1-
سنة 1959، نزلوا الأخوين عادل وكميل سرياني من شارع مار متر على البلد يشتروا قماش. كانوا عم يفتحوا محلّ قمصان جديد بشارع سليم بسترس، فوق الجنينة الصغيرة بوجه كنيسة مار نقولا. سنة 1959، كان زياد عمره بالكاد 3 سنين.
بعد بكّير ليدخل على قصّتنا.
وصلوا كميل وعادل على محل القماش ورا بلدية بيروت. اختاروا الأصناف، النقشات، الكمّيات، دراع، تنين، تلاتة… إجا وقت الحساب: ألفين وميتين ليرة. كان بوقتها مبلغ كبير والدفع تقسيط بالسندات.
-شو الاسم؟
-كميل سليم سرياني
-الوالد سليم سرياني؟!
-نعم…
غَصّ بياع القماش ودمّعوا عيونه.
-روح عمّي، روح. بس يصير معك بتدفع…
-خير! شو في؟
-الوالد إله فضل علينا... بَيّك ساعدنا نهرب من الشام على بيروت.
2-
بالفعل، بَيّهن سليم حنا سرياني (1891-1954) من ماردين، وكان رقيب أوّل بالجيش التركي، مَركزه بالشام. كانوا المسيحيين بوقتها يشتغلوا بالسخرة، وساعد كم شخص منهن يهربوا صوب بيروت. بس عاد وصل هو على لبنان بالـ1910 ساعدوه يستقرّ بالأشرفية.
«سرياني» لقب، أصل العيلة «أكباش»، يعني الراس (باش) الأبيض (اك).
-خلص روح عمّي. اشتغلوا، وكل ما يصير معكن بترَجعوا. ما في لزوم لأوراق وسندات.
هيك فَتحوا المحل. كميل كان عمره 15 سنة وعادل 24. كان كميل بعده عم يتعلّم ويخاف يفَصّل قمصان، من بعد ما تعلّم الخياطة من خيّه إدمون وخاله إميل اللي تدرّب عند الرهبان المُرسلين باللعازارية. كلّ التلاميذ اللي درسوا باللعازارية بوقتها صاروا معلمين خياطة، نجارة، حدادة ونحت. في نهار كان عنده طلبية كبيرة: 70 قميص! بقي كميل بالمحل كل الليل، فَصّل، خيّط، وخلّص القمصان.
وصل إدمون الصبح، شاف الطلبية جاهزة مرتّبة بأكياس. ابتسم، لبس الجاكيت، وضهَر ومن يومها ترك المحل وما رجع.
3-
استلم الأخوين سرياني محل القمصان وبقيوا سوا كل هالسنين. عادل فوق على الاستقبال. وكميل وأبو يوسف وعلي وجوزيف وولد صغير اسمه غابي، بالطابق التحتاني بيخَيطوا قمصان. غابي كان بيته قريب من المحل وكان يوقف على الشباك يتفرّج عليهن عم يشتغلوا بالليل. بالأوّل ما كان يفهم شو بيعملوا، وكان مفكّرهن عصابة عم تخيّط كياس قماش ت تسرق البنك المركزي. في يوم فات وسأل إذا عايزين موظّف، وهيك صار جزء من العصابة.
عادل كان يستقبل الزبونات. يساعد بتَني القَبّة والزنود، يسلّم طلبيات، يحاسب وينظّم العملية كلها. كان كمان يحب يسافر كتير. يروح على إيطاليا وسويسرا يجيب قماش ويبرم على أفخر أنواع «الكلبك» ت يغطّي الراس الأبيض أيام البرد ببيروت أو ميلانو.
4-
بيوم بآخر السبعينات، من بعد أوّل عارض صحّي، استدَل عاصي حنّا الرحباني على المحل من مغنّي بالكورس كان حلاق ستّاتي بالأشرفية. كميل كان يعرف عاصي ومنصور من مهرجانات بعلبك. كان يطلع كل آخر أسبوع بوقت الحفلات وينزل بأوتيل پالميرا، وهونيك يلتقي بعاصي ومنصور وفيلمون.
المهم، صار عاصي يمرق من وقت لوقت يشرب قهوة. أخد كم قميص وكان يحب القماشات الملوّنة خصوصاً.
في يوم بيفوت عاصي مهموم وبيقعد. بيسأله عادل: شو قصتك؟ كيفها السريانية؟، بيقله: والله زعلانة منّا السريانية!، وبيضحكوا. السريانية، يعني فيروز، بنت وديع حدّاد اللي كمان إجا من ماردين مع اللي هربوا من الاضطهاد والمجازر اللي ارتكبها العثمانيين بحقّ السريان والأرمن ببداية القرن العشرين.
5-
بكانون التاني 2014، زار زياد محل الأخوين سرياني لأوّل مرّة، وقدّموله 3 قمصان. حكيوا عن عاصي وفيروز، حكيوا موسيقى وسياسة، وطبعاً إجا وقت القياس. كميل ما بيسَجّل، بيتذكّر. يعني إذا طلبت منّه قميص أوّل مرّة، بياخد قياسك، من بعدها ما في لزوم ترجع تقيس.
بيوقف زياد، بيشيل كميل الماسورة وبياخد كم قياس. بيرجع بيتأكّد، وبيبتسم.
زياد بيقلّه: خير، شو في حكيم؟
بيضحك كميل وبيقلّه لو عارفين إنّه قياساتك متل قياسات الوالد، ما كنّا عذّبناك لهون.
6-
أصَرّ زياد يرجع مرّة تانية ت ياخد القمصان ويشرب قهوة. وبقي يسألني عن كميل وعادل– الأخوين سرياني– كل مرّة منحكي.
في يوم بالـ2015، بيتّصل زياد، كان صرلنا فترة ما حكينا. بيتطمّن وبيسألني: كيفن الأخوين سرياني؟ وخيّك كيفو؟ ع فكرة، إنتو كمان الأخوين سرياني! ليك شو رأيك نكتب مقال إنّه الأخوين سرياني هنّي الأساس. المقال بيقول إنّه في باحثين وخبرا بالموسيقى من جامعة كولومبيا (متل العادة) لقيوا أوراق ومخطوطات محتفظين فيها رهبان بدير قديم بماردين، وعليها ألحان للأخوين سرياني! وإنّه الأخوين رحباني بيوم لقيوا نسخة من هالأوراق ونَسَبوا الألحان إلهن! والله بتعمل خضّة!