تحليل
سلسلة
صيف 2023: العنف كلّه دفعةً واحدة
سيلفانا الخوري

موت لين طالب والعنف الجنسي في العائلة البطريركيّة

4 تشرين الأول 2023

أسبوعان أو أكثر مرّا على انكشاف حقيقة وفاة الطفلة لين طالب. كيف نقرأ ما حصل من دون أن نحرّف موت الصغيرة الذي هو كلامها الأوحد؟ ما الذي أرادت قوله بجسمها الذي بدا في رفضه التعافي كما لو أنه يرفض السكوت؟ ماذا يقول الذعر والرعب على تعابيرها في الصورة التي انتشرت لها عقب موتها؟ ما الذي أرادت إيصاله ولم تسعفها فيه اللغة وقدرتها على الفهم والاستيعاب والتأويل؟

فلنعد إلى ما بتنا نعرفه وما كشفه القرار الظنّي في قضيتها.

بعدما اغتصب الخال ابنة أخته، استبسلت عائلة الطفلة لـ«إنقاذها»: حملتها أمها وجدّها وجدّتها وخالها نفسه وأقارب آخرون إلى أكثر من طبيب وشيخ ومستشفى، طلبوا لها أمصالاً ومسكّنات، «عالجوها» بحمّامات الماء والملح، بالأدعية والقراءات القرآنية، حتى أنهم أخذوها إلى مدينة الملاهي... أمّا هي، ابنة الست سنوات، فقد بدت في تفاقم حالتها الصحية، كأنها تستمرّ في مقاومة قرارهم في احتواء الفضيحة.

كانوا كثراً. كتيبة عائلية كاملة اشتغل تعاضدها لحماية الخال المغتصب. لم يوجد شخص واحد فيها، واحد فقط، ليستفظع الجريمة ويهبّ استنكاراً للصغيرة. لكن لماذا قد ترتضي أمٌّ أو جدّة أو جدّ أن يضحّوا بطفلتهم بدلاً من أن يهبّوا استنكاراً من أجلها؟
ألأنّهم أشرار بالمطلق؟ إنّهم أشرار طبعاً، لكن ليس فقط. فالجواب الجنائيّ والأخلاقيّ سهل ويُغني عن التفكير.
ألأنّهم من طبقة اجتماعية غارقة في الفقر والجهل والبؤس؟ في ظنّي أن هذا العامل كان سبباً في افتضاح الجريمة لا في ارتكابها. فمثل هذه الجرائم تحصل أيضاً في بيوت الأغنياء لكنهم أكثر اقتداراً على إخفائها.
كيف إذن تحوّلت عائلة عادية كانت قبل أيام من الجريمة تلتقط صوراً للصغيرة وهي تلعب وتأكل وترسلها إلى والدتها المشغولة بولادة زوجة أخيها، لتطمينها على طفلتها – كيف تحوّلت إلى مجموعة أشرار يجهدون لإنقاذ المجرم وطمس الجريمة؟

في الواقع، كانت العائلة بإيثارها التضحية بالطفلة إنما تريد إنقاذ نفسها من خلال إنقاذ أحد ذكورها. فالخال هنا، ليس مجرّد فردٍ منحرف (الجواب المَرَضي مضلّل أيضاً) بل هو رمزٌ للعائلة البطريركية وتجسيد لقيمها ومفاهيمها التي تعتبر النساء والأطفال ملكية لذكور العائلة وتحت تصرّفهم. أما شعارات الشرف والفضيلة التي يقتل النظام البطريركي النساء باسم الحفاظ عليها لأسباب أكثر تفاهة بكثير، فليست سوى إيهام وخداع ومخاتلة. فالاعتداء الجنسي على النساء والأطفال بكل أنواعه (بدءاً بالتحرّش اللفظي وصولاً للاغتصاب) ليس «خللاً» في النظام الأبوي، أو سلوكيات فردية ناشزة، بل هو إحدى أدوات الهيمنة والتطويع في صلب هذا النظام، ملازم له، وسيظلّ راسخاً طالما هو موجود.

مثلها مثل أي تنظيم هرميّ، تشكّل العائلة البطريركية مهداً للهيمنة وحاضنة للعنف والاستغلال. ففي اللحظة التي وجد الخال فيها نفسه وحده في البيت مع ابنة اخته، فكّر كشخص مسيطر وجد الساحة خاليةً لاستغلال مَن هم في مرتبة أدنى: «تَضَيَّفَ» كما تقول دوروتيه دوسّي في كتابها «مهد الهيمنات» الذي تدرس فيه مسألة الاستغلال الجنسي للأطفال في قلب المنظومة العائلية.

من هنا، فإنّ العنف الجنسي ليس مناقضاً لقيم العائلة البطريركية، بل هو تجسيدها الفظيع. فالمنطق الذي يعتبر الرجولة قيمة بحدّ ذاتها وهدفاً أسمى، ومركزية الرجل مسألة بديهية، وقوامته على نساء العائلة وأطفالها واحتكار قوة عملهم وحركة أجسادهم حقاً من حقوقه – هذا المنطق هو مهدُ هذه الجرائم ومُنتجها وحاضنتها ومصدّرها إلى دوائر السلطة الأخرى في المجتمع. 

فالجزء الأكبر من حالات العنف الجنسي على الأطفال تحصل داخل العائلة أو من أشخاص يدورون في فلكها وتبقى في معظمها مسكوتاً عنها. ذلك أن القيمة الأخرى الملازمة لنظام الهيمنة البطريركي هي الصمت والإسكات. الفرق هذه المرة أن جريمة الخال كانت أكبر مما يمكن إخفاؤه وإسكاته وتتفيهه كما يحصل عادة. 

كانت عائلة لين طالب تريد للفتاة أن تتعافى، وللحياة أن تستمرّ كأن شيئاً لم يكن، وتعود الصغيرة لتذهب مع خالها إلى مدينة الملاهي. خافوا من موتها لا من فعلة خالها. ففي نظام الهيمنة البطريركي، الفظيع ليس الاغتصاب، بل الفظيع انفضاحه. وبينما كانت العائلة تجهد لإرجاع الأمور إلى عاديّتها، ظلّت تلك الطفلة في نزاعها طوال خمسة أيام، كأنما تكافح ضدّ السَّتْر وقوانينه، ضدّ السكوت، ضدّ البيوت وأسرارها. وأسرار البيوت في الغالب جرائم مستورة.
فالنظام الأبوي لا يريد أن يقتلنا دوماً. جرائم قتل النساء والأطفال يُراد لها أن تبقى استثناءً، حالات فردية شاذّة. يريد في الأعمّ الغالب أن يقول: «لم يحصل شيء»، ويعود نظام الاستغلال لإظهار نفسه بمظهر العادي والشرعي والطبيعي. 

أكبر خطأ ممكن أن نرتكبه هو أن نقرأ الجريمة مثلما يريد النظام البطريركي لنا أن نقرأها، أي كحادثة فردية استثنائية. فكل قراءة لا تأخذ بالاعتبار البنية الأوسع للجريمة حيث تتقاطع المسؤولية الفردية مع الأخلاقيات البطريركية، إنما تذهب مذهب العائلة في خنق صوت هذه الطفلة. ولا نفع للمطالبة بعقاب المجرمين من دون أن نوجّه إصبع اتهام واحدة للبنية التي أنتجتهم والتي تستمرّ كل يوم بخلق آلاف الضحايا وعزلهم خلف أبواب الصمت والخوف والاكتئاب والاضطرابات النفسية المختلفة. 
وللمدافعين عن العائلة وقيمها أقول: إذا كانت استمرارية العائلة تهمّكم فعلاً، فيجب إعادة التفكير في شكلها وعلاقات القوّة فيها، من أجل عائلة أكثر توازناً لا يهيمن فيها الرجال على النساء، ولا الكبار على الصغار، وحيث مصلحة الطفل وحقوقه وسلامته فوق أي مصلحة.

«ما تغمضي عيونك قبل ما نام»، قالت لين لجدّتها في لحظات رعبها اللاحقة. لم تكن تعرف أنّ التغاضي وإغماض العيون هما القاعدة في مثل هذه الحالات. موت هذه الصغيرة هو صوتها، فلنسمعه.

سلسلة

صيف 2023: العنف كلّه دفعةً واحدة

صيف 2023، أو الانهيار المُجتمَعي مكثّفاً، أو العنف كلّه دفعةً واحدة: من مطاردة الفئات المهمّشة وتعميم التهميش، إلى معاداة الكوميديا والألوان والدُّمى، إلى حُكم الميليشيات المُرتَجَلة، فالتحريض الكلامي وما يليه من قتل، وصولاً إلى نظامٍ يرمّم نفسه بالكراهية.

كان صيف 2023 مكثّفاً؛ وتختمه «ميغافون» بسلسلة مقالاتٍ تسجّل هذه الانطباعات كما تدفع بالنقاش خطوةً إلى الأمام.

 الحريات الممنوعة | تحليل

آخر الأخبار

إدلب تريد إسقاط الجولاني
09-04-2024
تقرير
إدلب تريد إسقاط الجولاني
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 9/4/2024 
مقتل باسكال سليمان
09-04-2024
تقرير
مقتل باسكال سليمان
روايات متضاربة ومضلّلة تنتهي بالتحريض
حدث اليوم - فلسطين الثلاثاء 9 نيسان 2024 
متطوّعات في رفح يحضّرن كعك العيد
سؤال للخارجية الأميركية: كم منزلاً قابلاً للسكن بقيَ في خان يونس؟