر لم يأتِ في لحظة استثنائية تُبنى عليها توقعات متفائلة.

قد يصرّ البعض على القول إنّ لا فرق فعلاً بين الثورة السورية وهجوم حماس من جهة احتمالات النصر أو كلفته. بحسب هذا الرأي، لم تكن امكانية انتصار تلك الثورة إلا مجرد وهم، ولذا لا فرق فعلاً من هذه الناحية بين الثورة السورية وهجوم 7 أكتوبر. ولو سلمنا جدلاً بوجهة النظر هذه وقبلنا ان الأمل بانتصار الثورة السورية كان ضئيلا جدا أو معدومًا منذ البداية فيما نتائجها الكارثية مضمونة، فعندها سيكون نقد الثورة السورية كذلك نقداً مشروعاً، كما هو الحال في نقد حماس. 

فشل الحلول العسكرية

بخلاف الحالة السورية، فإنّ اللجوء للقوّة العسكرية من قبل قوى المقاومة الفلسطينية، قد جُرِّب مراراً وعلى مدى عقود مديدة. ونتائج هذه المواجهات المخيّبة، إن لم تكن الكارثية، ماثلة للعيان والعميان. ولا يخفف من فشل الحلول العسكريّة فشل الحلول السلمية الذي يستحضَر دائماً لتبرير أي عمل عسكري فلسطيني، من عملية ميونيخ في السبعينات وإنتهاءً بطوفان الأقصى. ففشل الحلول السلمية، بغض النظر عن أسبابه ومسبباته، لا يعطي تبريرا مطلقاً ودائما لأي عمل عسكري، خصوصاً وأنّ الحلول العسكرية الفاشلة عادةً ما تجلب خراباً وويلات أكبر بكثير من تلك التي تجلبها الحلول السلمية الفاشلة. 

صحيح أنّ هجوم 7 أكتوبر قد أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة، وأنّ الردّ الإسرائيلي على 7 أكتوبر أقصى إسرائيل بدرجة كبيرة عن دائرة التعاطف الشعبي، خاصةً في الكثير من الدول الغربية الحليفة لإسرائيل. وهذا يعني، في نظر البعض، أنّه حتى لو لم يكن النصر العسكري ممكنًا، هناك نصر سياسي لربّما سيؤدي، إلى ضغوط على إسرائيل لتقديم تنازلات جدية لمصلحة الفلسطينيين. لكن المشكلة هنا أنه، وفي نفس الوقت الذي يجلب الرد الإسرائيلي على هجوم 7 أكتوبر كل ذلك التعاطف، يبقى أن ذلك الهجوم نفسه جعل إمكانية أي تسوية اسرائيلية- فلسطينية تعطي للفلسطينيين شيئاً من حقوقهم أصعب وأبعد منالاً من أي وقت مضى، وتاليا فهو لا يخدم قضية الفلسطينيين وهمومهم. 


أخلاقيّة الفعل نفسه

هناك طبعاً مَن يرفض النقد من أساسه حتى في حالة انعدام أفق النجاح، على اعتبار أن من شأن هذا النقد أن يخفف أو يحرف اللوم عن المسؤول الأول والوحيد عن الإبادة، وهو إسرائيل في الحالة الفلسطينية ونظام الأسد في الحالة السورية. لكنّ الإقرار بمسؤولية حماس لا يخفّف أبدا من مسؤولية إسرائيل، بل يعني فقط أن هناك نقداً مشروعاً لحماس. الدفاع عن الحق لا يعطي للمدافع صكّ براءة مطلقاً. فشرعيّة هذا الدفاع تنبع اساساً من سعيه لإحقاق الحق، فإذا كان الفعل لا يحمل هذه الإمكانية، بل يلحق الضرر بأصحاب هذا الحق أنفسهم، يصبح فعلاً غير مبرر حتى لو قام على أساس المطالبة بحق مشروع. 

من هنا، الوجهة الثانية لنقد هجوم 7 أكتوبر. 

وهذه الوجهة لا تنطلق من النتائج والتبعات، بل تتعلق بأخلاقية الفعل نفسه. وهو ما  ذكرتْه جوديث بتلر  في نقدها الذي تراجعت عنه. فإذا كان مقاتلو حماس، ومَن كان معهم، قد قاموا عمداً بقتل وخطف مدنيين عُزّل بينهم كبار في السنّ وأطفال، أمكن عندها نقد الهجوم من هذا الباب. وهو نقد يرتكز على أخلاقيات استعمال العنف. وهي ذاتها الأخلاقيات التي يُراد اللجوء إليها في ادانة رد فعل إسرائيل على هجوم حماس. فأن تكون صاحب قضية عادلة لا يعني أن تُشرّع اخلاقيا أمامك كل أبواب القتال من أجل قضيتك.

ولا أظن أن الأمر كان سيختلف بالنسبة للكثير من مناصري الثورة السورية لو حدث هناك فعل مشابه. فلنتخيل مثلًا أن بعض مقاتلي الثورة السورية نجحوا في مرحلة ما في التخطيط لهجوم مماثل لهجوم 7 أكتوبر، فقاموا باقتحام قرى عَلَويّة مناصرة للنظام وفعلوا بسكانها ما فعلته حماس في سكان تجمعات غلاف غزة. ألن يستحق هجوم كهذا، حتى في زمن الإبادة الأسدية، النقد من ناشطي الثورة ومثقفيها؟ لا اعتقد ان الكثير منهم كان ليتردد في القيام بنقد هجوم من هذا النوع واعتباره تشويهاً للثورة ومطالبها. ولم يكن لهذا الانتقاد أن يخفف او يبرر المجازر التي ارتكبها الأسد وحلفاؤه (وهم بالمناسبة ايضاً حلفاء حماس اليوم). 

إذا كان هذا النقد يصحّ في زمن الإبادة الأسديّة، فلماذا لا يصحّ كذلك في زمن الإبادة الإسرائيلية؟ 

آخر الأخبار

يوميات غزة
قضية الأسبوع

لبنان وإسرائيل

ميغافون ㅤ
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 21/6/2024 
حدث اليوم - فلسطين الجمعة 21 حزيران 2024 
قلق أميركي: إسرائيل تلوّح بحربٍ لا تحتملها
21-06-2024
تقرير
قلق أميركي: إسرائيل تلوّح بحربٍ لا تحتملها
تاجر معبر رفح يعترف: تقاضيتُ الأموال لإخراج غزّاويين إلى مصر